متى يُسقط القانون الدولي الإنساني الحماية عن المدنيين؟ وهل هناك شروط خاصة تعين صفة المدني في النزاعات المسلحة؟ وهل تسقط حماية القانون عن المدنيين المنخرطين في أعمال المقاومة المنظمة أو الهبات الجماعية؟ وكيف نقيّم ما يدعوه القانون بالأضرار الجانبية؟ هذا المقال الذي يعرض بالتفصيل لهذه الإشكاليات يخلص كاتبه إلى أن التطور في أساليب ووسائل القتال لم يغير من مبادئ الحرب، بما يدعونا إلى الدفاع عن المبادئ الإنسانية التي تشكل جوهر القانون الدولي الإنساني.

حدد القانون الدولي الإنساني وضعين فيما يتعلق بالتوصيف القانوني للأشخاص أثناء النزاعات المسلحة الدولية وهما: 

 أ) المقاتل: وهو لا يتمتع بالحماية إلا إذا أصبح “خارج القتال” أي توقف عن المشاركة في العمليات الحربية.  المقاتل من حيث المبدأ هو عنصر القوات المسلحة باستثناء رجال الخدمات الطبية والدينية. 

ب) غير المقاتل: (أو مدني) وهو شخص يتمتع أساسًا بالحماية بصفته هذه.

إلا أنه بالمقابل أجاز القانون للمدني في حالات محددة حصرًا التخلي عن صفته المدنية واكتساب صفة المقاتل بما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات. وأهمها بالطبع سقوط الحماية عنه. وهاتان الحالتان هما: 

– أفراد المليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى، بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة، الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع على أن تتوفر فيهم شروط محددة. (اتفاقية جنيف الثالثة المادة 4/أ، (2)). 

– سكان الأراضي غير المحتلة في حالة الهبة الجماعية (اتفاقية جنيف الأولى المادة 13 (6)). 

وغني عن التذكير هنا بأن وجود شخص محمي داخل أو في جوار هدف عسكري مشروع لا يغير من طبيعة الهدف نفسه، وعلى هذا الشخص تحمل مسؤولية خطر تواجده داخل أو في جوار هدف مشروع. غير أن القانون الدولي الإنساني يضع شروطًا ويفرض تدابير محددة يتعين على أي طرف في النزاع أن يتقيد بها عند شن هجوم على مثل هذا الهدف. وقد عرّف القانون الدولي الإنساني الأضرار الناتجة عن هذا الهجوم في صفوف الأشخاص والأعيان المحمية “بالأضرار الجانبية” أي أنها من الناحية القانونية لا تشكل انتهاكًا للقانون.

إجابة البروتوكول الإضافي الأول

ولكن، إذا كانت النصوص الواردة أعلاه تبدو واضحة، إلا أن المشكلة في الإجابة على السؤال المطروح في مقدمة بحثنا هذا إنما تكمن في البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف، المادة 51 الفقرة 3 (ب ج 1، 51/3) والتي تنص على ما يلي: “يتمتع الأشخاص المدنيون بالحماية التي يوفرها هذا القسم ما لم يقوموا بدور مباشر في الأعمال العدائية وعلى مدى الوقت الذي يقومون خلاله بهذا الدور“.

كيف يمكننا إذًا تفسير هذه المادة (فيما يتعلق بسقوط الحماية عن المدني) في ظل المواقف المختلفة والمتناقضة أحيانًا تجاهها، وأخطرها مثلًا اعتبار أن المدني الذي شارك مباشرة في عمل عدائي يمكن استهدافه لاحقًا في أي مكان وطيلة مدة النزاع المسلح، في الوقت الذي تبقى المعايير الخاصة بتعريف الأعمال العدائية والدور المباشر فيها خاضعة- للأسف- لاعتبارات غير موضوعية؟ 

بداية، أود توضيح أن محاولة تفسيري للمادة المذكورة أعلاه سوف تعتمد على صياغات وتعريفات واردة في اتفاقيات جنيف وبروتوكولها الإضافي الأول (بصفتها تشكل القاعدة الصلبة للقانون الدولي الإنساني) ووضعها في إطار عملياتي وقانوني حتى تكون قابلة للتطبيق من قبل كافة الأطراف المشاركة في النزاع المسلح. بحيث تأتي الإجابة على السؤال المطروح منطقية، عملية، وقبل كل شيء ترد على البعد الإنساني للقانون الدولي الإنساني.

أولًا: المراجع


(1) البروتوكول الأول، المادة 44/3- (أ) و(ب): 

“يلتزم المقاتلون، إذكاء لحماية المدنيين ضد آثار الأعمال العدائية، أن يميزوا أنفسهم عن السكان المدنيين أثناء اشتباكهم في هجوم أو في عملية عسكرية تجهز للهجوم. (……) على المقاتل المسلح أن يبقى عندئذ محتفظًا بوضعه كمقاتل شريطة أن يحمل سلاحه علنًا في مثل هذه المواقف: 

(أ) أثناء أي اشتباك عسكري. 

(ب) طوال ذلك الوقت الذي يبقى خلاله مرئيًا للخصم على مدى البصر أثناء انشغاله بتوزيع القوات في مواقعها استعدادًا للقتال قبيل شن هجوم عليه أن يشارك فيه”. 

(2) البروتوكول الأول، المادة 54/5: 

حماية الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين: 

“يسمح، مراعاة لمتطلبات الحيوية لأي طرف في النزاع من أجل الدفاع عن إقليمه الوطني ضد الغزو، بأن يضرب طرف النزاع صفحًا عن الحظر الوارد في الفقرة الثانية في نطاق مثل ذلك الإقليم الخاضع لسيطرته إذا أملت ذلك ضرورت عسكرية ملحة”.

الاستنتاج الأول

يحدد القانون إطار الحد الأدنى (التصرف، الزمان والمكان) الذي من خلاله يحتفظ المقاتل بوضعه مهما تكن الظروف التي تحيط بمشاركته في العمليات العدائية. كما يقدم القانون إلى طرف من أطراف النزاع في ظروف معينة ما يمكن اعتباره من قبل البعض “ميزة” (مثل حالة الهبة الجماعية للسكان المدنيين الذين يدافعون عن بلادهم مقارنة بالمقاتلين المنتمين للقوات الغازية، والتصرف حيال الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين).

ثانيًا: مقاربة ما بين بعض المفاهيم الأساسية في القانون الدولي الإنساني 

(21)المشاركة النشطة active مقابل المباشرة direct:

قد يبدو هذان التعبيران متماثلين، إلا أن لهما معنيين/ أثرين مختلفين في النزاع المسلح. فـ”المشاركة النشطة” تتعلق في الواقع بأي نوع من أنواع السلوك الذي يمكن أن يؤثر (إيجابًا أو سلبًا) على الجهد العسكري لطرف من أطراف النزاع. أما “المشاركة المباشرة” فتخضع لتقييد أكبر لكونها تتعلق بأي تصرف ذي تأثير مباشر على حياة/ عتاد/ منشآت، ومهمة الطرف الخصم. لذلك، فإن استخدام كلمة “مباشرة” في المادة موضوع البحث جاء مناسبًا بهدف إبراز مفهوم “الوضع التكتيكي” الذي يفقد فيه الشخص المدني حصانته وبالتالي يجوز استخدام القوة المباشرة ضده بسبب مشاركته في الأعمال العدائية.

(22).فقدان الحصانة مقابل تغير الوضع:

لقد سبق أن أشرنا إلى أن القانون الدولي الإنساني قد اعتمد وضعين فقط في ما يتعلق بتوصيف الأشخاص أثناء النزاعات المسلحة الدولية، وهما: المقاتل وغير المقاتل. وعليه، يمكننا أن نجد مقاتلًا ينتهك واجباته كمقاتل (أي قواعد القانون الدولي الإنساني)، أو غير مقاتل ينتهك وضعه كشخص محمي عند مشاركته المباشرة في الأعمال العدائية.

لذلك، ربطت المادة 51/3 من البروتوكول الأول فقدان الحصانة بفترة معينة تتعلق بالسلوك نفسه (المشاركة المباشرة)، وإلا لكانت هذه المادة حددت بوضوح أن الشخص المدني الذي يشارك مباشرة في الأعمال العدائية يفقد وضعه كمدني وليس حصانته فحسب، ويعد بالتالي مقاتلًا، مما يعني أنه صار هدفًا مشروعًا طيلة فترة النزاع.

(23). مقاتلون مقابل مدنيين فيما يتعلق بالحق الدائم في الهجوم المباشر عليهم:

لا شك أن العسكري (المقاتل) يعد في حد ذاته “شخصًا غير محمي” في أي مكان وأي وقت من الأوقات أثناء النزاع المسلح. ويستند هذا المفهوم إلى ما يلي:
– أنه جزء من الجهد العسكري الدائم للعدو.
– أن الهجوم عليه يظل دائمًا مبنيًا على الاحترام الكامل لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
– أنه يمكن استهدافه في العمليات الانتقامية، حيث إن عمليات الردع لا يمكن، كما نعلم وفقًا للقانون الدولي الإنساني، أن تستهدف إلا الأشخاص غير المحميين والأهداف غير المحمية.
وعليه، يمكننا استنتاج أن الهجوم المباشر على المقاتل يستند إلى وضعه وليس إلى سلوكه، بينما فقدان الحصانة بالنسبة للمدني يستند فقط إلى سلوكه في ظرف عملياتي محدد وطيلة فترة زمنية محددة أيضًا. 

(24). الأعمال العدائية مقابل النزاعات المسلحة: 

قد يكون صحيحًا أن مصطلحات مثل النزاع المسلح، والأعمال العدائية، والعمليات العسكرية، والهجمات وغيرها إنما تستخدم في كثير من مصادر القانون الدولي الإنساني في سياقات مختلفة وربما بمعانٍ مختلفة أحيانًا. لذا، فإن هذا الوضع يدعونا إلى الأخذ في الاعتبار روح القانون والهدف الرئيسي منه لا سيما عندما يتعلق الأمر بحماية المدنيين في هذا الوضع الخطير من مراحل القتال (البروتوكول الأول، المادة 51/3). وإذا ما استطعنا تعريف/ تحديد الأعمال العدائية فقد نتمكن عندها من ترشيد تفسير المادة 51/3 من البروتوكول الأول. لذلك يمكن تعريفها من خلال ما يلي:
نزاعات مسلحة: مصطلح يحدد التوصيف القانوني للحالة الاستراتيجية التي تدير القوات المسلحة عملياتها العسكرية فيها.
العمليات العسكرية: مصطلح يعكس استخدام الجهازية/ الوسائل العسكرية لتحقيق الهدف المحدد لهذه العمليات. وغني عن القول بأنه ليس كل إجراء/ تحرك أثناء العمليات العسكرية يشكل بالضرورة عملًا عدائيًا تجاه الخصم.
الأعمال العدائية: مصطلح يشمل التصرفات التالية: الانتشار + الهجمات/ اشتباكات + فك الاشتباك + الانسحاب.
هجمات/ اشتباكات: مصطلح لأعمال العنف الهجومية والدفاعية ضد الخصم (ب ج 1، 49/1).

رجل يمشي بالقرب من الجامع الكبير المدمر في مدينة زبيد اليمنية- تصوير اللجنة الدولية.

الاستنتاج الثاني 

توفر المصادر القانونية للقانون الدولي الإنساني الكثير من الإجابات القانونية والعملية لمختلف الأسئلة التي قد تطرح أثناء محاولتنا تفسير هذه المادة (البروتوكول 1 المادة 51 الفقرة 3). وعليه، يبدو وكأننا لسنا بحاجة لمزيد من المواد القانونية، فلنبدأ على الأقل بتطبيق ما بين أيدينا منها.

(3) التفسير المقترح (ب ج 1، 51/3) 

(31) يقضي القانون الدولي الإنساني بأنه لا يجوز أن يكون الشخص المتمتع بالحماية محلًا للهجوم بشكل مباشر من قبل أطراف النزاع، لذا نحن دائمًا ما نشدد على كلمة مباشر وذلك نظرًا إلى أنه في حالة الأضرار العرضية (التي تقع بشكل غير مباشر) لا يتم الاعتداد بحدوث انتهاكات للقانون. 

(32). في المصطلحات العسكرية، عندما نستخدم مصطلح “مباشر” بالنسبة لإطلاق النيران فذلك يرتبط بجانب جغرافي ويعني أن الهدف في مرمى البصر. واستخدمت كلمة “مباشر” في المادة موضوع التفسير لضمان ما يلي:
– أن الشخص المدني يشارك فعليًا في الأعمال العدائية وأن الطرف الخصم (مدافعًا كان أو مهاجمًا) لا يساوره الشك في ذلك، مما يؤدي إلى الحد من وقوع الأضرار العرضية بقدر الإمكان.
– أن الشخص المدني يعرض حياة الخصم/ معداته/ منشآته للخطر كما يهدد أيضًا المهمة التي يسعى لتنفيذها.

(33). واستنادًا إلى ما ذكرناه آنفًا، تهدف الفقرة الثالثة من المادة 51 إلى ما يلي:
– حماية الشخص المقاتل من أية تبعات قانونية ناشئة عن استخدام العنف ضد شخص يتمتع قانونًا بحماية القانون (كونه مدنيًا). 

– تحميل الشخص المدني مسؤولية هذا الفعل. في الواقع، فإنه بجانب فقده للحصانة طوال وقت المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية، يتحمل أيضًا مسؤولية انتهاك الوضع المكفول له بمقتضى القانون حتى وإن كان يقاتل بمقتضى القواعد/ المبادئ ذات الصلة.
– تقييد المقاتلين (لا سيما القوات المحتلة) عند القيام بعمليات عسكرية في مناطق مأهولة بالسكان المدنيين من أجل الحد من وقوع أضرار عرضية بين صفوفهم.

الاستنتاج الثالث

كيف يمكننا إذن، ومن الناحية العملية، شرح المفهوم الذي يحمله مصطلح “المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية” للعسكريين حتى يتسنى لهم إدارة العملية العسكرية دون أن يساورهم أدنى شك حول شرعية سلوكهم إزاء المدنيين وكذلك لتجنب سقوط مدنيين ضحية لتفسير شخصي وغالبًا ما يكون غير موضوعي من منظور حملة السلاح المتعددين في ساحة القتال؟ 

وباختصار يقترح التفسير التالي:
المكان: منطقة الاشتباك (للتمييز بين المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية والمشاركة النشطة في الجهد العسكري والذي يعد أوسع نطاقًا).
الفعل: يقوم الشخص المدني بفعل يعرض حياة الخصم/ معداته/ منشآته للخطر وكذلك المهمة التي ينفذها في هذه المنطقة.
الفترة: الإطار (المكان والزمان) الخاص بهذا الوضع التكتيكي يبدأ بانتشار “الشخص المدني” تحضيرًا للهجوم وينتهي بانسحابه من منطقة الأعمال العدائية المشار إليها سابقًا.

إطار تكتيكي ضروري للتفسير

وفي الواقع، نجد أن تجاهل الجانب الجغرافي الذي يشتمل عليه معنى مصطلح “مباشر” يقودنا إلى منطقة “رمادية” حيث يكون من الصعب جدًا القيام بشكل موضوعي بوضع إطار عمل موحد أو إعداد قائمة بالتصرفات وبالمعايير لما يمكن اعتباره مشاركة مباشرة في الأعمال العدائية. كما أن وسائل التحقق من المعلومات المطلوب معرفتها لتقييم هذه التصرفات والمعايير قد لا تكون متوفرة دائمًا أو قد تفتقر إلى الدقة. 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الجانب الجغرافي نفسه يتماشى وفترة المشاركة في الأعمال العدائية. وبإيجاز، فإن لهذه المادة إطارًا تكتيكيًا لا ينبغي الخروج عنه عند القيام بتفسيرها. (الرجوع إلى البروتوكول الأول المادة 44 “أ” و”ب” من الفقرة 3). وبالمقابل فإنه خارج هذا الإطار يبقى المدني بالطبع مسؤولًا عن انتهاكه للقانون إلا أن القوانين المعنية أوجدت معايير أخرى ذات صلة باستخدام القوة قد تأخذ طريقها إلى التطبيق.

4- التوصيات

(41). البروتوكول 1 المادة 51 الفقرة 3: في مواجهة العلاقات الدولية غير المتساوية على مختلف المستويات التي نشهدها حاليًا، فإنه سيكون من الخطر جدًا التشكيك في التفسير الإنساني والواقعي والضيق لهذه المادة الأساسية. لأنه بخلاف ذلك سنشارك في فتح الباب واسعًا أمام اجتهادات متعددة الاتجاهات تستجيب للمصالح المؤقتة لبعض الدول فيما يتعلق بأحد الأركان الأساسية لقواعد القانون الدولي الإنساني والتي تتناول حماية المدنيين.
تجدر الإشارة إلى أن القاعدة السادسة الواردة في الدراسة التي أعدتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر حول القانون الدولي الإنساني العرفي (2005) تتضمن هذه الفقرة الثالثة من المادة 51.

لا شيء تغير بالفعل

وفي الختام، من واجب العاملين في مجال حماية القانون الدولي الإنساني ألا ينجرفوا هم أيضًا خلف “شعارات الموضة”، فإن الكلمات الجديدة والسيناريوهات المصطنعة يجب ألا تحرفنا عن المفاهيم الثابتة للقانون. ففي حقيقة الأمر، لا شيء تغير بالفعل. صحيح بأن وسائل وأساليب القتال في تطور مستمر ولكنها في النهاية تهدف إلى خدمة “مبادئ الحرب” المستقرة منذ بدء تدوين التاريخ العسكري. بالمقابل علينا نحن أيضًا أن ندافع عن المبادئ الإنسانية التي شكلت دائمًا أهم مصادر القانون الدولي الإنساني والمرجع الصلب لتحقيق أهدافه.

نُشر هذا المقال في العدد 39 من مجلة «الإنساني» الصادر في ربيع 2007.