بمناسبة إعادة افتتاح المتحف العراقي، هنا مقال نشرناه في العام 2010 عن التراث الثقافي العراقي

من أعلى المئذنة الملوية في مدينة سامراء شمال بغداد، تبدو الأراضي متعرجة، والسبب في ذلك هو أن مدينة كاملة، كانت قبل حوالي 1300 عامًا مقرًا للخلافة العباسية، موجودة تحت الأرض. لكن ومع الأسف الشديد، يروي أهل المدينة قصصًا كثيرة، كيف أن هذه المناطق التي ينبغي أن يتم التعامل معها بمنتهى الحذر، ومساحتها تقدر بالكيلومترات، كانت ممرًا في كثير من الأحيان للآليات العسكرية، ما أسهم في تردي أوضاع المدينة الأثرية التي تعتبر من بين ثلاثة مواقع عراقية تحميها منظمة اليونسكو.

من أعلى قمة المئذنة الملوية، الفريدة في الشكل المعماري والتصميم الهندسي، كنت أشاهد الدمار الذي لحق بها. فأعلى المئذنة والذي يسمى بـ”الجاون” تم تدميره بتفجير عبوة ناسفة. وبغض النظر عن الفاعل، الذي تختلف الروايات حوله، لكن المحصلة، هي أن العراق فقد الجزء العلوي من المعلم الأثري الأهم من الحقبة العباسية كما يقول المؤرخون.

وبعد ذلك التفجير، حُرم أهل مدينة سامراء من الصعود إلى قمة تلك المنارة، وهم الذين كانوا يصعدون إليها منذ أكثر من ألف عام، والأمر يتقاسمه المواطن والصحفي على حد سواء، فكل شيء بيد قوات الأمن، التي تمنع أو تسمح بالصعود إليها.

ومن الحديث عن تلك المنطقة التي زرتها، يقودني الحديث عن الآثار العراقية بشكل عام. فقبل محاولتي كصحفي عراقي التوجه لزيارة المنطقة الأثرية في سامراء، كان لزامًا على أن أحصل على موافقات معقدة، من قوات الأمن، وبالفعل كنت محظوظًا، وسمحت هذه القوات بذلك. وعلمت لاحقًا عندما شرعت بالتصوير، أنني الصحفي الوحيد منذ ثلاث سنوات، الذي تمكن من الصعود إلى المنارة العتيقة، وتوثيق حالتها بهذه الطريقة. وهو عمل يوثق لحال المواقع الأثرية العراقية ومدى تأثير المعارك عليها.

تحديات كثيرة واجهتني أيضًا عندما قررت الذهاب إلى المتحف العراقي في قلب بغداد. فقبل أن أصل إلى منطقة المتحف قرب محطة “مرآب العلاوي” في كرخ عاصمة الرشيد، كان لا بد لي من أن أمر بعشرات نقاط التفتيش، ومنعنا من التصوير على البوابات الخارجية كما لم يسمح لنا بإدخال الهاتف لأي سبب. وهكذا لا يتمكن العراقي من أن يلتقط الصور للذكرى كما هو الحال في كل متاحف الدنيا، فالكاميرا ممنوعة لأسباب أمنية، أما الصحفيون، فلا بد من حصولهم على موافقات مسبقة تستوجب جلب كتب رسمية من جهات العمل فقط لتصوير أي جزء من المتحف.

في حقيقة الأمر وعندما كنت في المتحف العراقي أنا وزميلي، كنا وحيدين في قاعات المتحف كلها، ولم يكن يوجد أي زائر عراقي غيرنا، وهو بالتأكيد نتاج طبيعي لضغط الحياة على أبناء الشعب العراقي، فالعراقيون يهتمون اليوم بالدرجة الأولى بوضعهم الأمني، ومن ثم المعيشي، ومن بعدها السياسي، لكن الاهتمام بالمتحف والآثار، فإنه مع الأسف الشديد، لا ينسجم والهواجس والمخاطر التي تحيق بهم.

الغريب في ما رأينا أن أركان المتحف العراقي لم تكن مقسمة بالطريقة التي كانت عليها في السابق قبل العام 2003، كما أن القطع التي استعيدت بعد سرقتها، كانت منظمة بحسب تسلسل الدول التي جلبتها، فتوضع عبارة “من الأردن” مثلًا، على الآثار العائدة من هناك، ومن أمريكا وبريطانيا وهكذا… وهي في طبيعتها مكتشفات أثرية مختلفة التصنيف وتعود لأزمنة مختلفة، لكنها وضعت معًا بهذا الشكل لإيصال رسالة أنها كانت مسروقة ثم عادت.

وعندما أبديت ملاحظاتي للموظفين عن أن القطع في المتاحف توضع بطريقة أقدميتها أو أهميتها، أو مع مثيلاتها (الخزف مع الخزف أو المعادن مع المعادن..) كان الجواب من قبل بعض الموظفين هو أن التسمية الحقيقة للمتحف العراقي، هي “معرض الآثار العراقية”، وليس المتحف، لأنه لا يمتلك إلى الآن، الشروط أو الإمكانيات التي تؤهله ليكون متحفًا حقيقيًا.

في العراق عدد كبير من المناطق الأثرية، كما أنه كنز من كنوز المكتشفات الأثرية التي تشرح للإنسانية حياة الشعوب الأولى، وبداية صنعة العلم، لا سيما في الكتابة واختراع العجلة وانطلاق الزراعة ومشاريع الري البدائية.

ويستغرب معظم الصحفيين العراقيين من الطريقة التي أهدرت بها الثروة العراقية بعد مارس/ آذار 2003، يوم أن ترك المتحف وتم نهبه. كما يبدو الاستغراب جليًا، من اتخاذ العديد من المواقع الأثرية، لا سيما في بابل وسامراء، مقرات عسكرية، الأمر الذي يصعّب بشكل كبير، إن لم نقل يجعل من المستحيل، الوصول إلى توثيق الأضرار التي لحقت بتلك الآثار، ولا سيما أن المناطق تلك، تمثل مكانًا لوجود آثار محتملة وشواخص عمرانية في طور الاكتشاف، وهي شديدة الحساسية وقد تتأثر بأقل نشاط في محيطها فينبغي لفت الانتباه إليها باستمرار.

لقد حرصت منظمة اليونسكو على إصدار العديد من التقارير والنصائح، التي ترصد الأخطار المقبلة على المنظومة الأثرية في العراق، سواء بالتصريح، أو من خلال التدخل المباشر، كما حصل في مراحل بناء قبة “مرقد الإمام علي الهادي” (دمرت في أحد الانفجاريات في العام 2006)، والتي أريد لها أن تبنى بطريقة تختلف هندسيًا ومعماريًا، عن شكلها الأول، هذا بالإضافة إلى جعل سامراء ضمن دائرة التراث العالمي، وتشكيل لجان خاصة لمتابعة التداعيات التي تحيق بالآثار العراقية.

وترسم الحالة الأمنية في العراق ملامحها على كل مجريات الأحداث، كما أن البعد الجغرافي للمواقع الأثرية، وغياب الحماية الكافية عنها، وعدم قدرتنا نحن كصحفيين من الوصول إلى معظم تلك المواقع لأسباب أمنية، يجعل من الغوص عميقًا في ما حصل أمرًا بعيد المنال.

وفيما يحاول العراق استرداد بعض القطع التي سرقت من هنا وهناك، فإن التجاوزات من قبل المواطنين على الآثار لم تزل مستمرة، بل وحتى عمليات النبش والتهريب كما تقول قوات الأمن العراقية. وكثيرًا ما تم الإمساك بمهربين للآثار وعرضهم على شاشات التلفزة، وهو دليل آخر على خطورة التعامل مع هذا الملف لوجود عصابات متخصصة، كما أنه مؤشر على أن الاستنزاف ما زال مستمرًا، ولا يبدو، في ظل تحديات الملف الأمني في العراق، أن ملف الآثار العراقية سيحظى بالاهتمام المطلوب.

نُشر هذا الموضوع في العدد 47 من مجلة الإنساني، ومحوره «حماية التراث الثقافي للشعوب». انقر هنا للاطلاع على محتويات هذه العدد.

اقرأ أيضا:

•حسن جوني، تدمير الأعيان الثقافية أو احتلال التاريخ

•محمد سامح عمرو، “الحماية المعززة” للممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح

•عبد العزيز عوضه، التراث المعماري اليمني سفر إلى عمق التاريخ