بمقدم العام 1999، يكون قد مر على توقيع اتفاقيات جنيف الخاصة بالنزاعات المسلحة خمسون عامًا. وأكثر من تلك المدة على تواجد اللجنة الدولية بمنطقة الشرق الأوسط، من الصراع العربي الإسرائيلي إلى حرب الخليج، فالحروب الأهلية بالسودان، مرورًا بكل الصراعات التي جرت وتجري خلال النصف الثاني من القرن العشرين، دولية كانت أم إقليمية أم داخلية.

هذه الاتفاقيات ليس هاجسها العملي إحلال السلام بين الشعوب، بل إضفاء الطابع الإنساني المتحضر على صراعاتها المسلحة. فالحرب، ليست حالة للتطاحن وإراقة الدماء بغير قانون ينظمها، ولا بد من أن تخضع بدورها لقانون، وهو الهدف الذي أوكل المجتمع الدولي مهمة حراسته للجنة الدولية للصليب الأحمر، أي توفير الحماية والإغاثة لضحايا الحرب، إضافةً لنشر ومتابعة تطبيق القانون الدولي الإنساني.

نعم قام التطور في مجال صناعة الصلاح بتنحية الفروسية جانبًا، فحلت الأسلحة، المسماة بالحديثة، وأسلحة الدمار الشامل محل السيوف، بما باعد من عمليات الالتحام بين المتقاتلين، وجعل استخدام السلاح يستهدف في المقام الأول من لا ناقة لهم ولا جمل من المدنيين والأبرياء في حيواتهم وممتلكاتهم وأرزاقهم. وقد مر ذلك بتاريخ طويل، وانتقل من حقبة لحقبة كمستفيد أول مما أبدعته وتبدعه البشرية من تقنية، ولم يرافق هذا التطور تطور مواز يقلل من وحشية الإنسان وخطرها الداهم على الأرض والحياة وعليه هو نفسه!

والمتأمل لما اندلع في كل مكان من حروب في أعقاب الحرب الباردة، وما انطوت عليه هذه الحروب من خرق وانتهاك لكل الأعراف الإنسانية يدرك الأهمية القصوى للعمل على صعيد نشر القانون، عملًا بمبدأ الوقاية والحيلولة دون اتخاذ هذه الصراعات الطابع المدمر الذي تتخذه، ففي رواندا، كما جاء بأحد مواضيع هذا العدد، تم ذبح ما يوازي سبع أضعاف ضحايا القنبلة النووية في هيروشيما بالمدى والأسلحة الصغيرة! لكي يظل أساس كل تحضر مرهونًا بما تحققه البشرية من تقدم على صعيد العقل والضمير.

فليس لنا أن نتصور أن سقوط عدد لا يستهان به من البشر ضحايا لهذه الأعمال أمر تسبب فيه سوء طالعهم، ولا أن نستسلم لمقولة مفادها أن “الحرب هذا حالها” كما قد يذهب بالبعض التفكير. لأن البشرية التي أبدعت الكثير في مسيرتها نحو التقدم الاقتصادي والعلمي والتقني، لها أيضًا ما قدمته على الأصعدة السلوكية والأخلاقية والفكرية، وهو ما يجب أن نتكاتف اليوم للدفاع عنه، وإبرازه، وتطوير فعاليته في حقبة التحول الكبير التي نشهدها الآن.

إننا جميعًا نعيش في عالم واحد، ولم يعد ما يحدث بعيدًا عن كل إنسان، خصوصًا في زمن انتشار المعلومات وسهولة الاتصال. إذ صار ما يجري في مكان يُسمع صداه في باقي الأماكن في نفس اللحظة والتاريخ. لذا فالدفاع عن تطبيق القانون لا ينطلق من التزام إنساني لدينا إزاء محنة الآخرين، بل هو دفاع عن النفس في الوقت ذاته، لكي لا تتحول هذه الانتهاكات نفسها لقانون وقاعدة تنتشر وتستفحل مغتنمة فرصة اللامبالاة لدى البعض بتخيل أن ما يحدث بعيد عنه، لأنه حتى “الحرب لها حدود” وذلك هو الشعار الذي اختارته اللجنة الدولية عنوانًا لحملتها الإنسانية الجديدة.

من هنا تأتي الضرورة التي انتبه لها المجتمع الدولي بتكليفه للجنة الدولية وللحركة الدولية ببذل كل الجهود من أجل نشر القانون الدولي الإنساني (كما جاء باتفاقيات جنيف). ومن هنا أيضًا تأتي الأهمية التي توليها اللجنة الدولية لعمل الإعلام، ولهذه النشرة، التي تتوجه بها لصناع القرار والمثقفين ودوائر الإعلام والمهتمين والضحايا، لفتح الحوار حول ضرورة إعمال القانون، وضرورة مساندة العمل الإنساني، الذي لا يمكن له أن يقوم بدوره إلا بدعم الجميع من أجل الجميع ولمساندة وإغاثة الضحايا بالعالم وبالمنطقة. فقفوا معنا نقف معهم، وساعدونا نساعدهم.