كيف استطاعت حركة التحرير الوطنية الجزائرية تغيير المنظومة القانونية لقانون النزاعات المسلّحة، وجعله يقبل انضمام حركة مقاومة مسلحة بوصفها طرفًا قانونيا معترفا به

شهدت الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية نزاعات مسلحة في العديد من المناطق الخاضعة للاحتلال بقيادة حركات التحرّر الوطنية، وهي كيانات لم يكن مُعترف بصفتها القانونية آنذاك، فاتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949 كانت تنظم النزاعات المسلحة بين الدول، أو بين الدول وأطراف متمرّدة كإحدى الحالات التي تنطبق عليها المادة الثالثة المشتركة للاتفاقيات الأربع.

بيد أنّ تنامي كفاح هذه الحركات التحرّرية ولّد ضغطًا دوليًا للاعتراف بها ككيانات قانونية تقود كفاحًا مُلحًّا من أجل الظفر بحقّ تقرير المصير، والاعتراف بها كأطراف في نزاع مُسّلح دولي مثلما هو الحال مع حركة التحرير الوطنية الجزائرية.

في تلك الفترة لم يسبق أن انضمت حركة مقاومة مسلّحة (حركة تمرّد وفق المفهوم القانوني آنذاك) إلى اتفاقيات جنيف، غير أن حدثًا تاريخيًا وقع عند انضمام الحكومة الجزائرية المؤقتة إلى الاتفاقيات، حيث اِعتُبر ذلك واقعة غير مسبوقة طرحت إشكالًا قانونيًا لم يكن معروفًا من قبل، وقد أفضى ذلك الجدل في الأخير إلى تغيير المنظومة القانونية لقانون النزاعات المسلّحة، لتصير حركات التحرّر الوطنية أطراف في النزاعات المسلّحة الدولية لأوّل مرّة.

 

تحدٍّ قابل للتنفيذ

اندلعت حرب التحرير الجزائرية في الفاتح تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1954، وقد كان من الصعب تكييفها كنزاع مسلّح وفق القانون الدولي القائم آنذاك، فقد اعتبرتها السلطة الُمحتلة مجرّد اضطرابات وتوتّرات داخلية لا تقع تحت طائل قانون النزاعات المسلّحة، بل يتم التعامل معها بموجب الوسائل الشرطية وقوّات إنفاذ القانون.

وهكذا، استفحل الوضع الإنساني واضحى أكثر تعقيدا لدى المدنيين و المقاتلين من كلا الطرفين، بالرغم من دعوة اللجنة الدولية للصليب الأحمر أطراف النزاع إلى الامتثال واحترام قواعد قيادة العمليات العدائية، ومن ثم إعلان (جيش التحرير الجزائري) الإذعان لقواعد قانون النزاعات المسلحة والتمسّك بالأعراف الإنسانية من جانب واحد، ومع ذلك، تمكنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من ايفاد عدد من مندوبيها وتقديم خدمات إنسانية في غاية الأهمية لكلا الطرفين.

ومع اتساع نطاق أعمال العنف في كامل إقليم الجزائر وبعد مرور ثماني عشر شهرًا، اعترفت سلطة الاحتلال بحالة النزاع المسلح غير الدولي الذي تنطبق فيه المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949، وبذلك أضحى من حقّ الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر بما يشمل أفراد المقاومة (حركات التحرّر)، الاستفادة من الحدّ الأدنى من المعاملة الإنسانية المقرّرة.

كما تمكّنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من توسيع نطاق خدماتها الإنسانية كزيارة المعتقلين والمُحتجزين وذلك عبر اتفاقات خاصة مع أطراف النزاع.

وكان الحدث الأبرز هو الإعلان عن إنشاء الحكومة الجزائرية المؤقتة يوم الجمعة في التاسع عشر من شهر أيلول/ سبتمبر سنة 1958 والتي أصبحت بمثابة الجهاز التنفيذي المختصّ بالتعامل باسم الجمهورية الجزائرية والممثل الشرعي للثورة عسكريًا وسياسيًا في الداخل والخارج، لتكون أكثر استجابة للعمل الثوري وأكثر قدرة على تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، فقد ظهر ذلك جُليًا من خلال توحيد التنظيم العسكري لمختلف الوحدات القتالية، وزيادة النشاط السياسي والدبلوماسي الذي شكّل حافزًا للاعتراف بها من قبل العديد من دول العالم آنذاك، فضلاً عن التمثيل في المحافل الدولية على غرار الأمم المتحدة، بحيث اعتبرت نفسها كيانًا قانونيًا دوليًا له أهلية إبرام الاتفاقيات والانضمام إليها.

وكخطوة هامة، أعلنت الحكومة الجزائرية المؤقتة يوم الحادي عشر من نيسان/ أبريل سنة 1960 عن رغبتها في الانضمام لاتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949، بعد أيام فقط من تصديقها عليها بملاحقها بموجب المرسوم رقم 60-21 الصادر عن مجلس الوزراء بتاريخ السادس من شهر نيسان/ أبريل سنة 1960.

انتصار قانوني

استلزم انضمام الحكومة الجزائرية المؤقتة لاتفاقيات جنيف، التعامل مع المجلس الفدرالي السويسري باعتباره الوديع الخاص باتفاقيات جنيف المؤرخة في الثاني عشر آب/ أغسطس سنة 1949 وفق ما تنص عليه المواد 61 من الاتفاقية الأولى و60 من الاتفاقية الثانية و140 من الاتفاقية الثالثة و156 من الاتفاقية الرابعة المتضمنة لتدابير الانضمام إلى الاتفاقيات. لذلك لجأت الحكومة الجزائرية المؤقتة إلى حكومة مملكة ليبيا المتحدة لتُحيل صكوك التصديق والانضمام إلى المجلس الفدرالي السويسري.

ومع ذلك، فالسبيل نحو الانضمام لم يكن يسيرًا، فالعرف الخاص بانضمام الحكومات المؤقتة للاتفاقيات الدولية كان يتسم بالضبابية، كونه إجراء يرتبط أساسًا بالدول ذات السيادة التي تكتسب الحقوق وتتحمّل الالتزامات، كما أن الحكومة الفرنسية تحفّظت على قرار الانضمام بتاريخ الخامس والعشرين أيار/ مايو سنة 1960، فضلا عن تحفّظ الحكومة الاتحادية لسويسرا بتاريخ العشرين أيلول/ سبتمبر من نفس السنة.

وبالرغم من ذلك، فقد تضمّنت رسالة الحكومة الاتحادية لسويسرا ردًّا بالإيجاب على طلب الانضمام بصفتها أمين الاتفاقيات، مُثبتة تسجيل انضمام الجمهورية الجزائرية لاتفاقيات جنيف بتاريخ العشرين من حزيران/ يونيو سنة 1960 وإبلاغ جميع الدول الأعضاء بهذا الانضمام، مع تسليم الحكومة الجزائرية المؤقتة جدولًا يتضمن الدول التي أصبحت مرتبطة نحوها بهذه الاتفاقيات بما فيها الحكومة الفرنسية التي صدّقت على اتفاقيات جنيف سنة 1951.

وهكذا، ساهم انضمام الحكومة الجزائرية المؤقتة لاتفاقيات جنيف في تكييف النزاع المسلّح الدائر في الجزائر كنزاع مُسلّح دولي تنطبق عليه مجموع قواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني، سيما المادة الثانية المشتركة من الاتفاقيات الأربع.

أثر الانضمام

ولّد انضمام الجزائر لاتفاقيات جنيف الأربع بتاريخ العشرين من حزيران/ يونيو سنة 1960 آثارًا هامة في النزاع المسلّح الذي كان قائمًا، سيما تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، فقد أفضى ذلك إلى اعتبار الجزائر طرفًا في النزاع المسلّح تتحمّل المسؤولية عن إدارة أعمالها العدائية، ولهذا الغرض أصدرت الحكومة المؤقتة ترسانة من القرارات والتعليمات بشأن انطباق اتفاقيات جنيف وضرورة الامتثال التام للقانون والمعاملة الإنسانية، بما في ذلك تطبيق العقوبات التي تُفرض على المقاتلين في حال عدم الامتثال، وإطلاق سراح الأسرى بلا قيد أو شرط وإجلاء اللاجئين والنازحين داخل الوطن.

وبالتالي، وضعت اتفاقية جنيف طرفي النزاع على قدم المساواة اتجاه الالتزامات القانونية، وقد أدّى ذلك إلى تجسيد أعراف النزاعات المسلحة التي تقضي بحماية المدنيين واحترام الخدمات الطبية وحماية الأشخاص المحمية وأعيانهم، كما تأسّست علاقة رسمية بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر وطرفي النزاع، فتبوّأت اللجنة الدولية مكانة رفيعة في النزاع المسلّح، سيما بعد نجاح مبادراتها فيما يتعلّق بقضايا محدّدة ذات صلة بالقانون الدولي الإنساني، كمساعدة اللاجئين والنازحين وزيارة المعتقلين والمحتجزين في مراكز الإيواء والمحتشدات (مراكز الفرز والعبور) والسجون حتى خارج إقليم النزاع.

لهذا عملت اللجنة الدولية كوسيط مستقل ومحايد في صفقات تبادل الأسرى وإعادة الروابط العائلية والقيام بأعمال إغاثة كبرى، وصياغة التقارير عن الأوضاع وتبليغها لأطراف النزاع متضمنة توصيات بشأن تحسين الظروف الإنسانية، والوقوف عند الانتهاكات.

وقد أثّر انضمام الجزائر إلى اتفاقيات جنيف الأربع على العديد من المفاهيم المتعلّقة بحركات التحرّر من حيث حقوقها والتزاماتها اتجاه القانون الدولي الإنساني، كونها حركات لها تنظيم عسكري ومدني تناضل من أجل تقرير مصير شعوبها كحقّ وارد في ميثاق الأمم المتحدة، وإبراز الجانب العملي لتطبيق المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع، والتي تقضي باتفاق الدول مع حركات التحرير، وإدراج أفراد المقاومة المسلّحة ضمن الوضع القانوني للمقاتل في القانون الدولي الإنساني، ووضع المدنيين الذين يشاركون في النزاعات المسلحة بحيث أضحت لديهم صفة المقاتل غير الشرعي الذين تنطبق عليهم في حال القبض عليهم اتفاقية جنيف الرابعة سنة 1949. 

كما اُعتبر مقاتلي حركات التحرّر أسرى حرب في حال وقوعهم في الأسر والذي تقرّر لاحقًا في المادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1977، وبالتالي تمتعهم بحقّ المحاكمة العادلة وفقًا للمواد 82 و83 و99 إلى غاية 108 من اتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949.

فضلا عن ذلك، فإن الجهود المبذولة بعد ذلك التاريخ أثّرت على البيئة الدولية، سيما المؤتمرات الدبلوماسية التي مهّدت الطريق لوضع البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف الأربع سنة 1977، وذلك بوضع إطار قانوني دولي يكفل تطبيق التوجّهات المُستحدثة باعتبار حروب حركات التحرير بمثابة نزاعات مسلّحة دولية وفق الفقرة الرابعة من المادة الأولى من البروتوكول الإضافي الأول، وذلك بتوافر شرطين في القوات المسلّحة هما القيادة المسؤولة واحترام قوانين وأعراف النزاعات المسلحة، وشرطين للأفراد المشاركين في القتال وهما العلامة المميزة وحمل السلاح بشكل ظاهر عند كل عملية عدائية والاستعداد للهجوم.

كما تم الإقرار لأول مرّة بالإعلان الانفرادي لحركات التحرير الوطنية بالإذعان لقانون النزاعات المسلحة كآلية مُستحدثة للانضمام إلى اتفاقيات جنيف وفق نص المادة 96 الفقرة 3 من البروتوكول الإضافي الأول بحيث تمارس السلطة الحقوق ذاتها وتتحمل الالتزامات عينها لطرف سام متعاقد على حدّ سواء.

 

مصادر

• Mohamed Bejaoui “La victoire diplomatique et politique de l’Algérie du 20 juin 1960 (Petite et grande histoire de l’adhésion de l’Algérie combattante aux Conventions de Genève de 1949 sur le droit humanitaire)”, Revue algérienne des sciences juridiques, économiques et politiques, Alger, vol. 21, no 4, décembre 1984, p. 779 – 798.

• محمد بجاوي، الثورة الجزائرية والقانون، ترجمة علي الخشّ، مراجعة محمد الفاضل، دار الرائد للكتاب، الطبعة الثانية، سنة 2005.

• العشعاش إسحاق، دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر في إنماء وإنفاذ القانون الدولي الإنساني (دراسة حالة حرب التحرير الجزائرية)، مذكرة ماجستير، جامعة لونيسي علي البليدة -2-، 2016.

نُشر هذا المقال في العدد 67 من مجلة الإنساني، الصادر في شتاء 2020