أطلقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مؤخرًا فيلما قصيرا يوثق المعاناة الإنسانية الناتجة عن التجارب النووية الفرنسية التي أٌجريت في منطقة رقان جنوب الجزائر بدءا من 13 شباط/ فبراير 1960، أي قبل فترة وجيزة من نيل الجزائر استقلالها.

ويحاول الفيلم القصير، الذي أخرجه المخرج الجزائري كريم موساوي الإجابة عن أسئلة حول الآثار الإنسانية والبيئية لهذه التجارب النووية، سواء تلك الملحوظة أو غير المرئية.

ويبدأ الفيلم بلقطات أرشيفية بالأبيض والأسود تتبع طائرة صغيرة تقلع في صحراء قاحلة، وفيها نرى مشاهد لمركبات وطائرات مدمرة. يأخذنا التعليق الصوتي في الفيلم [باللغة الفرنسية، وترجمة عربية] ليشرح لنا تفاصيل دائرة شاسعة من الرمال السوداء، هي الأثر الملحوظ للتفجير النووي الفرنسي في صحراء الجزائر.

يعرض الفيلم كلام شاهد عيان جزائري على التجربة النووية فيذكر كيف انتاب سكان المنطقة الفزع الشديد جراء التفجير وظنوا أنه علامة على نهاية العالم.

وفيما تحتفل الجزائر في الخامس من تموز/يوليو بمرور ستين عامًا على استقلالها، لا تزال هناك قضايا إنسانية عالقة بينها وبين باريس، أبرزها ملف التجارب النووية التي أجرتها فرنسا بين أعوام 1960 و1966 في رقان وأكر بالصحراء الجزائرية.

ويقول خبراء، بعد تحليل مضمون وثائق فرنسية رُفعت عنها السرية، إن التداعيات الإشعاعية للتفجيرات النووية، التي أطلق عليها اسم عملية «اليربوع الأزرق»، كانت أبعد بكثير من المدى الذي أُعلن عنه في البداية.

عن تلك التفجيرات تكتب الباحثة الجزائرية في القانون الدولي الدكتورة فضيلة ملهاق:

«خلَّفت هذه العملية كوارث بشرية وبيئية. لا تزال المنطقة تعاني تلوث الجو بالإشعاعات النووية، وتلوث المياه، وتشوهات خلقية للمواليد الجدد، وتفشي الأمراض السرطانية وإعاقات… إلخ. كما أدت إلى انقراض أنواع من الحيوانات والنَّباتات. ولا تزال تلك التفجيرات تخلف ضحايا في مناطق الانفجار وضواحيها، ولكن حدود آثارها غير معروفة، فقد خلفت تلك العمليات سحبًا معبأة بالمواد المشعة انتقلت إلى غاية جنوب أوروبا، وتوغلت في مناطق مجاورة للجزائر.»

جدير بالذكر أن فرنسا رفضت التصديق على معاهدة حظر الأسلحة النووية التي مأقرتها الأمم المتحدة في تموز/ يوليو 2017، ودخلت حيز النفاذ في 22 كانون الثاني/يناير 2021.

وتدعو اللجنة الدولية إلى ضرورة أن تتكاتف دول العالم لحظر الأسلحة النووية ذات التأثير المرعب والتي تمثل تهديدًا لبقاء البشرية. فهذه الأسلحة من حيث «قدرتها التدميرية، وما تجلبه من معاناة إنسانية تفوق الوصف، ومن حيث استحالة السيطرة على آثارها عبر المكان والزمان.»

حرب التحرير وتطوير القانون الدولي

أنهى توقيع اتفاقيات إيفيان التاريخية في 18 آذار/مارس 1962، ثماني سنوات من حرب دامية خلّفت آلاف القتلى بين الثوار الجزائريين والجيش الفرنسي، انتزعت الجزائر بموجبه استقلالها في الخامس من تموز/يوليو من العام 1962، بعد 132 عامًا من الاحتلال.

وخلافًا للدول الأفريقية التي نالت استقلالها سلميًا من فرنسا في الستينيات من القرن الماضي، فإن الجزائر هي المستعمرة الفرنسية الوحيدة في إفريقيا التي تحررت بقوة السلاح.

ولفترة الاستعمار الفرنسي للجزائر (5 تموز/ يوليو 1830 – 5 تموز/ يوليو 1962) أهمية ملحوظة في سياق التطور التاريخي للقانون الدولي الإنساني. فمن ناحية أولى، يقول مؤرخون وفقهاء قانون إن حرب الجزائر أدت دورًا ملحوظًا في تطوير القواعد القانونية التي تحكم سير العمليات القتالية.

وكان الجزائريون قد بدأوا مبكرًا للغاية معاركهم مع القوات الفرنسية، على غرار معركة الزمالة، التي جرت في العام 1843 تحت قيادة الأمير عبد القادر الجزائري (1808- 1883).

وللأمير عبد القادر دور ملموس في تطوير مبادئ ااحترام قواعد الحرب وتوفير الحماية لأسرى الحرب من غير المسلمين. ويقول الدكتور مرايمي محمد في مقال تحليلي عن إسهام الأمير عبد القادر الجزائري في تطوير القانون الدولي الإنساني:

«يمكن القول إنَّ المرسوم الذي أصدره [الأمير عبد القادر] في العام 1843 بخصوص القواعد الناظمة لتعاطي جنود وعساكر دولته مع الاحتلال الاستعماري الاستيطاني الفرنسي للجزائر، يشكل بحق أول عتبة للقانون الدولي الإنساني الحديث لما تضمنه من قواعد ومبادئ، فضلًا عن مثل ومقاصد شكلت في ما بعد الأسس التي بنيت عليها الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، لا سيما في مجال أنسنة الحرب وضرورة معاملة الجنود غير القادرين على القتال، أسرى كانوا أم مصابين، معاملة إنسانية دون أي تمييز.»

من ناحية ثانية، فقد كان لحرب التحرير الجزائرية، التي اندلعت في تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1954، دورًا مهمًا في سد بعض ثغرات التطبيق في القانون الدولي القائم آنذاك، وجعلت العالم يقبل انضمام حركة مقاومة مسلحة لقانون النزاعات المسلّحة بوصفها طرفًا قانونيا معترفا به. يشرح الدكتور العشاش إسحاق ذلك التطور القانوني الذي حدث جراء حرب التحرير الجزائرية قائلا:

«استفحل الوضع الإنساني وأضحى أكثر تعقيدا لدى المدنيين والمقاتلين من كلا الطرفين، بالرغم من دعوة اللجنة الدولية للصليب الأحمر أطراف النزاع إلى الامتثال واحترام قواعد قيادة العمليات العدائية، ومن ثم إعلان جيش التحرير الجزائري الإذعان لقواعد قانون النزاعات المسلحة والتمسّك بالأعراف الإنسانية من جانب واحد، ومع ذلك، تمكنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من ايفاد عدد من مندوبيها وتقديم خدمات إنسانية في غاية الأهمية لكلا الطرفين.»

ويتابع إسحاق:

«مع اتساع نطاق أعمال العنف في كامل إقليم الجزائر وبعد مرور ثماني عشر شهرًا، اعترفت سلطة الاحتلال بحالة النزاع المسلح غير الدولي الذي تنطبق فيه المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949، وبذلك أضحى من حقّ الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر بما يشمل أفراد المقاومة (حركات التحرّر)، الاستفادة من الحدّ الأدنى من المعاملة الإنسانية المقرّرة.»

وكانت الزيارات لأماكن الاحتجاز وإجراء مقابلات على انفراد مع المحتجزين حجر الزاوية في جهود عمل اللجنة. فقد اضطلع المندوبون من العام 1955 إلى غاية الاستقلال في العام 1962 بعشر مهمات، تفقدوا خلالها 490 مركز احتجاز بالجزائر و96 بفرنسا، حسبما ترصد الزميلة ليندة بوعلي، من بعثة اللجنة الدولية في الجزائر.

ICRC archive

ولم تقف مساهمة حرب التحرير الجزائرية في تطوير القانون الدولي الإنساني عند هذا الحد، إذ إن اللجنة الدولية وبعد تقييم شامل لحالة الاضطرابات الداخلية، وتوفير المساعدة للمحتجزين السياسيين قدمت إطارًا عامًا للقواعد القانونية التي عُرفت لاحقا بـ بروتوكولي 1977 المضافان إلى اتفاقيات جنيف لسنة 1949.

وفي حوار صحافي نشرته مجلة «الإنساني» منذ سنوات، ذكر بيار غايار، وهو مندوب عمل سنوات في زيارة أسرى الحرب خلال حرب التحرير الوطني في الجزائر منذ بدايتها عام 1954، الأهمية المتزايدة لدور اللجنة الدولية خلال تلك الفترة. وقال:

«بعض المثقفين الفرنسيين بدأوا، في ذلك الوقت، إدانة ممارسة التعذيب في الجزائر […] نشرت الصحف عام 1957 أحد التقارير السرية، التي قدمتها اللجنة الدولية للحكومة الفرنسية، وسجلت فيها ملاحظتها أثناء أدائها مهمتها، وكان يشتمل على روايات عن التعرض للتعذيب. ونشرت صحيفة لوموند الفرنسية ثلاث صفحات منه. ووفقا للالتزامات التي تعهدت بها اللجنة الدولية للحكومة الفرنسية، كان يتعين الحفاظ على سرية التقارير. ولم يكن للجنة الدولية يد في عملية النشر، بالطبع، إلا أن ما حدث كان له وقع كبير على السلطات الفرنسية.»

واليوم وبعد مرور 60 عامًا على نهاية الحرب، تواصل اللجنة الدولية زيارة أماكن الاحتجاز في الجزائر، وتتولى بالتعاون مع السلطات الجزائرية أنشطة لتعزيز القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتواصل أيضًا تعاونها التاريخي مع شريكها الهلال الأحمر الجزائري.

يمكنكم الاطلاع على العديد من الوثائق الخاصة بحرب الجزائر، مثل الصور والأفلام على البوابة الإلكترونية لأرشيف صورة اللجنة الدولية في هذا الرابط: https://avarchives.icrc.org/

جدير بالذكر أن هناك نسخة أرشيف اللجنة الدولية موجود في المديرية العامة للأرشيف الوطني الجزائري، وهو متاح للجمهور.

اقرأ أيضا

العشعاش إسحاق، حركة تحرير طرفًا لأول مرة في نزاع مسلح دولي: الذكرى الستون لانضمام الجزائر إلى اتفاقيات جنيف

مرايمي محمد، الإسلام كمرجعية لحماية أسرى الحرب…إسهام الأمير عبد القادر الجزائري في تطوير القانون الدولي الإنساني

فضيلة ملهاق، بين الجزائر وفرنسا لا يسهل قلب الصَّفحة ولا تصفُّحها كماض: عندما تضع الحرب أوزارها تُعلن الذاكرة نضالها

ليندة بوعلي، ذاكرة اللجنة الدولية شاهدة: محطات مضيئة للعمل الإنساني في حرب تحرير الجزائر

محمد عبد المجيد بن أحمد، بيار غايار: ذكريات 20 عاما من العمل الإنساني في حرب الجزائر