طوال 20 عاما تقريبا، عمل بيار غايار مندوبا عاما للجنة الدولية للصليب الأحمر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وشهد خلال عمله حرب التحرير الوطني في الجزائر منذ بدايتها عام 1954، وكان هو من اقترح على اللجنة الدولية مساعدة الأسرى من طرفي النزاع.

زار غايار أماكن احتجاز لأسرى جزائريين لدى الإدارات الفرنسية الحاكمة للجزائر وقتها، كما توسط من أجل إطلاق أسرى فرنسيين لدى جبهة التحرير الوطنية الجزائرية. وفي هذا الحوار يفتح غايار ملف ذكرياته لـ “الإنساني”، ويتحدث عن أنشطته، هناك، في الفترة التي استغرقتها عملية التحرير من 1954 إلى 1962.

متى استهلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنشطتها أثناء النزاع الجزائري؟

اقترحت على اللجنة الدولية مساعدة الأسرى منذ اندلاع “أحداث” 1954 [حرب التحرير الوطني في الجزائر]. وقتها، تعين مخاطبة الحكومة الفرنسية، ولم يكن ذلك سهلا، فالجزائر كانت مكونة من ثلاث إدارات فرنسية، وكان الفرنسيون يعتبرون ذلك “شأنا داخليا”. إلا أننا نجحنا في الحصول على ميزة خاصة عندما أبدى بيار مانداس فرانس رئيس الحكومة، آنذاك، موافقته على المساعي التي قام بها مندوبنا في باريس، وسمح للجنة الدولية بزيارة أماكن الاحتجاز في الجزائر والمغرب.

وفي تلك الفترة، كان رئيس اللجنة الدولية رجلا صاحب رؤية، هو بول روجير، الذي دعا لعقد اجتماعين لخبراء دوليين (قانونيين، وسياسيين، وغيرهم) لمناقشة شأنين، هما الاضطرابات الداخلية، وتوفير المساعدة للمحتجزين السياسيين. ونشرت اللجنة الدولية نتائج هذين الاجتماعين في نشرات كتابية صغيرة، مهدت لميلاد القانون الدولي الإنساني، الذي كرسه بروتوكولا 1977 المضافان إلى اتفاقيات جنيف لسنة 1949.

واستنادا إلى هذه الاستنتاجات التي انتهت إليها لجان الخبراء، وخاصة ذات الصلة بمساعدة المحتجزين السياسيين، تمكنّا من صياغة الطلب الذي رفعناه للحكومة الفرنسية لشرح الأنشطة التي كانت اللجنة الدولية ترنو إلى تنفيذها في الجزائر والمغرب.

ونلنا الموافقة على زيارة السجون في الجزائر، وكان الأمر يتعلق بإجراء زيارات عرضية، ولم تكن مسألة تكرار هذه الزيارات مطروحة في البداية. وعلى هذا الأساس، بدأنا زيارة السجون في الجزائر في آذار/مارس 1955.

هل زرتم جميع السجون؟

كنا نزور الأشخاص الذين جرى توقيفهم، تحديدا، إثر وقوع “الأحداث”. وكان التصريح عاما، إلا أن غالبية السجناء كانوا متهمين، ولم يصدر ضدهم حكم بعد.

كان المتهمون يخضعون لسلطة قضاة التحقيق بموجب القانون الفرنسي، لذا كان يتعين علينا الحصول على تصريح من القاضي عند زيارة كل سجن حتى نتمكن من الالتقاء بالمتهمين دون وجود شهود. وأبدى بعض القضاة تحفظهم على ذلك الأمر، إذ ارتأى بعضهم، استنادا إلى مبدأ استقلال القضاء، عدم وجود أي التزام تجاه ما اتخذته الحكومة من قرارات. ولكن، رغم كل شيء، تمت المهمة بشكل طبيعي.

وفي وقت لاحق، وخلال هذه اللقاءات، التي كانت تتم دون وجود شهود، علمنا بوجود معسكرات احتجاز إدارية تسمى “مراكز إيواء”، بخلاف السجون. وكانت هناك ثلاثة مراكز في ذلك الوقت، واحد في كل منطقة كبيرة وهي: جرف لسكان مدينة قسنطينة، والثاني في مدينة البرواقية لسكان الجزائر العاصمة، والثالث في أرزيو لسكان وهران. وحصلنا أيضا على إذن بزيارة هذه المراكز الإدارية. وبالتالي شملت المهمة الثانية زيارة السجون ومراكز الإيواء. وكان عدد السجناء كبيرا، والزيارات طويلة.

بعد ذلك، وخلال إجراء المقابلات داخل مراكز الاحتجاز، علمنا أنه كان يجري احتجاز بعض السجناء في معسكرات محلية تابعة للجيش تسمى مراكز الفرز، قبل وصولهم إلى هناك. ففي كل قطاع عسكري يوجد مركز من هذه المراكز تديره كتيبة، ويُحتجز داخله أشخاص لقيامهم بأنشطة سياسية، أو ألقي القبض عليهم أثناء انخراطهم في أعمال مقاومة، وكنا نزور هذه المراكز أيضا. وأصبحت اللجنة الدولية، منذ ذلك الحين، طرفا فاعلا في مجال المساعدات الإنسانية أثناء النزاع الجزائري. وقد خصص لنا الجيش الفرنسي ضباط اتصال برتبة نقيب، ثم عقيد، وأخيرا جنرال، مما يدل على الأهمية التي كانت تحظى بها هذه المهمة.

وبطبيعة الحال، كان يرافقنا أثناء كل هذه الزيارات أطباء لتأييد الملاحظات التي نبديها إن وجدت. وبخلاف مراكز الفرز، تبين لنا وجود مراكز لإعادة التأهيل، كان الغرض منها، بلا شك، إعادة المقاتلين الذين وقعوا في الأسر إلى ساحة القتال. إلا أن بعض المثقفين الفرنسيين كانوا قد بدأوا، في ذلك الوقت، إدانة ممارسة التعذيب في الجزائر.

 ماذا كان موقف اللجنة الدولية؟

نشرت الصحف عام 1957 أحد التقارير السرية، التي قدمتها اللجنة الدولية للحكومة الفرنسية، وسجلت فيها ملاحظتها أثناء أدائها مهمتها، وكان يشتمل على روايات عن التعرض للتعذيب. ونشرت صحيفة لوموند الفرنسية ثلاث صفحات منه. ووفقا للالتزامات التي تعهدت بها اللجنة الدولية للحكومة الفرنسية، كان يتعين الحفاظ على سرية التقارير.

ولم يكن للجنة الدولية يد في عملية النشر، بالطبع، إلا أن ما حدث كان له وقع كبير على السلطات الفرنسية. وعجزت اللجنة الدولية عن العودة لممارسة عملها في الجزائر طوال عدة شهور. غير أن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية أيقنت أهمية الأنشطة التي تتولاها اللجنة الدولية.

ما هو الوضع الذي كان مكفولا للمقاتلين الجزائريين الأسرى؟

في السنوات الأخيرة من النزاع، ونتيجة لمساعي اللجنة الدولية لدى الجنرال سالان، الذي كان القائد العام في ذلك الوقت، صدرت تعليمات بأنه يحق للأشخاص الذين يقعون في الأسر، وهم يرتدون الزي العسكري ويحملون السلاح، الحصول على معاملة تقترب من المعاملة التي يلقاها أسير الحرب، ولكن دون الحصول على الوضع الخاص به. فنظرا إلى أن النزاع لم يكن نزاعا داخليا معترفا به، لم تشمله اتفاقيات جنيف رسميا. إلا أن الوضع قد شهد تطورا بدافع الرغبة في استعادة هؤلاء المقاتلين ممن يطلق عليهم حملة السلاح الذين سقطوا في الأسر.

وأدى التعدد الكبير لفئات السجناء إلى قيام اللجنة الدولية بزيارة جميع مراكز الاحتجاز. و عند كل زيارة، تعين التعامل بالطبع مع السلطات المدنية والعسكرية الخاصة بكل منطقة (قسنطينة والجزائر العاصمة ووهران)، لتطلعها اللجنة على ما تبديه من ملاحظات.

وفي نهاية المهمة، كنا نلتقي في الجزائر العاصمة بالقائد العام والحاكم العام (وهو بمثابة أعلى ممثل للحكومة الفرنسية في الجزائر). وكان يجري في مقر اللجنة الدولية في جنيف إعداد تقرير نهائي بشأن المعسكرات التي تمت زيارتها وموجز يشتمل على بعض التوصيات والتعليقات.

وكان أحد هذه التقارير هو التقرير الذي نشرته لوموند الفرنسية. إلا أن جميع هذه المساعي لم تنجح في وقف عمليات التعذيب في الجزائر، لكننا شعرنا بأننا ساهمنا في الحد من آثارها، لاسيما أن العديد من الضباط كانوا يعارضون هذه الممارسات. وبصفتي رئيسا لبعثة اللجنة الدولية، التقيت رئيس الحكومة، آنذاك، غي مولي، حتى تحظى ملاحظاتنا بالمساندة اللازمة.

في المقابل، كيف كان حال الأسرى من العسكريين الفرنسيين؟

طلبت شخصيا، وبإصرار، مساعدة العسكريين الفرنسيين الواقعين في الأسر في الجزائر، وذلك من الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية والهلال الأحمر الجزائري (الذي كان في طور الإنشاء، آنذاك، وكانت تجري بينه والمقر في جنيف اتصالات منتظمة). كان الهدف هو الحصول على الموافقة على تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، في إطار ما كان يتم لصالح مختلف فئات السجناء الجزائريين. ونجحت اللجنة الدولية أربع مرات في إقناع جبهة التحرير الوطنية بالإفراج غير المشروط عن ضباط فرنسيين سقطوا في أيديها أثناء عمليات المقاومة.

ولم يكن عدد الأسرى كبيرا إلا أن وقع عمليات الإفراج، التي تمت مرتين، في تونس والمغرب كان مهما. وفي تونس، كان للحدث صبغة رسمية. وفي كل مرة قمت بتمثيل اللجنة الدولية، وكانت إجراءات التسليم تجري، بحضور صحافيين، كالتالي: يصل ضابط تابع لجيش التحرير الوطني بصحبة الأسرى، ثم يسلمهم رسميا للهلال الأحمر الجزائري، ليسلمهم بدوره للهلال الأحمر التونسي، ثم تستلمهم اللجنة الدولية بعد ذلك.

وكنت أصطحب الأسرى إلى القنصلية الفرنسية لتتولى إعادتهم إلى وطنهم. أما في المغرب، فكانت عملية تسليم الأسرى الفرنسيين الذين سقطوا في الجزائر تجري في كل من الرباط ووجدة، حيث يقع فرع لمقر الهلال الأحمر الجزائري. وأتذكر أن عملية إطلاق سراح الأسرى في الرباط أجريت تحت رعاية الأميرة عائشة، شقيقة الملك الحسن الثاني، والتي كانت الرئيس الفخري لجمعية الهلال الأحمر المغربي، آنذاك.

 كيف كانت علاقة اللجنة الدولية بالقوميين الجزائريين؟

أقامت اللجنة الدولية علاقات مع الجزائريين منذ البداية. أولا، عام 1955 مع فرحات عباس عندما قدّم للجنة الدولية طبيبا من وهران لتمثيل الهلال الأحمر الجزائري الوليد في جنيف، هو الدكتور بلقاسم بنتامي. ولم يكن من الممكن في ذلك الحين الاعتراف بالهلال الأحمر الجزائري رسميا، نظرا لعدم استيفاء شروط الاعتراف.

ولكن طوال فترة حرب الجزائر، كانت تربطني بالدكتور بنتامي صلات وطيدة لم تنقطع، وكانت بيننا أيضا علاقة جوار. وبفضل تدخله الشخصي، نجحت اللجنة الدولية في الحصول أربع مرات على إطلاق سراح أسرى فرنسيين. وبعد نهاية الحرب في 1962، تقلد الدكتور بنتامي منصب سفير الجزائر لدى الأمم المتحدة في جنيف.

وكانت اللجنة الدولية مهتمة أيضا بمراكز تجميع المدنيين بعد قيام الجيش الفرنسي بإجلائهم من مناطق إقامتهم، لإبعادهم عن جيش التحرير الوطني. ويمكن القول بأنهم كانوا كاللاجئين في وطنهم. وسارعت اللجنة الدولية إلى توفير المساعدات المادية لهذه المراكز، وشجعت الصليب الأحمر الفرنسي على مساعدة هؤلاء الأشخاص. فقد تم إرسال ممرضات وأخصائيات اجتماعيات من فرنسا للجزائر للقيام بهذه المهمة.

ووافق الهلال الأحمر الجزائري على اقتراح اللجنة الدولية بتولي الصليب الأحمر الفرنسي عملية توزيع المساعدات، مما شكل نموذجا رائعا للتعاون داخل الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. وطالبت الحكومة الفرنسية اللجنة الدولية وبموافقة السلطات الجزائرية بالبحث عن بضع مئات من المدنيين الفرنسيين الذين فقدوا خلال الأشهر التي تلت تحرير الجزائر. إلا أن النتائج التي أسفرت عنها عملية البحث المنظم والممتد عن هؤلاء الأشخاص جاءت، بكل أسف، ضعيفة.

وهناك مشكلة أخرى نشأت أيضا تتعلق بمصير “الحركي”*، إذ شاب المعلومات التي حولهم قلق بالغ. وطلبت اللجنة الدولية مني العودة إلى الجزائر لتولي أنشطة لصالحهم، تتمثل في زيارة أماكن الاحتجاز التي يمكن العثور عليهم فيها. وفي خريف 1962، وبعد عودتي إلى الجزائر، التقيت وزراء في الحكومة الجزائرية، والكولونيل بومدين، الذي كان رئيسا للقوات المسلحة. ولكن لم تكلل جهودي بأي نجاح. ومن ناحية أخرى، اعترفت اللجنة الدولية بموجب الإجراءات المعمول بها، بالجمعية الوطنية للهلال الأحمر الجزائري، بعد أن استوفت شروط الاعتراف بها، مما سمح بانضمامها إلى الحركة الدولية للصليب الأحمر.

هل أدى استقلال الجزائر إلى رسم خطوط النهاية لأنشطة اللجنة الدولية في البلاد؟

بالقطع لا! فبعد أول تموز/يوليو 1962 حافظت اللجنة الدولية على وجود بعثتها في الجزائر، حيث كان يعمل بها أربعة أشخاص، لمواصلة تقديم المساعدات للمدنيين الجزائريين والفرنسيين أو لغيرهم من الجنسيات الأخرى، ممن عانوا من الحرب الاضطرابات التي تلتها. وكان ضمن مهام بعثتها التي أقامت اتصالات رسمية مع الحكومة الجديدة، مساعدة جمعية الهلال الأحمر التي بدأت تعمل في الجزائر.

وبخلاف ذلك، تميزت العلاقات بين الجزائر واللجنة الدولية بالاحترام والثقة المتبادلة. وهناك طرفة صغيرة دعني أقصها عليك، فبعد مرور بضع سنوات على الاستقلال، اختطفت طائرة تابعة لشركة طيران العال الإسرائيلية، وهبطت في الجزائر العاصمة. واتصل الهلال الأحمر الجزائري باللجنة الدولية طالبا قدومي إلى هناك. ذهبت بالفعل، واستقبلني رئيس الجمعية في سرية تامة، وأقمت عنده. وما لبث أن تم تسليمي قادة طائرة العال، دون إعلان، واصطحبتهم خارج الجزائر.

هوامش

* مصطلح يطلق على جزائريين تعاونوا مع الفرنسيين أثناء حرب التحرير الوطني

نُشر هذا المقال في الأصل في عدد «مجلة الإنساني» رقم  50 الصادر في خريف 2010. 

اقرأ أيضا: 

فضيلة ملهاق، بين الجزائر وفرنسا لا يسهل قلب الصَّفحة ولا تصفُّحها كماض: عندما تضع الحرب أوزارها تُعلن الذاكرة نضالها

العشعاش إسحاق، حركة تحرير طرفًا لأول مرة في نزاع مسلح دولي: الذكرى الستون لانضمام الجزائر إلى اتفاقيات جنيف

ليندة بوعلي، ذاكرة اللجنة الدولية شاهدة: محطات مضيئة للعمل الإنساني في حرب تحرير الجزائر

مرايمي محمد، الإسلام كمرجعية لحماية أسرى الحرب…إسهام الأمير عبد القادر الجزائري في تطوير القانون الدولي الإنساني