في مثل هذا التوقيت منذ عشرين عامًا، صدر العدد الأول من مجلة «الإنساني»، حاملًا بين دفتيه مجموعة من التقارير والمقالات عن حالة النزاعات المسلحة وأوضاع المدنيين في العالم. ولهذه المناسبة، ننشر هنا مقالًا تحليلًا سطره كورنيليو سوماروغا (Cornelio Sommaruga)، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر آنذاك (في 1998)، وفيه يطرح فيه رؤيته لعالم ما بعد الحرب الباردة والشروط الواجب توافرها من أجل تأسيس «عالم جديد متكافل قادر على أن يحول اليأس إلى أمل» على حد تعبيره.

عولمة المسؤولية والحاجة لعقد جديد

يجد المرء شيئًا من الحرج والارتباك حين يضطر مرة أخرى للتركيز على التغيرات العميقة الجذرية بطبيعتها التي أتى بها عام 1989 عندما شهد نهاية الحرب الباردة. فأي حديث حول المنازعات الراهنة لا بد وأن يبدأ انطلاقًا من هذا الحدث باعتباره نقطة تحول معاصرة، لم تكن في الحسبان ولا تزال بعيدة كل البعد عن التكشف.

لقد سجلت دراسة الحرب والسلام خلال سنوات الحرب الباردة تقدمًا تركز بصفة خاصة على تلك المجالات العقيمة والمتجردة للتكنولوجيا، مع انسياقها في بعض الأحيان نحو الواقع الفعلي. ولن أتداخل مع المؤرخين وهم يتجادلون حول الإبادة النووية الكاملة وإلى أي حد وفي أي وقت شكلت خطرًا فعليًا. ومع ذلك، فالأمر المؤكد أن تجابُه القوتين الأعظم في مجال الأسلحة النووية قد أسهم، سياسيًا وسيكولوجيًا على السواء، إسهامًا جوهريًا في تحديد السمات والملامح الخاصة لتاريخنا طوال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد كان “ميزان الرعب” السائد في تلك الحقبة يركز تركيزًا غير متكافئ على أدوات النزاع: عددها، طرزها، استخداماتها الممكنة وآثارها المحتملة.

ومع ذلك، ألم نشهد، بعد مرور أقل من خمس سنوات على سقوط حائط برلين، عمليات إبادة في رواندا، استخدمت فيها المدى الضخمة، وارتفع عدد ضحاياها إلى ما يزيد سبع مرات على الأقل على ضحايا قنابل نووية من طراز قنبلة هيروشيما؟ أفلم يحن إذن الوقت الذي يتحتم فيه علينا أن نركز انتباهنا وعنايتنا أخيرًا على الآليات التي تفجر النزاع وتلك التي يمكنها منع وقوع النزاع أو وقفه في حالة اندلاعه؟

كورنيليو سوماروغا

 كلنا يتامى الحرب الباردة!

نحن نعيش اليوم في عالم لا بد أن يتحول فيه حديثنا عن أي نزاع إلى حديث تتجلى فيه تعددية وكثرة المحاور تجليًا مشهودًا: من كافة أنواع المطالب المتضاربة، إلى الهواجس القومية، ومختلف صور وأشكال جنون الاضطهاد أو العظمة العرقية، وحتى التيارات المتطرفة إلى حد الشطط، وكلها عوامل سرعان ما تتفجر حتى تصل إلى أعتاب النزاع المسلح بدون أن نجد أحدًا لديه أدنى استعداد لإنفاق المال أو المخاطرة بالأرواح للحيلولة دون وقوع الاشتباك أو لوقفه إذا ما اندلع. كلنا يتامى الحرب الباردة، ولكن عوضًا عن أن نذرف الدمع على فقيد لم يكن عزيزًا إلى حد التأسي على غيابه، ينبغي أن نسعى بالأحرى إلى النمو والنضوج.

صحيح أن التركيز على عدد النزاعات، أي على تعدديتها، أمر له أهميته، إلا أنه لا يكفي في حد ذاته لتناول المشاكل التي نواجهها في هذه النهاية المحيرة للقرن العشرين تناولًا وافيًا يتناسب وحجم تلك المشاكل. فالواقع أن أكثر السمات إزعاجًا في هذا السياق لا تتمثل في عدد النزاعات التي نشهدها اليوم بل تكمن بالأحرى في نوعية تلك النزاعات.

لقد أشار أفلاطون في كتابه “الجمهورية” إلى العنف المنظم فاستخدم تعبيرين مختلفين أولهما: Stasis أي النزاع بين مجموعات تقر كلٌ منهما بوجود صلة أساسية تربطها بالأخرى، إلا أنها تسعى إلى حل خلاف بينهما في المصالح عن طريق القوة؛ والثانية Polemos، أي الحرب الكاملة ضد الآخر المختلف كل الاختلاف، الهمجي، الأجنبي الذي يشكل خطرًا، والغريب تمامًا.

والواقع أن الأدوات التي أُنشئت لمنع النزاعات، أو لحصر نطاقها وتحديده لأغراض إنسانية، أو تسويتها، كلها أدوات طورها المجتمع الدولي استنادًا إلى الحرب Stasis وليس بالضرورة إلى الحرب Polemos، حيث لا تعترف تلك الأخيرة، بحكم تعريفها، بأية قواعد أو حدود. ومن هنا، لا نجد أي أساس من الصحة لما يؤكده النقاد كثيرًا من أن جميع تلك الأدوات (كاتفاقيات جنيف) عديمة الجدوى أو تفتقر إلى الفعالية.

وتكمن المأساة الحقيقية في أنه، على خلاف ما كان صائبًا في اليونان القديمة، لم يعد العدو اليوم هو ذلك الهمجي صاحب المظهر غير المألوف والذي يتحدث لغة غير مفهومة، ولكنه أصبح (ولنتذكر يوغسلافيا السابقة أو رواندا) هو نفسه الجار القريب. فالواقع الذي لا يخلو من الغرابة يتمثل في أنه لم يعد ثمة مفر الآن من ضرورة اعتبار الجار مصدرًا لخطر يهدد البقاء والهوية. ومن هنا، يتحتم إبعاد هذا الجار أو القضاء عليه، بدون إتاحة أي مجال لحل وسط، أو تعايش، أو رحمة، أو للالتزام باحترام أدنى حدود أو قواعد عند الاشتباك. وفي هذا الشكل من أشكال الحرب الكاملة، لا يقتصر الغرض على مجرد هزيمة العدو بل يتمثل في إبادة هذا العدو.

وإذا نحن تدارسنا بمزيد من التعمق تلك الحالة الخاصة لنوعية النزاع المميزة لعصرنا، سوف نلاحظ أن التداخل الحتمي بين العوامل السياسية- الاقتصادية والسياسية- الثقافية يتكشف عن أنماط تتنوع وتختلف اختلافًا شديدًا باختلاف الأوضاع، والوقائع الجغرافية، ومستويات التنمية، والثقافات. وإذا كان من الضروري أن نحجم تمامًا عن الانسياق وراء تلك المعادلة السطحية المتمثلة في أن التخلف التنموي يساوي النزاع، فكيف لنا أن ننكر تلك الصلة التي تربط بين الفقر وتقلص هوامش التسوية وانكماشها، بين الصراع على الموارد الشحيحة وبين النزوع إلى الأخذ بمبدأ تموت أنت، وأحيا أنا؟ فالواقع أن الفقر المفرط هو التحدي الرئيسي الذي تواجهه البشرية اليوم في صراعها من أجل الحفاظ على بقائها.

لم يعد العدو هو ذلك الهمجي الغريب الهيأة واللغة، بل صار الجار القريب

 موقف الصليب الأحمر

بالعودة إلى مقال افتتاحي نشره الكتاب السنوي لمجلة “إيكونوميست” حول آفاق واحتمالات عام 1998، تطالعنا رؤية غاية في الغرابة: “سوف يعم السلام في كل مكان… وسيسجل التاريخ الحديث عددًا قليلًا على نحو غير مسبوق من الأشخاص الذين يلقون مصرعهم في النزاعات المسلحة…” واليوم، ونحن على مشارف نهاية عام 1998، أجدني على رأس منظمة لا تزال ميزانيتها، التي يقدر حجمها للسنة المالية الجارية بنصف بليون دولار، تخصص لتوفير الحماية وتقديم المساعدة لمئات الآلاف من ضحايا النزاعات.

فالواقع أن عالمنا تكتنفه- كما سبق وأوضحت- نزاعات تُستخدم فيها على نحو متزايد طرق وأساليب تتصف بعدم التمييز والفوضى والوحشية. وهذا هو المناخ العام الذي يحيط اليوم بمندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر وهم يضطلعون بالمهمة الإنسانية الموكلة إلى مؤسستنا. وبعد مرور 50 عامًا على ذلك الهتاف العام المعلن جهارًا والذي واكب نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو الهتاف الذي أكد فيه الجميع أن “ما حدث لا يمكن أن يتكرر”، شهدنا قرابة 120 نزاعًا نُكب بأضرارها نحو 22 مليون فرد.

 تحول السلطة- تحول المسؤولية

والواقع أن مرحلة الحرب الباردة كانت تنطوي على مفارقة- أو مغالطة- تاريخية، فكانت أشبه بجملة اعتراضية فريدة من نوعها مكتوبة بين قوسين في تاريخ العالم. وشهد ذلك التاريخ ثلاث فئات: المحاربون ورجال الفكر الملهمون والتجار، عملت كل فئة منها في مجال اختصاصها؛ فأعطى المحاربون شكلًا معينًا لخريطة العالم أعاد صياغتها؛ ونشر الملهمون الأفكار (الدينية، والسياسية، والإنسانية)، ونزع التجار إلى إيثار العلاقات بين مناطق مختلفة، فجعلوا بذلك من التجار ناقلة للفكر (الفنيقيون، اليونانيون، البندقية، اتحاد التجار الذي نشأ في ألمانيا ثم تطور ليصبح اتحادًا للمدن الأوروبية، وأخيرًا، التطورات التي أعقبت الاكتشافات الكبرى في عصر النهضة، وكلها أمثلة تاريخية تبين بوضوح ذلك الدور البالغ الأهمية الذي نهض به التجار في تاريخ أوروبا). واليوم، وبعد عشرة سنوات من سقوط الشيوعية، نجد مرة أخرى نفس الفئات الثلاث وكلٌ منها يضطلع بدوره. إلا أن السمة المميزة لعصرنا والغالبة عليه هي أن دور التجار لا يفتأ يتزايد حجمًا وأهمية.

ومن الطبيعي أن يحدث ذلك مع عولمة اقتصاد السوق والاتصالات وفي ظل الواقع المتمثل في تقلص سلطة الحكومات وانكماشها في الوقت الراهن. وهكذا، يمتد التغيير إلى البنى الهيكلية والعادات التي تأسست على امتداد خمسين عامًا استغرقتها الحرب الباردة، حيث كانت الدولة- حتى في المجتمعات الديمقراطية، وهو ما يرجع بدرجة كبيرة إلى الدواعي الأمنية- حاضرة وموجودة في كل مجال. ولا يقتصر التغيير على البنى الهيكلية بل يشمل أيضًا دوائر السلطة والنفوذ وأنماط السلوك. وهكذا، أصبح لدوائر المال والأعمال كلمتها المسموعة بدرجة أكبر، سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر في تسيير كل أعمال وشؤون المجتمعات في العالم.

ومعنى ذلك أن دوائر المال والأعمال تتحمل أيضًا مسؤولية. فلا شك أنها تتحمل مسؤولية مصالحها الشخصية الخاصة في المجال الاجتماعي، ولكنها تتولى في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة في بناء المجتمعات القائمة على قيم أخلاقية شائعة بوجه عام مثل كرامة الإنسان، والتضامن والإنسانية. فلا يمكن للاستقرار الطويل المدى أن ينشأ إلا استنادًا إلى احترام حياة الإنسان وكرامة الجميع. والاقتصاد المطلوب لتحقيق هذا الاستقرار هو الاقتصاد الذي يخدم احتياجات البشر. وينبغي أن تندرج القيم الإنسانية كجزء لا يتجزأ من التعليم والتدريب على مستوى الأسرة والمدرسة- بما في ذلك المدارس التجارية- بل ومن الأعمال التجارية أيضًا. فالسلطة والمسؤولية لا ينفصلان عن بعضهما البعض. وهكذا، لا بد أن يتمتع الأشخاص الذين يتولون مسؤولية اجتماعية معينة بقدر من السلطة يكفيهم لوضع مفهومهم الاجتماعي موضع التنفيذ. إن المسؤولية بدون سلطة تؤدي حتمًا إلى الإذعان والخضوع وتخلق عقلية إدارية تعوق صياغة الآفاق والاستراتيجيات طويلة الأجل. أما السلطة بدون مسؤولية فهي تقود المجتمع إلى الانهيار. وأخيرًا فإن السلطة غير الموجهة نحو القيم لا تُفرز في النهاية إلا نماذج ميكانيكية وتكنوقراطية تمعن في إهمال كرامة الإنسان.

والواقع أننا حين نكون بصدد الحديث عن العولمة، لا بد وأن نسأل أنفسنا عما إذا كانت العولمة مفيدة حقًا للجميع: فمزيد من الوفرة واليسر لا يعني بالضرورة شعبًا أكثر ثراءً! ويبدو لي أن ثمة “أرض حرام” تفصل بين السياسات الهيكلية والاقتصاد الكلي وبين المشاكل المرتبطة بالاقتصاد الجزئي، أي بتعبير بسيط، “الحياة اليومية”.

وتتبدى التحديات الرئيسية الراهنة في الاستقرار الاقتصادي في مختلف أرجاء العالم. فمن المناسب تمامًا أن نسأل أنفسنا أيهما يمارس قدرًا أكبر من التأثير: السوق المالية في نيويورك (وول ستريت) أم مجلس الأمن؟ وتكفينا الأزمة الآسيوية الراهنة والاضطرابات الشديدة للاقتصاد الروسي كي نتذكر ما قد تسفر عنه تلك الأحداث من أخطار تهدد بزعزعة الاستقرار في العالم كله. فالتغيرات الاقتصادية لا ترحم أحدًا، حتى البلدان المزدهرة. ولن أسهب في هذا المقام في تناول عوامل لزعزعة الاستقرار مثل سلطة المافيا أو الإتجار في المخدرات.

ويدرك المدافعون عن التحرر الاقتصادي ضرورة إقرار قواعد معينة. فلا بد من العمل على ألا تتحول المنافسة الحرة إلى قانون الأقوى، أو قانون الغاب. وفضلًا عن ذلك، يختلط الآن المحاربون برجال المافيا، وتظل احتمالات وآفاق التنمية محدودة حيثما تستمر النزاعات. والحقيقة هي أنه لا سبيل لإقامة الديمقراطية في أي بلد ما لم تتحقق فيه الرفاهة. وهنا، يتحمل رجال الأعمال مسؤولية ثقيلة. فالاقتصاد المزعزع الاستقرار يشكل خطرًا على الدولة. والسياسية بدون اقتصاد عادل تسفر عن نزاعات لا نهاية لها.

فكيف يمكن لرجال الأعمال أن يسهموا إسهامًا فعليًا في مواجهة التحديات الإنسانية في العالم؟ تحديات النزاع المسلح، والعنف، والجريمة، والإتجار في المخدرات والسلاح، والألغام الأرضية. كيف يمكن لهم أن يساعدوننا على العمل بحيث نستبدل بحكم العنف حكم القانون؟

إننا بحاجة إلى عولمة المسؤولية إذا كنا نريد تفادي عولمة الإرهاب والانتشار الجامح لكافة أنواع الأوبئة. فكلنا بحاجة إلى نزع فتيل تلك القنبلة الزمنية المتربصة بالقرن القادم، وأعني بها الفقر المفرط. وإذا كنا نريد أن نحول الفوضى والعنف السائدين في عالم اليوم إلى توافق وتناغم، فلا بد لنا من إعادة التأكيد على قيم أخلاقية سوف تكفل للجميع الشرعية والسلام المستمر. وتتوافر لدى كلٍ منا- منظمات إنسانية، ودبلوماسيين ورجال أعمال- إمكانية أن يسهم، من خلال العمل الإنساني، إسهامًا صغيرًا أو أكبر حجمًا لصالح بني البشر، حتى يصبح العالم آمنًا وأكثر إنسانية.

إن ما تمس حاجتنا له اليوم هو تحالف جديد بين المحاربين وأصحاب الفكر الملهمين والتجار. أو، حسبما قلت في محفل للصليب الأحمر، عقد جديد للإنسانية. فالعقد يمكن إبرامه بما يحقق المصالح المتبادلة لكافة أطرافه؛ وتترتب عليه مسؤوليات ينبغي أن يتحملها كل طرف من الأطراف.

وتقدم المبادئ الأساسية للصليب الأحمر والقانون الدولي الإنساني بعض الإيضاحات حول القيم التي يقتضيها هذا العقد:

– الاتحاد، الذي يتطلب مشاركة العدد الأكبر من الأشخاص وتمكنهم من تأدية الخدمات والوفاء بالمسؤوليات؛

– الكلية، التي تقتضي التضامن (فالكلمة اللاتينية Solidus تعني بالتحديد هاتين الكلمتين معًا: مفتوح ومباح للجميع ودائم دوامًا راسخًا)؛

– قيمة الحياة وحمايتها؛

– التناسب بين التدابير السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ومعًا، يمكننا جميعًا أن نحقق عالمًا جديدًا متكافلًا قادر على أن يحول اليأس إلى أمل، والمواجهة إلى تعاون، والنزاع إلى تضامن.