أسفرت جهود المجتمع الدولي تحت مظلة منظمة اليونسكو عن وضع نظام دولي جديد لتحقيق الحماية للممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح من خلال تبني البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي في العام 1999 والذي عرف باسم نظام “الحماية المعززة”.

كان لعدم نجاح نظامي الحماية العامة والحماية الخاصة الذين أوردتهما اتفاقية لاهاي (1954) في تحقيق الحماية المنشودة للممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح، سواءً الدولي أو غير الدولي في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، أبلغ الأثر في توجه المجتمع الدولي تحت مظلة منظمة اليونسكو للعمل على إيجاد نظام دولي جديد يسعى إلى تحقيق الحماية المنشودة للممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح. وقد نجحت جهود المجتمع الدولي في تبني البروتوكول الثاني في الجلسة الختامية لأعمال المؤتمر الدبلوماسي المنعقد في مدينة لاهاي في 26 مارس/ آذار 1999، متضمنًا أحكامًا وقواعد جديدة للحماية عرف باسم نظام “الحماية المعززة”، بغية توفير الحماية الدولية المنشودة للممتلكات الثقافية، التي هي على جانب كبير من الأهمية بالنسبة للبشرية. وتتناول هذه الدراسة الموجزة أهم الأحكام الخاصة بنظام الحماية المعززة التي جاء بها البروتوكول الثاني.

ويشترط البروتوكول الثاني توافر عدد من الشروط من أجل وضع أي ممتلك ثقافي تحت نظام الحماية المعززة، كأن تكون هذه الممتلكات تراثًا ثقافيًا على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة للبشرية؛ وأن تكون محمية بتدابير قانونية وإدارية مناسبة على الصعيد الوطني على نحو يعترف لها بقيمتها الثقافية والتاريخية الاستثنائية ويكفل لها أعلى مستوى من الحماية: وألا تستخدم لأغراض عسكرية أو كدرع لوقاية مواقع عسكرية، مع إصدار الطرف الذي يتولى أمر مراقبتها إعلانًا يؤكد على ذلك. مع العلم أنه يجوز إدراج الممتلكات الثقافية، بشكل استثنائي، على قائمة الحماية المعززة إذا ما تبين للجنة حماية الممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح بأن الطرف الطالب إدراجها على القائمة لا يستطيع الوفاء بالشروط القانونية والإدارية المناسبة على الصعيد الوطني المنصوص عليها في الاتفاقية.

وإذا كانت هذه الشروط غير لازمة لطلب القيد إلا أنها ضرورية لبقاء الممتلكات الثقافية ذات الأهمية الكبرى للبشرية على القائمة. لأن عدم وفاء الدولة بالتزاماتها في مرحلة ما بعد قيد الممتلك قد يؤدي إلى شطبه من القائمة. وفي حالة نشوب نزاع مسلح، استنادًا إلى حالة الطوارئ، يمكن للدول الأطراف أن تطلب إدراج الممتلكات الثقافية التي تخضع لولايتها أو مراقبتها على القائمة الحماية المعززة على الرغم من عدم تحقيق جميع الشروط.

أحكام الحماية والمسؤولية الدولية في حالة انتهاكها

تتمتع الممتلكات الثقافية بالحماية المعززة فور صدور قرار بإدراجها على القائمة بواسطة لجنة حماية الممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح، وعليه تلتزم الدول الأطراف حال دخولها في نزاع مسلح ما بالامتناع عن استهداف الممتلكات الثقافية المشمولة بحماية معززة سواء بالهجوم عليها أو استخدامها أو الاستعانة بمناطق مجاورة لها مباشرةً في دعم العمل العسكري. وتغلب أحكام الحماية المعززة على أحكام الحماية الخاصة في حالة تمتع ممتلك ثقافي معين بحماية خاصة طبقًا لأحكام اتفاقية لاهاي (1954). ولا شك أن تطبيق هذا الحكم سوف يؤدي إلى اندثار نظام الحماية الخاصة للممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح.

وقد جاء البروتوكول الثاني مقررًا لأول مرة أحكام المسؤولية الجنائية الفردية الأمر الذي اعتبره البعض تطورًا كبيرًا لقواعد المسؤولية عن انتهاكات أحكام الحماية المقررة للممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح، وواحدًا من الإنجازات التي حققها هذا البروتوكول في مجال القانون الدولي الإنساني.

فقد حدد الأعمال التي تعد انتهاكًا خطيرًا لاتفاقية لاهاي (1954) وبروتوكولها الثاني، حيث اعتبر أن ارتكاب شخص ما، عن عمد، لأي فعل من الأفعال الواردة في البروتوكول يشكل جريمة. وتتمثل هذه الأفعال في استهداف ممتلكات ثقافية مشمولة بحماية معززة، بالهجوم؛ أو استخدامها، أو جوارها المباشر، في دعم العمل العسكري؛ أو إلحاق دمار واسع النطاق بها أو الاستيلاء عليها؛ أو ارتكاب سرقة أو نهب أو اختلاس أو تخريب لها.

وانطلاقًا مما سبق يمكن ملاحظة أنها المرة الأولى التي يتم فيها تعداد للانتهاكات التي يمكن أن توجه للممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح وأن الانتهاكات الثلاثة الأولى ليست إلا تكرارًا للانتهاكات الجسيمة المشار إليها باتفاقيات جنيف الأربع (1949) وبروتوكولها الأول (1977).

كذلك فإن الانتهاكين الأول والثاني منحصران في حالة الممتلكات الثقافية المشمولة بالحماية المعززة، ويعالجان حالتي هجوم واستخدام تلك الممتلكات، مع اعتبار أن ذلك يشكل انتهاكًا خطيرًا أيًا كان حجم الدمار الناتج عنه، في حين أن البروتوكول الأول كان يعتبر الهجوم فقط على الممتلكات الثقافية- وليس الاستخدام- انتهاكًا جسيمًا بشرط أن يسفر عنه تدمير بالغ لهذه الممتلكات.

اعترافًا من واضعي البروتوكول الثاني أن تعداد الانتهاكات لا يضمن في حد ذاته معاقبة أي شخص يقترف أية جريمة من الجرائم المشار إليها، نص البروتوكول على ضرورة أن تتبنى كل دولة طرف فيه التدابير اللازمة لاعتبار الجرائم المشار إليها سلفًا جرائم بموجب أحكام القوانين الداخلية، وفرض عقوبات مناسبة على مرتكبيها. وتلتزم الدول الأطراف، وهي بصدد ذلك، بمبادئ القانون العامة ومبادئ القانون الدولي، بما في ذلك القواعد القاضية بمد نطاق المسؤولية الجنائية الفردية إلى أشخاص غير أولئك الذين ارتكبوا الفعل الجنائي بشكل مباشر.

بالإضافة إلى ما تقدم فقد سمح البروتوكول الثاني بتبني التدابير التشريعية أو الإدارية أو التأديبية لقمع الأفعال التي ترتكب عمدًا لاستخدام الممتلكات الثقافية على نحو ينطوي على انتهاك لاتفاقية لاهاي (1954) أو بروتوكولها الثاني، كذلك حالة تصدير أو النقل المادي غير المشروع أو نقل الملكية غير المشروع للممتلكات الثقافية الواقعة على الأراضي المحتلة انتهاكًا لاتفاقية لاهاي (1954) وبروتوكولها الثاني. وأكد على عدم استبعاد أحكام المسؤولية الجنائية الفردية الواردة بهذا البروتوكول لقواعد المسؤولية الجنائية الفردية المقررة بموجب أحكام القوانين الوطنية أو أحكام القانون الدولي القابلة للتطبيق. كما تضمن ما يفيد عدم تأثير أي حكم يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية على النحو الوارد فيه على القواعد الخاصة بمسؤولية الدول طبقًا لأحكام القانون الدولي، بما في ذلك واجب تقديم التعويضات.

فقدان الحماية المعززة

حدد البروتوكول الثاني أسباب فقدان الممتلكات الثقافية للحماية المعززة. وتفقد الممتلكات الثقافية الحماية المعززة إذا ما كانت، بحكم استخدامها، هدفًا عسكريًا. وإن كان حدد الشروط اللازم توافرها لتوجيه الأعمال العدائية ضد هذه الممتلكات. وعليه لا يجوز أن تكون هذه الممتلكات هدفًا لهجوم عسكري إلا إذا كان الهجوم هو الوسيلة الوحيدة الممكنة لإنهاء استخدام الممتلكات كهدف عسكري. كما يجب في هذه الحالة اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة في اختيار وسائل الهجوم وأساليبه بهدف إنهاء ذلك الاستخدام وتجنب الأضرار بالممتلكات الثقافية أو حصره في أضيق نطاق ممكن. كما أن أي أمر بالهجوم عليها ينبغي أن يصدر على أعلى المستويات التنفيذية للقيادة، ويصدر إنذار مسبق فعلي إلى قوات المجابهة يتضمن طلب إنهاء استخدام الممتلك الثقافي كهدف عسكري، وأخيرًا يجب أن تتاح لقوات المجابهة فترة معقولة من الوقت تمكنها من تصحيح الأوضاع.

ويتضح مما تقدم أن فقدان الحماية المعززة يرتبط باستخدام الممتلك الثقافي كهدف عسكري، وليس إذا ما حول الممتلك بحكم وظيفته إلى هدف عسكري، كما هو الحال بالنسبة لفقدان الحماية العامة. ويعكس السبب المتقدم لفقدان الحماية المعززة الشروط اللازم توافرها لقيد ممتلك ثقافي ما على القائمة، حيث يتطلب أحد هذه الشروط عدم استخدام الممتلك الثقافي لأغراض عسكرية، أو كدرع لوقاية مواقع عسكرية، وأن يصدر الطرف الذي يتولى أمر مراقبتها إعلانًا يؤكد على أنها لن تستخدم على هذا النحو.

وعلى الرغم من تشابه الالتزامات الملقاة على عاتق القوات الهجومية لتوجيه الأعمال العدائية ضد الممتلكات الثقافية في حالة فقدانها الحماية العامة أو الحماية المعززة، إلا أن الوضع يختلف بالنسبة للقوات الي تقع الممتلكات الثقافية تحت مراقبتها أو اختصاصها. ففي حالة شمول الممتلك الثقافي بالحماية العامة، يجوز لهذه القوات- إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك- تحويل الممتلك الثقافي إلى هدف عسكري إذا ما استخدمت لأغراض عسكرية، بينما لا يجوز لها ذلك إذا ما كان الممتلك مشمولًا بالحماية المعززة. فلا يحق للقوات التي يخضع الممتلك الثقافي المشمول بالحماية المعززة لمراقبتها أو تحت اختصاصها- بأي حال من الأحوال- تحويل الممتلك الثقافي إلى هدف عسكري من خلال استخدامه لأغراض عسكرية. فتسجيل ممتلك ثقافي ما على القائمة يتطلب من الدولة التي تتقدم بطلب التسجيل أن تدرس مقدمًا ما إذا كانت سوف تحتاج في المستقبل لاستخدام هذا الممتلك لأغراض عسكرية تحت أي ظرف من الظروف أم لا. فإذا انتهت الدولة إلى أن هناك إمكانية مستقبلية لاستخدام الممتلك الثقافي في المستقبل كهدف عسكري، هنا يجب عليها عدم التقدم بطلب تسجيله على القائمة. فاستخدام الممتلكات الثقافية المشمولة بالحماية المعززة كأهداف عسكرية يعد انتهاكًا جسيمًا لأحكام البروتوكول الثاني ويعد جريمة حرب ويرتب المسؤولية الجنائية الفردية. 

نُشر هذا الموضوع في العدد 47 من مجلة الإنساني (الصادر في شتاء 2009/ 2010)، ومحوره «حماية التراث الثقافي للشعوب». انقر هنا للاطلاع على محتويات هذه العدد. وهنا لتحميل العدد كاملًا..

أقرأ أيضا: 

حسن جوني، تدمير الأعيان الثقافية أو احتلال التاريخ