بين الجزائر وفرنسا لا يسهل قلب الصَّفحة ولا تصفُّحها كماض: عندما تضع الحرب أوزارها تُعلن الذاكرة نضالها

العدد 69

بين الجزائر وفرنسا لا يسهل قلب الصَّفحة ولا تصفُّحها كماض:  عندما تضع الحرب أوزارها تُعلن الذاكرة نضالها

شهد تاريخ البشرية الحديث نزاعات مسلحة في غاية العنف والوحشية، نتج عنها ذاكرة معقدة، وتداعيات على العلاقات بين أطرافها، مثلما هو حال العلاقات الجزائرية الفرنسية، بعد استقلال الجزائر عن فرنسا، التي احتلتها بالقوة عام 1830م وخرجت منها أيضًا بالقوة عام 1962، بعد قيام ثورة التحرير الجزائرية الكبرى التي دامت أكثر من سبع سنوات (1954-1962).

اضطرت فرنسا بتاريخ 18 مارس/ آذار 1962 إلى توقيع اتفاقيات إيفيان (مدينة جنوب شرق فرنسا)، مع الحكومة الجزائرية المؤقتة بقيادة العقيد في جيش التحرير الوطني الجزائري آنذاك المجاهد كريم بلقاسم، وتم الاتفاق على وقف إطلاق النار ابتداء من يوم 19 مارس/ آذار، لكن لم يتم احترامه، وتشكلت منظمة الجيش السري الفرنسية OAS التي رفعت شعار «الجزائر فرنسية وستبقى كذلك»، وهي مكونة من أفراد مسلحين، ارتكبوا جرائم ضد الجزائريين، واستمر بذلك سقوط الضحايا من المدنيين الجزائريين إلى غاية 5 يوليو/ جويلية 1962 تاريخ الإعلان الرسمي لاستقلال الجزائر، من طرف جبهة التحرير الوطني، بعد يومين من إعلان فرنسا عنه.

دخلت العلاقات الجزائرية الفرنسية بذلك مرحلة التعامل بين دولتين سيدتين، ولكن بشيء من الحذر والتباين، بين صعود وهبوط وتوتر وتهدئة، وقام فاليري جيسكار ديستان Valéry Giscard d’Estaing في أبريل/ نيسان 1975 بأول زيارة رسمية لرئيس فرنسي إلى الجزائر المستقلة، وارتفع العلم الفرنسي لأول مرة بعد الاستقلال في الشوارع الجزائرية، لكن من دون أن تُنكّس معه أشرعة الماضي، فحتى ولو لم تخلُ أي من تلك المراحل من إبداء الطرفين رغبتيهما في تجاوز الماضي وفتح صفحة جديدة، لا يزال الأمر يقف على مسافة من التعقيدات، تتقدمها ذاكرة مشتركة مثقلة بملفات كبيرة، تلقي بظلالها على الحاضر.

تتطلب دراسة العلاقات الجزائرية الفرنسية، في بعض جوانبها، العودة إلى بداياتها الأولى، أي بداية ظهور الدولة الجزائرية الحديثة، في بداية القرن السادس عشر الميلادي، متى بدأ انفصالها عن الدولة العثمانية (انضمت إليها خلال الفترة 1818-1830)، وأصبح لها علاقات دبلوماسية مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، ويشار إليها في المعاهدات كمملكة أو دولة الجزائر.

تمكنت بعدها الجزائر من بسط سيادتها في حوض البحر الأبيض المتوسط، بفضل أسطولها البحري القوي، وفرضت الضرائب والرسوم على سفن الدول التي تعبره، مما دفع العديد من الدول إلى عقد معاهدات واتفاقيات معها، وعلى هذا الأساس قامت العلاقات الجزائرية الفرنسية في عام 1561م، وتوطَّدت أثناء قيام الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789، فقد استنجدت بها حكومة الثورة بعد حصار قوات الأنظمة الأوروبية لها، فأنقذتها من الدَّمار والجوع بتزويدها بالقمح، وتمويلها بقروض من دون فوائد.

وقَّعت الجزائر مع فرنسا ثمانية وخمسين (58) اتفاقًا ومعاهدة في الفترة الممتدة من 1619 إلى 1830م، وتولى رعاية مصالح فرنسا بالجزائر ستون (60) قنصلًا ونائب قنصل، وتردد على الجزائر ستة وتسعون (96) محافظًا ومبعوثًا (*) وهي لم تعقد نصف هذه الاتفاقيات مع دول أوروبية مثل إنجلترا، مما يبرز درجة التعاون بين الطرفين خلال تلك الفترة.

على الرغم من حرص الطرفين على تدعيم تلك العلاقات، كانت تتأرجح بين الودية والعدائية، في إطار لا يخرج عن ظروف ذلك العصر، التي تميزت بالصراع حول مناطق النفوذ، خاصة بين إنجلترا وفرنسا والدولة العثمانية، لكن بعد معركة «نافارين» (**) تنامت الأطماع الفرنسية في احتلال الجزائر، وبدأت تمارس سياسة الاستفزاز تجاهها، لا سيما برفضها سداد ديونها، ثم اصطنعت أزمة من حادثة المروحة الشهيرة (***)، التي جرت بين الدَّاي حسين حاكم الجزائر آنذاك والقنصل الفرنسي، وقامت قواتها بمحاصرتها لمدة ثلاث (3) سنوات انتهت باحتلالها لها بتاريخ 5 يوليو/ تموز عام 1830.

اصطدمت قوات الاحتلال الفرنسي منذ الوهلة الأولى بمقاومة شعبية مستميتة، فلجأت إلى أبشع أنواع الجرائم واستخدمت أبشع الأسلحة من أجل قمعها، وحصل الشعب الجزائري على استقلاله بقيام ثورة التحرير الكبرى (1954-1962)، بعد ما يزيد عن الثماني سنوات من الكفاح والمعاناة.

نالت الجزائر بموجبها لقب «بلد المليون ونصف المليون شهيد»، لكن عدد الضحايا والشهداء يفوق في الواقع هذا الرقم بأضعاف، وفي ذلك قال المؤرخ الفرنسي جاك جوركي Jacques jurguet إن فرنسا قتلت عشرة ملايين جزائري خلال الاحتلال.

إن بشاعة الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال الفرنسي في حق الشعب الجزائري، خلَّفت خزَّانًا من الجراح التي لم تلتئم بعد، وأخرى لا تزال تنزف بقوة، بل ومفتوحة على آلام متفاقمة، لا سيما بسبب ملفات الذاكرة المشتركة العالقة بين البلدين، التي لا تزال تداعياتها تُلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين.

لا يسهل قلب الصَّفحة ولا تصفُّحها كماضٍ!

تتمسك الجزائر بضرورة اتخاذ فرنسا خطوات سياسية وقانونية من أجل إنصاف الذاكرة والتاريخ، بينما ترفض فرنسا ذلك، بذريعة أن عمل الذاكرة من اختصاص المؤرخين، بل وتحاول التقليل من حجم جرائمها المرتكبة ضد الجزائريين أثناء الاحتلال، وفي ذلك قال المؤرخ بنيامين ستورا Benjamin Stora : «إن التَّاريخ يجمع بين الجزائريين والفرنسيين، لكن الذَّاكرة تفرقهم».

تتمثل أهم مسائل الذاكرة المشتركة بين الجزائر وفرنسا فيما يلي:
أولًا- عدم اعتراف فرنسا بجرائمها والاعتذار عنها
ثانيًا- ملفات الذاكرة العالقة بين البلدين

أولًا- عدم اعتراف فرنسا بجرائمها والاعتذار عنها

تتمسك الجزائر بمطلب اعتراف فرنسا بجرائمها إبان احتلالها لها والاعتذار عنها، فيما يرفض الطرف الفرنسي ذلك، على الرغم من بعض الخطوات والتصريحات السياسية التي يطلقها القادة الفرنسيون بين الحين والآخر.

أ- بشاعة ووحشية الاحتلال الفرنسي للجزائر:

جراح عميقة، غير ملتئمة، وأخرى لا تزال تنزف

يُعد الاحتلال الفرنسي للجزائر من أطول وأبشع أنواع الاحتلال في العصر الحديث، استمر أكثر من قرن واثنتين وثلاثين سنة (1830-1962)، وارتكبت قواته طيلتها أفظع الجرائم ضد الإنسان والبيئة، وانتهجت سياسة الإبادة الجماعية، والتَّهجير القسري الجماعي والفردي، والقتل، والتَّعذيب، والاغتصاب، والتَّجويع، وحرق الأراضي والمحاصيل.. إلخ، كما قامت بتفجيرات نووية غير محصنة في الصَّحراء الجزائرية، تسببت في كوارث بشرية وبيئية تمتدُّ آثارها للمستقبل البعيد.

جاءت قوات الاحتلال إلى الجزائر بنية البقاء فيها وإلى الأبد، بنية خلق أمريكا جديدة، ويقول في ذلك كوزيل: «يلزم أن نصنع أمريكا جديدة هنا بالجزائر، بإبادة سكانها الأصليين، كالهنود الحمر في العالم الجديد حتى يسود الجنس الأوروبي عدديًّا ويصبح الاستعمار استيطانًا دائمًا». (****)

عملت من أجل ذلك على تفكيك البنية الاجتماعية للجزائر وإبادة شعبها ليحل محله شعب آخر جاءت به من أوروبا، فطردت السكان الجزائريين من ممتلكاتهم وقامت بتهجير قبائل بكاملها من أجل أن توفر لهم مناطق الاستيطان.

يظهر هذا الإصرار في القضاء على الكيان الجزائري في قول عالم الاجتماع شارل فوريCharles Forey «إن هجرة الأوروبيين إلى الجزائر يجب أن تكون عارمة جارفة، يجب أن نبعث جحافل دهماء من الأوروبيين، إن في استطاعة فرنسا أن تبعث دون أن تنهك قواها أو ترهق نفسها أربعة ملايين نسمة ثم تبعث أوروبا ما تبقى». وهو يتوافق مع الخط العسكري حيث قال الجنرال بيجو في جانفي 1840: «نحن في حاجة إلى جحافل دهماء من المعمرين الفرنسيين والأوروبيين ولكي تجلبوهم عليكم أن تعطوهم أراضي خصبة لا يطير غرابها… حتى يصبحوا أصحابها وأربابها ويصير أربابها الأولون نسيًا منسيًّا». (*****)

وصلت وحشية الممارسات المطبقة على الشعب الجزائري الأعزل إلى درجة اقتراف جرائم إبادة بهدف التسلية والترفيه عن النفس، كما يخبرنا به العقيد ديمونتنياك Demonitagnac الذي يقول بأنه قد يقطع الرؤوس لطرد الخواطر المحزنة التي تساوره أحيانًا (******)، كما قال الجنرال شانغارنييه Général Changarnier في حديثه عن جنوده: «لقد وجدوا خير تسلية لهم في الغارات التي كنت أشنها في الشتاء ضد القبائل المناهضة لنا فيما بين الحراش وبوركيكة». وهي مناطق من الجزائر العاصمة. (*******)

استمرت تلك الجرائم الفظيعة، طيلة الاحتلال، وقد سجل التاريخ وحشية منقطعة النظير، يمكن أن نضرب مثلًا عنها بمجازر 8 ماي 1945 في مناطق سطيف والمسيلة وقالمة وخراطة وسوق أهراس، فقد خرج الشعب الجزائري للاحتفال بانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ومطالبة فرنسا بالالتزام بوعودها ومنحهم الاستقلال، لكنها استعملتهم في حربها ضد أعدائها، كدروع بشرية، ثم أخلفت وعدها وقابلت مطالبهم السلمية بالقمع والتقتيل الجماعي، ودمرت قرى ومداشر بأكملها، قتلت أكثر من خمسة وأربعين ألف ( 45.000) جزائري، ولم تقم بتسجيلهم في سجلات الوفيات.

التقتيل والقمع كان يلاحق الجزائريين حتى على الأراضي الفرنسية، فقد ارتكبت القوات الفرنسية بتاريخ 17 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1961 مجزرة رهيبة ضد متظاهرين جزائريين، خرجوا في احتجاجات سلمية ضد حظر التجول الذي فُرض عليهم وطالبوا باستقلال بلادهم، فأطلقت الشرطة الفرنسية عليهم النار بأمر من محافظ شرطة باريس موريس بابون Maurice Papon وأُلقي بالعشرات منهم في نهر (السين)، وتم اعتقال الباقين.

شهد شهود من أهلها:

سجل التاريخ اعترافات أدلى بها الكثير من الجنرالات الفرنسيين تؤكد فظاعة تلك الجرائم، مثل تصريح الجنرال «شانقارني» (Général Changarnier) بشأن جرائم الإبادة التي ارتكبت ضد سكان «مَتِّيجة» في عام 1830م، الذي قال: «ظهرت وحشية الغزو الفرنسي على الجزائر منذ 1830، لا نترك أحدًا، إنه الغزو الذي يمارسه الجيش على أوسع نطاق، مصحوبًا بالنهب والمجازر، فتحول الجنود إلى ذباحين لسكان معزولي السلاح، وكانت الفرق التي تقوم بالتدمير تتسلى خاصة في فصل الشتاء..».(********)

واعترف ألكسيس دو طوكوفيل Tocqueville Alexis de: «إننا نقوم بحرب أكثر بربرية من العرب أنفسهم… لم يستطع الفرنسيون هزم العرب حربيًّا فهزموهم بالتدمير والجوع». ، وصرح وزير الحرب جيرار Étienne Maurice Gérard أنه: «لا بد من إبادة جميع السكان العرب، إن المجازر والحرائق وتخريب الفلاحة هي في تقديري الوسائل الوحيدة لتركيز هيمنتنا». (*********)

الخطير هو أن تلك الجرائم الفظيعة كانت تُعد أمجادًا عسكرية يرتقون بها درجات السلم الاجتماعي، وجاء على لسان شال أندري جوليان Charles-André Julien: «جنرالات جيش أفريقيا لا يحرقون البلاد خفية، إنهم يستعملون ذلك ويعتبرونه مجدًا لهم سواء أكانوا ملكيين أم جمهوريين أو بونابارتيين».

كان الفرنسيون يعتبرون الجزائريين جنسًا ثانيًا، لا حقوق له، ولذلك فإن إبادة الجزائريين لم تكن عندهم جريمة يعاقب عليها القانون، سواء كان القتل بصورة فردية أو بصورة جماعية.

إن إبادة الجزائريين كانت في حقيقتها سياسة دولة، ويقول ألكسي دو طوكفيل عام 1841: «لقد سمعت أحيانًا في فرنسا أناسًا أحترمهم يقولون إنه من السيئ أن تُحرق المحاصيل، وأن تُفرغ مطامير القمح وأن يُلقى القبض على الرجال غير المسلحين، وأيضًا على النساء والأطفال، وأنا لا أوافق هؤلاء السادة على مثل هذا الكلام، وأرى أن مثل هذه الأعمال المؤسفة ضرورية لشعب يرغب في شنِّ حرب ضد العرب بهدف جبرهم على الرضوخ له». (**********)

ب – رفض فرنسا الاعتراف بجرائمها

على الرغم من بعض الخطوات والتصريحات السياسية التي يطلقها بين الحين والآخر الطرف الفرنسي، لم تقم فرنسا بالاعتراف بجرائمها أثناء الاحتلال والاعتذار عنها، وهو ما تعتبره الجزائر مطلبًا أساسيًّا من أجل تجاوز الماضي، وقد تباينت تصريحات الرؤساء الفرنسيين عن ذلك حسب الوضعيات والمواعيد السياسية.

صرح الرئيس فرنسوا ميتران François Mitterrand في نوفمبر 1981، لدى زيارة رسمية إلى الجزائر أن: «فرنسا والجزائر قادرتان على التغلب على خلافات الماضي وتجاوزها». ووقع الرئيس جاك شيراك في مارس 2003، في الجزائر العاصمة، مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة «إعلان الجزائر»، الذي نصَّ على «شراكة استثنائية» من أجل تجاوز «ماضٍ لا يزال مؤلمًا… ينبغي عدم نسيانه أو إنكاره».

واستمرت الفكرة قائمة إلى غاية صدور قانون حول «الدور الإيجابي للاستعمار» بتاريخ 23 فبراير/ فيفري 2005، فقد اعتبر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أن هذا القانون يكشف عن «عمى عقلي يكاد يصل إلى الإنكار وتحريف التاريخ». وعلى الرغم من إلغاء القسم المثير للجدل من هذا القانون بعد عام من صدوره، لا سيما المادة 4 منه التي تُعتبر تمجيدًا للاستعمار، استمرت تبعاته السياسية على العلاقات بين البلدين.

ندد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي Nicolas Sarkozy في نهاية 2007، أثناء زيارته إلى الجزائر، بالنظام الاستعماري من دون أن يعتذر ودعا الجزائر إلى «التطلع إلى المستقبل»، وكذلك صرح الرئيس فرنسوا هولاند François Hollande، في نهاية 2012، بـ«المعاناة التي ألحقها الاستعمار الفرنسي بالشعب الجزائري».

اتفق الطرفان الجزائري والفرنسي في سنة 2020 على اتخاذ خطوة من أجل تسوية ملف الذاكرة، وكُلِّف كل من المستشار برئاسة الجمهورية الجزائرية عبد المجيد شيخي، والمؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا بتقديم اقتراحات بهذا الشأن، فرفع بنيامين ستورا تقريرًا إلى الرئيس إيمانويل ماكرون Emmanuel Macron يوصي فيه باتخاذ خطوات رمزية تجاه الذاكرة الجزائرية من دون الاعتذار.

جاء عقب ذلك بيان الرئاسة الفرنسية الصادر في يناير 2021 أن: «فرنسا مستعدة لتقديم خطوات رمزية لمعالجة ملف استعمار وحرب الجزائر، لكنها لن تعبر عن أي ندم أو اعتذار».

لقي تقرير بنيامين ستورا Benjamin Stora رفضًا من جهات عدة جزائرية قالت إنه «يساوي بين الضحية والجلاد»، ووصفته بغير الموضوعي. قال  شيخي  أمام وسائل إعلام محلية إن ذلك «التقرير مشكلة فرنسية- فرنسية، لا يعني الجزائر في شيء».

في ظل تجاهل الطرف الفرنسي لحقوق الضحايا الجزائريين، قام الرئيس ماكرون مؤخرًا بتكريم «الحركى»، وأعلن عن صدور قانون «الاعتراف والتعويض» الخاص بهم، وهو ما أثار الجدل حول إرادته في تصفية ملفات الذاكرة المشتركة، خاصة مع حساسية الموضوع بالنسبة للجزائريين، الذين يعتبرونهم أحد أسباب معاناتهم أثناء الاحتلال.

و«الحركى» هو وصف أطلقه الجزائريون على العملاء الذين وقفوا إلى جانب الاستعمار الفرنسي ضد مصالح بلدهم وضد ثورة التحرير الجزائرية، وقد غادر الكثيرون منهم غداة الاستقلال مع الجيش الفرنسي. إنهم يشكلون اليوم مع عائلاتهم ورقة انتخابية مهمة للسياسيين الفرنسيين بمختلف توجهاتهم.

عمومًا، إن جرائم الاحتلال الفرنسي للجزائر ثابتة بالشواهد التاريخية والوثائق الدولية، وراسخة في ذاكرة الأفراد والجماعات المتوارثة، وتُعد من المسلمات التاريخية، ومثلها كفاح الشعب الجزائري وتضحياته بالنَّفس والنفيس. والجزائر، سلطة وشعبًا، في غنى عن اعتراف الطرف الفرنسي لإثبات أمجادها التاريخية، أو إدانته أمام الضمير الإنساني.

لكن يبقى لذلك «الاعتراف» آثار معنوية وقانونية، ويدعم حق الضحايا الجزائريين في المطالبة بالتعويض، فارتكاب الدولة لفعل غير مشروع دوليًّا يترتب عليه مسؤوليتها الدولية، وهو أحد الجوانب الأساسية التي عملت الحكومات الفرنسية المتعاقبة على تجنُّبها.

ينادي قانونيون جزائريون بضرورة اللجوء إلى العدالة الدولية من أجل متابعة فرنسا عن جرائمها أثناء احتلال الجزائر، كما تطالب جهات سياسية وأخرى من المجتمع المدني بتجريم الاستعمار الفرنسي على المستوى الداخلي.

عمليًّا، ينطوي اللجوء إلى القضاء الدولي على بعض التعقيدات، التي تعود في جانب منها إلى عدم انضمام فرنسا إلى بعض الاتفاقيات الدولية المتعلقة بتلك الجرائم، وإلى مجال تطبيق النظام الأساسي لروما من حيث الزمان، فهو لا ينطبق على الجرائم المرتكبة قبل بدء سريانه، وأيضًا يرتبط بانضمام الطرفين المتنازعين إلى اتفاقية روما.

هذا دون إهمال عراقيل المطالبة بإنشاء «محاكم دولية خاصة» من أجل مقاضاة فرنسا أمام مجلس الأمن، لا سيما أنها تملك حق الفيتو.

لكن ذلك لا ينفي إمكانية اللجوء إلى الطرق الدبلوماسية والسياسية المتاحة على الصعيد الدولي، وكذا إيجاد حلول تشريعية داخلية تسمح بتوسيع اختصاص المحاكم الوطنية، وإزالة بعض العقبات الإجرائية التي يتطلَّبها اللجوء إلى القضاء الدولي.

ثانيًا- ملفات الذاكرة العالقة بين البلدين

تتمثل هذه الملفات مبدئيًّا في: الأرشيف، لا سيما المتعلق بالحقبة العثمانية (1516-1830)، والتجارب النووية في الصحراء الجزائرية (1960-1966)، وجماجم أبطال المقاومة الشعبية (قبل ثورة التحرير الكبرى التي اندلعت في أول نوفمبر/ تشرين الثاني 1954)، وكذا ملف المفقودين.

الأرشيف: ذلك السرُّ المقبور ما وراء البحر

أعلنت الجزائر في عام 2017 أن فرنسا ما زالت تحتجز 98 بالمائة من أرشيف البلاد المهرَّب إلى فرنسا، وهي تطالبها باستعادته كاملًا، بما فيه الأرشيف الذي يعود إلى الحقبة العثمانية (1518 – 1830).

وتجدر الإشارة، بهذا الصدد، إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان قد سمح برفع السرية، لفائدة الباحثين الجامعيين، عن أرشيف كان مشمولًا بقانون سرية الدفاع الوطني، ومعه وثائق ومستندات فرنسية حول حرب التحرير الجزائرية التي أفضت إلى إنهاء الاستعمار الفرنسي. غير أن الكثير من الباحثين الجامعيين لم يجدوا في هذه الخطوة تسهيلًا لعملهم.

التجارب النووية: جريمة عابرة للحدود والأزمنة

قامت فرنسا بين عامي 1960 و1966 بتفجيرات نووية بالصحراء الجزائرية موزعة، حسب مسؤولين فرنسيين، على أربع (4) تجارب فوق الأرض وثلاث عشرة (13) تجربة في باطنها، بينما يقول مؤرخون ومسؤولون جزائريون إنها تفوق ذلك بكثير.

تم تنفيذ أول تفجير نووي في منطقة «رقان»، جنوب الجزائر، في 13 فبراير/ شباط 1960، بإشراف مباشر من الرئيس الفرنسي شارل ديغول Charles de Gaulle، وأطلق عليها اسم عملية «اليربوع الأزرق». استخدمت فيها أربع قنابل نووية بطاقة تفجير سبعين (70) كيلوطن من «البلوتونيوم»، وبلغت شدة التفجير الذي أُجري على سطح الأرض أربعة أضعاف التفجير الناتج عن قنبلة هيروشيما.

تلتها عمليات اليرابيع الثلاث، الأبيض والأحمر والأخضر، وعمليات أخرى أجري بعضها بعد توقيع اتفاقيات إيفيان عام 1962، قبل استقلال الجزائر بأشهر، والتي تضمنت بنودًا تسمح لفرنسا باستعمال مواقع في الصحراء الجزائرية إلى غاية عام 1967.

تسببت عملية «اليربوع الأزرق» وحدها في قتل ما يزيد على اثنين وأربعين ألف (42.000) جزائري، استعمل بعضهم مع جنود فرنسيين فئران تجارب.

خلَّفت هذه العملية كوارث بشرية وبيئية. لا تزال المنطقة تعاني تلوث الجو بالإشعاعات النووية، وتلوث المياه، وتشوهات خلقية للمواليد الجدد، وتفشي الأمراض السرطانية وإعاقات… إلخ. كما أدت إلى انقراض أنواع من الحيوانات والنَّباتات.

ولا تزال تلك التفجيرات تخلف ضحايا في مناطق الانفجار وضواحيها، ولكن حدود آثارها غير معروفة، فقد خلفت تلك العمليات سحبًا معبأة بالمواد المشعة انتقلت إلى غاية جنوب أوروبا، وتوغلت في مناطق مجاورة للجزائر. تستمر هذه الإشعاعات التي خلفتها في الجو لآلاف السنين.

إن قائمة ضحايا التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر في ارتفاع، وهي عابرة للحدود والأزمنة، أمام صمت السلطات الفرنسية التي ترفض الكشف عن خبايا تلك التجارب، وتسليم خرائط دفن النفايات النوويــــــة، وكذا المعـــــــــدات والأجهـــــــزة التي اسـتخدمت في تنفيذ التفجيرات النووية.

أشار الجندي الفرنسي الذي شارك في التجربة النووية «اليربوع الأزرق» إلى أن السلطات الفرنسية «تعمدت آنذاك إخفاء الحقيقة ولا زالت تقوم بذلك». وقال إنه: «بعد مرور تسعين ثانية من التفجير يزول تأثير الإشعاعات، كانت تخشى أن يرفض الجنود والمدنيون الالتحاق بتلك القاعدة النووية».

في عام 2019، أصدرت فرنسا ما يُسمى بقانون «مورين» المتعلق بالاعتراف وتعويض ضحايا التجارب النووية الفرنسية بمستعمرات فرنسا السابقة، وتلاه القرار المؤرخ في 22 سبتمبر 2014 الذي يحدد كيفيات تطبيقه.

هذا النص القانوني لا يشمل عمليًّا كل ضحايا التفجيرات النووية، من العسكريين والمدنيين الذين كانوا موجودين في المنطقة، ويقصي الجزائريين من التعويضات، وقد رُفضت الملفات الجزائرية بحجة أن الأمراض المصرح بها لا تندرج في إطار النص المذكور، ففرنسا لا تعترف أصلًا بقيامها بهذه التجارب في مناطق آهلة بالسكان في الجزائر. 

تجدر الإشارة إلى أن كاتبة المقال أصدرت في 2019 رواية أدبية بعنوان «لعنة اليربوع» صادرة عن المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية موفم – الجزائر عام 2019 تتطرق إلى تفاصيل المعاناة القديمة الجديدة التي تعرض ولا يزال يتعرض لها جزائريون، وحتى أجانب بسبب الجرائم التي ارتكبتها سلطات الاحتلال الفرنسية ضد البشر والطبيعة بسبب تفجيراتها النووية في الصحراء الجزائرية.

جماجم المقاومين الجزائريين في متاحف فرنسا:

عندما يكون للوحشية معرض فني!

كشفت وسائل إعلام فرنسية في 2016 وجود ثمانية عشر ألف جمجمة في «متحف الإنسان» بباريس، يعود مبدئيًّا أكثر من خمسمائة منها إلى جزائريين.

تخفي الجماجم المحتجزة بمعارض فرنسا قصصًا عن وحشية الاستعمار الذي أعدم مقاومين بدل معاملتهم كأسرى حرب، وعلق رؤوسهم بعد قطعها في مداخل القرى لترهيب باقي السكان حتى لا يأخذوا طريق المقاومة.
استعادت الجزائر في 3 يوليو/ تموز 2020 أربعًا وعشرين رفات تعود لقادة المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي، بعد قرن وسبعين سنة من احتجازها بـ«متحف الإنسان» في باريس.

اعتبرت الجزائر ذلك خطوة رمزية بسيطة، وفي السياق ذاته أجاب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في حوار مع قناة «فرانس 24» عن سؤال حول المطالبة باعتذارات فرنسية، قائلًا: «سبق أن وصلتنا أنصاف اعتذارات».
تذكر مصادر تاريخية جزائرية أن جماجم هؤلاء المقاومين نقلت إلى باريس بغرض إخضاعها لبحوث وتجارب عملية. 

المفقودون: حقيقة مطموسة وآلام متفاقمة

يشكل ملف المفقودين أثناء ثورة التحرير الجزائرية أحد ملفات الذاكرة العالقة بين الجزائر وفرنسا. قامت فرنسا بالكشف مؤخرًا عن مصير بعض الشخصيات المفقودة، لكن الجهات الجزائرية تعتبرها خطوة رمزية أمام كم المفقودين الذين تتكتم فرنسا على مصيرهم.

بهذا الصدد، اعترف الرئيس ماكرون بتصفية الجيش الفرنسي للمناضل الجزائري علي بومنجل عام 1957، وأقرَّ أن: «بلاده بحاجة إلى مصالحة مع ذاتها في تناول الماضي الاستعماري».

تثبيت الحلقة المفقودة في العلاقات بين البلدين
ضرورة التطلع إلى أفق غير معتَّم

يتجلى مما سبق ذكره ثقل ملفات الذاكرة العالقة بين الجزائر وفرنسا، وعمق الجرح الجزائري الذي يستمر في النزيف، وتتفاقم آلامه مع مرور الوقت.

لكن مهما امتدت أنياب الذاكرة، يبقى للحاضر منطقه، الذي يؤكد أهمية العلاقات الجزائرية الفرنسية، بحكم عوامل جغرافية، وسياسية، واقتصادية، وثقافية.. وتاريخية أيضًا، ويستدعي ضرورة استقرار هذه العلاقات وتدعيمها بأواصر الثِّقة والاحترام المتبادلين، لا سيما بتصفية ملفات الذاكرة العالقة بين البلدين، والحرص على عدم انتقالها ملغمة إلى الأجيال القادمة.

تجدر الإشارة إلى أن هناك جهات تراهن على اختفاء الأجيال التي شاركت في الحرب من الجانبين، ترى أن ذلك سيسهل عملية تصفية هذه الملفات. هذا الرأي يغفل جانبًا مهمًّا في الموضوع، هو خطر تفاقم جراح الذاكرة، في حال انتقالها إلى الأجيال القادمة بواقع يؤصِّل للشعور بالظلم.

ما تدَّخره قلوب شعب قد تترجمه يومًا إرادة سلطة، ولو بعد أجيال.

هوامش
(*) كان أول القناصل «بارتول» BARTHOLLE وآخرهم «دوفال» DUVAL، وأول المحافظين والمبعوثين هو «دولافوريست» De LAFOREST وآخرهم «دوبيري» DUPERR.

(**) جرت معركة (نافارين) عام 1827 في خليج «نافارين»، جنوب غرب اليونان، بين الأسطول العثماني، ومعه الأسطولان الجزائري والمصري، من جهة، وبين الأساطيل البريطانية والفرنسية والروسية، وانهزم فيها العثمانيون وتحطم أسطولهم البحري، ومعه الأسطول الجزائري.

(***) جرت عام 1827، سأل الداي حسين حاكم الجزائر القنصل الفرنسي عن عدم رد فرنسا عن طلبه استيفاء الديون، فأجابه بوقاحة، فأشار إليه بمروحته، وهناك روايات تقول أنه ضربه بها، فأعلنت فرنسا أن هذه إهانة كبيرة لها، وفرضت حصارًا بحريًّا على الجزائر لمدة 3 أعوام، أدى إلى سقوط العاصمة الجزائر عام 1830.

(****) عباس محمد الصغیر، فرحات عباس من الجزائر الفرنسية إلى الجزائر الجزائرية ( 1927 -1963)، مذكرة لنیل شھادة الماجستیر في تاریخ الحركة الوطنیة جامعة منتوري قسنطینة كلیة العلوم الإنسانیة والعلوم الاجتماعیة السنة الجامعیة 2006/2007، ص 71

(*****) فرحات عباس، ليل الاستعمار، ترجمة أبو بكر رحال، وزارة الثقافة، الجزائر، 2009، ص 73 و75.

(******) السعيد بورنان شخصيات بارزة في كفاح الجزائر 1830-1962 رواد المقاومة الوطنية في القرن 19 ط2 دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع الجزائر 2004 ص 24.

(*******) مصطفى الشريف، الجزائر الأمة والمجتمع، تعريب حنفي بن عيسى، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2007، ص 107.

(********) مَتيجة هي مجموعة سهول في المنطقة الوسطى من شمال الجزائر جنوبي العاصمة، وقد قاوم سكانها الاحتلال الفرنسي منذ الوهلة الأولى، ولم يُتمكن من احتلالها إلا بعد ارتكاب جرائم فظيعة ضدهم، على سبيل المثال تمت إبادة قبيلة «العوفية» بتاريخ 7 أفريل/ نيسان 1832 (انظر: كريمة حرشوش، جرائم الجنرالات الفرنسيين ضد مقاومة الأمير عبد القادر في الجزائر من خلال أدبياتهم (1832-1847)، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر، بإشراف الدكتور صم منور، معهد العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية، قسم التاريخ وعلم الآثار، جامعة السانيا – وهران، 2010، المدخل، وكذاB.Cheikh, D.Mohamed, l’Algérie coloniale par les textes, 1830-1939, Editions Hammouda, Alger, 2003, p35. )

(*********) سعدي بزيان، جرائم فرنسا في الجزائر من الجنرال بوجو إلى الجنرال أوساريس، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، 2005، ص 22.

(**********) سعدي بزيان، فرنسا في الجزائر من الجنرال بوجو إلى الجنرال أوساريس، المرجع السابق ص 19.

نُشر نص مختصر من هذا المقال في العدد 69 من مجلة «الإنساني» الصادر في خريف/ شتاء 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. للاطلاع على العدد كاملًا، انقر هنا. والآراء الواردة في هذا المقال، كغيره من المساهمات في المجلة، لا تعبر إلا عن رأي أصحابها. 

يمكنكم الحصول على عدد مطبوع من المجلة التي توزع مجانًا من خلال بعثاتنا في المنطقة. انقر هنا لمعرفة عناوين البعثات. 

اقرأ أيضا:

ليندة بوعلي، ذاكرة اللجنة الدولية شاهدة: محطات مضيئة للعمل الإنساني في حرب تحرير الجزائر

مرايمي محمد، الإسلام كمرجعية لحماية أسرى الحرب…إسهام الأمير عبد القادر الجزائري في تطوير القانون الدولي الإنساني

اطلع غيرك على هذا المقال

تعليقات

لا توجد تعليقات الآن.

اكتب تعليقا