أطلقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر اليوم الاثنين حملة عالمية لتوعية الجمهور العام بمخاطر الأسلحة النووية، وحث دول العالم على فرض حظر شامل على هذه الأسلحة التي تمثل خطرًا داهمًا على الإنسانية نظرًا لما تمتلكه من قوة تدميرية منقطعة النظير قد تؤدي إلى عواقب بشرية مأساوية.

وهذه الحملة جزء من نشاط مستمر منذ عقود للجنة الدولية بغية وضع نهاية لخطر هذه الأسلحة التي تتطور في قوتها التدميرية يومًا بعد يوم.

وبعد مرور أربعة وسبعين عامًا على تفجيري مدينتي هيروشيما وناغازاكي الماحقين، ما يزال خطر استخدام الأسلحة النووية مرة أخرى في ازدياد. وتواصل الدول النووية اليوم تحديث ترساناتها وتطوير أنواع جديدة من الأسلحة النووية وجعلها أسهل استخدامًا، مبتعدةً عن اتخاذ أي خطوات للوفاء بالتزاماتها القائمة منذ زمن طويل بشأن نزع السلاح النووي، في الوقت الذي تتصاعد فيه الحوادث العسكرية التي تنخرط فيها دول نووية ودول متحالفة معها بوتيرة تنذر بالخطر.

ومع أن الأسلحة النووية استخدمت مرتين فقط في النزاعات الحربية، في قصف هيروشيما وناغازاكي في الحرب العالمية الثانية، إلا أن الأمم المتحدة رصدت وجود نحو 22 ألفًا من هذه الأسلحة، علاوة على إجراء ما يزيد على ألفي تجربة نووية.

وتقول اللجنة الدولية إن تقديم العون اللازم للضحايا عقب أي انفجار نووي أمر يكاد يكون مستحيلاً نظراً لحجم الخسائر البشرية والأضرار الهائلة التي ستنجم عن هكذا انفجار وستستمر لعقود طويلة مقبلة.

وخلصت اللجنة الدولية منذ شهر أيلول/سبتمبر من عام 1945، بناء على تجربتها الأليمة في التعامل مع ضحايا قصف هيروشيما وناغازاكي، إلى رأي مفاده أنّ العواقب الإنسانية للأسلحة النووية غير مقبولة بتاتاً. وينبغي من وجهة نظر إنسانية حظر هذه الأسلحة.

جدير بالذكر إن دمار هيروشيما وناغازاكي نجم عن أسلحة «صغيرة» مقارنةً بمعظم القنابل التي تعجّ بها الترسانات النووية اليوم.

ولا ينص القانون الدولي على حظر شامل أو عالمي على استخدام الأسلحة النووية، إلا أن محكمة العدل الدولية خلصت في العام 1996 إلى أن استخدام هذه الأسلحة يخالف بصورة عامة مبادئ القانون الدولي الإنساني وقواعده. وقالت المحكمة إن الدول ملزمة بإجراء مفاوضات تؤدي إلى نزع الأسلحة النووية.

وقبل عامين فقط، دخلت معاهدة مفصلية حيز التنفيذ وهي معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وتحظر المعاهدة الأسلحة النووية حظرًا شاملًا استنادًا إلى القانون الدولي الإنساني، وذلك إقرارًا منها بالعواقب الإنسانية الوخيمة الناتجة عن هذه الأسلحة.

وتنص المعاهدة بوضوح على أن أي استحداث، أو إنتاج، أو تجريب، أو تكديس، أو استعمال لأسلحة نووية، أو التهديد باستعمالها، يُعد أمرًا غير مقبول على الإطلاق. وتشتمل المعاهدة أيضًا على التزامات قوية بمساعدة ضحايا استخدام الأسلحة النووية وتجريبها، وبتيسير معالجة البيئة الملوثة بها.

وقد استقطبت المعاهدة تأييدًا أوليًا من 122 دولة من دول العالم. وتحتاج هذه المعاهدة إلى تصديق 50 دولة حتى تدخل حيز التنفيذ وتصبح الأسلحة النووية محرمة دوليا. لكن لا تحظى هذه الاتفاقية بدعم القوى النووية ودول أخرى.

معاهدة حظر الأسلحة النووية

هي أول اتفاق متعدد الأطراف يُطبّق عالمياً ويرمي إلى حظر الأسلحة النووية حظراً شاملاً. وهي أيضاً أول معاهدة تتضمن أحكاماً تخص المساعدة في معالجة النتائج الإنسانية المترتبة على استخدام الأسلحة النووية وتجريبها، وتكمّل المعاهدة الاتفاقات الدولية القائمة بشأن الأسلحة النووية، ولا سيما معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، والمعاهدات الإقليمية المنشئة للمناطق الخالية من الأسلحة النووية. واعتُمدت المعاهدة في مؤتمر دبلوماسي للأمم المتحدة في 7 تموز/يوليو 2017 وفُتح باب التوقيع عليها في 20 أيلول/سبتمبر 2017. وستدخل المعاهدة حيز النفاذ بعد أن تكون 50 دولة قد أخطرت الأمين العام للأمم المتحدة بموافقتها على الالتزام بها.

أسلحة للمعاناة مدى الحياة

الأسلحة النووية هي أسلحة فريدة لا نظير لها نظراً للقوة التدميرية التي تملكها، ولحجم المعاناة الإنسانية الهائلة التي تنجم عنها جراء ارتفاع درجة الحرارة والانفجار والإشعاعات الناجمة عن الانفجار النووي والمدى الذي تصل إليه. وقد يتسبب تفجير سلاح نووي داخل منطقة سكنية أو بالقرب منها في وقوع خسائر بشرية هائلة فضلاً عن إلحاق دمار شامل بالبنية التحتية المدنية مثلما حدث في هيروشيما وناغازاكي بعد تعرضهما للقصف في العام 1945.

ويمكن أن تدوم لعقود عواقب الأسلحة النووية على صحة الإنسان وعلى البيئة والمناخ وعلى سُبل إنتاج المواد الغذائية وعلى التنمية الاجتماعية والاقتصادية. كما يمكن أن تؤثّر في أطفال الناجين من خلال الأضرار الوراثية التي تلحقها بالوالدين. ويبدو هذا الأمر جلياً في الأماكن التي استُخدمت فيها الأسلحة النووية وفي الأماكن التي اختُبرت أو جُرّبت فيها تلك الأسلحة.

وتواصل إلى اليوم مستشفيات الصليب الأحمر الياباني معالجة ضحايا مصابين بحالات سرطان لا سيما سرطان الدم أو «اللوكيميا» بسبب الإشعاعات النووية الناجمة عن انفجار القنبلتين الذريتين اللتين أُلقيتا قبل 74 عامًا.

 خبرة هيروشيما وناغازاكي

رأت جمعية «الصليب الأحمر الياباني» واللجنة الدولية للصليب الأحمر الواقع المؤلم للأسلحة النووية في هيروشيما في شهر آب/أغسطس من عام 1945 رؤى العين. فقد شاهد الأطباء السكان المدنيين وهم يعانون من الحروق والعاهات الدائمة كالعمى وغيرها من الإصابات التي نجمت عن الانفجار، كما شاهدوا حالات الموت البطيء والمؤلم لمن تعرضوا للإشعاع النووي. وجاهد موظفو اللجنة الدولية والصليب الأحمر الياباني في هيروشيما وناغازاكي في ظروف عسيرة للغاية لا يمكن تصوّرها من أجل مساعدة الضحايا والتخفيف من المعاناة الناجمة عن انفجار القنبلتين الذريتين.

ولكن لا شكّ في أنّ كلّ الجهود التي بُذلت آنذاك لم تكن لتكفي للتخفيف من معاناة المتضررين من الانفجار، إذ كيف كان من الممكن معالجة الضحايا بعد تدمير المستشفيات وتحويلها إلى أكوام من الأنقاض والرماد، وبعد تلوث إمداداتها الطبية بالإشعاعات النووية؟

ونتيجة القصف قضى نحو 140 ألف شخص نحبهم يشكلون 40 في المئة من سكان هيروشيما، فيما قُتل نتيجة القصف نحو 74 ألف شخص يشكلون 60 في المئة من سكان ناغازاكي.

خطر داهم

تشير التقنيات الحديثة لوضع النماذج المناخية أن حتى ما يُسمى بالحرب النووية الإقليمية «المحدودة» يمكن أن تؤدي إلى برودة المناخ العالمي وانخفاض الإنتاج الغذائي، مما يعرض مليار نسمة لخطر المجاعة.

ولن تتوفر في معظم الأحيان وسائل يمكن إنجازها عملياً لتقديم المساعدة لمن سيتمكنون من البقاء على قيد الحياة.

وقد لا تقتصر العواقب الإنسانية لانفجار أي سلاح نووي على البلد الذي يقع فيه الانفجار، فهناك احتمال ان تمتد العواقب إلى البلدان الأخرى. وهذا ما يجعل استمرار وجود الأسلحة النووية، واحتمال استخدامها استخداماً مقصوداً أو غير مقصود، أمراً يُقلق الكثيرين على الصعيد العالمي ويشغل بالهم ويؤرقهم، ويجب أن يكون كذلك.

ووثقت اللجنة الدولية شهادات خبراء نوويين ومنتسبين سابقين إلى وحدات عسكرية مسؤولة عن الأسلحة النووية تشير إلى أن احتمالات انفجار أسلحة نووية انفجاراً عَرَضياً ما زالت تشكّل مخاطر حقيقية. فقد كادت الأعطاب والحوادث وحالات الإنذار الخاطئ وسوء تفسير المعلومات تؤدي إلى تفجير أسلحة نووية تفجيراً مقصوداً أو غير مقصود في حالات عدة منذ العام 1945. ولا يضمن عدم استخدام الأسلحة النووية طوال السنوات السبعين الماضية أنّها لن تُستخدم في المستقبل.

وفي دراسة حديثة وثّق المركز البحثي «تشاتام هاوس» 13 حادثة «استخدام وشيك» لأسلحة نووية نَجَمت عن أخطاء حاسوبية، وخطأ حسابي والإخفاق في التواصل وتعطل نظم السيطرة والتحكم. وهذه هي الحالات المُعلن عنها فقط.

ووثّقت «الحملة العالمية للقضاء التام على الأسلحة النووية» زهاء 320 «حادثة عسكرية» تخص دولاً نووية وحلفائها خلال مدة عامين آخرها آذار/مارس 2016. ومن بين هذه الحوادث صُنِّفت 25 حادثة بوصفها ذات «مخاطر عالية» و76 حادثة أخرى «استفزازية». وكل حادثة منها استتبعتها مخاطر التصعيد وسوء التقدير.