بينما يُعد التصديق على اتفاقيات جنيف عالميًّا ظاهرة حديثة نسبيًّا، إلا أن الحرب كانت تخضع دوما لمبادئ وأعراف محددة. وبالنظر إلى أن ثلثي النزاعات المسلحة الدائرة في العالم في الوقت الراهن تقع في سياقات تتضمن أطرافًا من المسلمين، وإذ يستشهد بعض حاملي السلاح بأحكام الشريعة الإسلاميَّة كمرجع لتسويغ سلوكهم، يستكشف «أحمد الداودي»، المستشار القانوني لشؤون الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي باللجنة الدولية في هذا المنشور – وهو جزء من ندوة مشتركة مع مدونة Opinio Juris تستكشف تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر على اتفاقية جنيف الثالثة (التعليق على اتفاقية جنيف الثالثة) – النصوص الدينية لإيجاد رؤية متعمقة بشأن معاملة أسرى الحرب.

هناك قاعدة فقهية أصولية يسميها الفقهاء المسلمون «الحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِه». وبعبارة أخرى، يمثل القانون صكًّا حيًّا يجب أن يتطور استجابة للتغيرات التي تطرأ على تطبيقه أو تفسيراته، التي قد تحول دون تحقيق غاياته.

تبادر هذا المبدأ إلى ذهني عندما استعرضت تعليق اللجنة الدولية المُحدَّث على اتفاقية جنيف الثالثة، وهو جزء من مشروع يهدف إلى الحفاظ على الحماية التي توفرها اتفاقية جنيف الثالثة لأسرى الحرب في النزاعات المسلحة الدولية في ضوء الأوضاع الراهنة الناشئة عن والمتعلقة بالنزاع المسلح والاحتجاز. وعند المقارنة بين هذين النظامين من نظم القانون ودراستهما: الشريعة الإسلامية، والقانون الدولي الإنساني، برزت قضيتان رئيسيتان تتصلان بحماية أسرى الحرب وهما: المعاملة الإنسانية، التي يتقارب بشأنها كلا النظامان إلى حد التوافق، وقضية قتل أسرى الحرب، التي تؤول بعض التفسيرات فيها إلى افتراقهما.

المعاملة الإنسانية

المبدأ الأساسي الذي ترتكز عليه اتفاقية جنيف الثالثة هو وجوب معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية في جميع الأوقات، كما هو مبين في المادة 13 والعديد من مواد الاتفاقية الأخرى. وبخلاف الأمثلة المنصوص عليها والواردة في المادة 13 – مثل التسبب في الوفاة، وتعريض الصحة للخطر، والترهيب، والإهانة – فإن أي شكل آخر من أشكال المعاملة اللاإنسانية أو المهينة يُعد انتهاكًا لهذا المبدأ الأساسي.

وتستند معظم قواعد الشريعة الإسلامية ذات الصلة بمعاملة أسرى الحرب إلى السوابق الأولى، والتي تعود إلى آذار/ مارس من العام 624 الميلادي، عندما أسر المسلمون سبعين رجلًا من مقاتلي الأعداء في معركة بدر. وفي ظل عدم وجود تشريع خاص بشأن الوضع القانوني لأسرى الحرب أو وجود أماكن احتجاز معدَّة لهم، شكل إيواء هذا العدد الكبير نسبيًّا من أسرى الحرب تحديًا كبيرًا. ولكن بدلًا من اللجوء إلى الخيار الأسهل والذي يحتمل أن يكون أقل إنسانية؛ مثل تركهم مقيدين في العراء، احتُجزت مجموعة من السبعين أسيرًا في المسجد ووُزِّع الباقي على صحابة النبي محمد ليقيموا معهم في بيوتهم. وقد أمرهم الرسول بحسن معاملة الأسرى في قوله: «استوصوا بالأسارى خيرًا».

وقد وثَّق القرآن وكتب السيرة العديد من الأمثلة على المعاملة الإنسانية التي لقيها أسرى الحرب على يد صحابة النبي محمد امتثالًا لهذا التوجيه. على سبيل المثال، فيما يتعلق بالطعام، روى بعض الأسرى كيف كان المسلمون يقدمون أفضل الطعام المتاح آنذاك لهم بل ويفضلونهم على أنفسهم إعمالًا لتعليمات الرسول. وقد وصف القرآن هذا الإيثار في التعامل على النحو التالي: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا» (سورة الإنسان، الآية 8). وبعد مرور قرون من الزمان، عندما عجز صلاح الدين الأيوبي (المتوفى عام 1193 م) عن إطعام العدد الكبير الذي وقع في يديه من الأسرى عند استرداده بيت المقدس، أحس أن لا خيار أمامه سوى إطلاق سراحهم.[1]

قتل أسرى الحرب

على الرغم من الأهمية الواضحة التي توليها الشريعة الإسلامية للمعاملة الإنسانية، انقسمت الآراء بشأن ما إذا كان من الجائز قتل أسرى الحرب. إذ استند الفقهاء المسلمون القدامى إلى واحدة من آيتين قرآنيتين (سورة محمد، الآية 4) أو (سورة التوبة، الآية 5)، وكذلك إلى السنة النبوية (الحديث).

واستندت جماعة الفقهاء المسلمين الأوائل، من بينهم ابن عباس (المتوفى عام 668 م)، وعبد الله بن عمر (المتوفى عام 693 م)، والحسن البصري (المتوفى عام 728 م)، وسعيد بن جبير (المتوفى عام 714 م) في رأيهم إلى آية سورة محمد، ورأوا أن حكم الأسرى في الإسلام هو المنُّ (إطلاق سراح أسرى الحرب من غير مقابل) أو فداؤهم مقابل أسرى المسلمين، وهو الرأي الذي لا يتعارض مع اتفاقية جنيف الثالثة.

ومع ذلك، ذهب جمهور الفقهاء القدامى، بمن في ذلك الشافعية والمالكية والحنابلة وكذلك الأوزاعي (المتوفى عام 774 م) وسفيان الثوري (المتوفى عام 778 م)، إلى أن للحاكم أن يختار – حسبما تقتضي المصلحة – إما أن يقتل بعض الأسرى أو كلهم، أو أن يسترقَّهم، أو أن يطلق سراحهم، أو أن يفتديهم بأسرى مسلمين.

وبخلاف إطلاق سراح أسرى الحرب، فإن الخيارات الأخرى – والتي تعكس أعراف القرنين السابع والثامن – تنتهك بوضوح المعايير المعاصرة للقانون الدولي الإنساني المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الثالثة. ومع ذلك، فقد استشهد بعض حاملي السلاح، على سبيل المثال، مؤخرًا بهذه الآراء لتبرير قتل الأسرى الخاضعين لسيطرتهم.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن إباحة قتل الأسرى في الشريعة الإسلامية، عند من قال بهذا الرأي من الفقهاء، قد بُني على ما ورد عن قتل ثلاثة فقط من أسرى مقاتلي الأعداء في حياة النبي: النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط في معركة بدر في آذار/ مارس في عام 624 م؛ وأبو عزة الجمحي في معركة أحد في آذار/ مارس عام 625 م.

وبتجاوز الخلاف عن صحة هذه الروايات، وسواء قُتل هؤلاء الأسرى أثناء القتال في ميدان المعركة أم بعد أسرهم، فمن الواضح أن اختيار هؤلاء الأفراد الثلاثة دون غيرهم من الأسرى كان بسبب ما ارتكبوه من جرائم ضد المسلمين في مكة قبل الهجرة إلى المدينة، وليس لمجرد كونهم أسرى حرب. لذلك، يمكننا أن نخلص في كلامنا عن هذه المسألة أن القراءة الأمثل للشريعة الإسلامية فيما يتعلق بإباحة أو تحريم قتل أسرى الحرب – من حيث كونهم أسرى حرب – أنها تحظره، وهي القراءة التي تضمن نفاذ الواجب الأعم بالمعاملة الإنسانية والمنصوص عليها بوضوح في الشريعة الإسلامية.

***

تمثل اتفاقية جنيف الثالثة الإطار القانوني الأكثر شمولًا لنظامنا القانوني الدولي الحديث عندما يتعلق الأمر بحماية أسرى الحرب، ولكن دراسة هذا الاتفاقية وحدها قد لا تقدم إجابات لجميع التحديات المعاصرة التي نواجهها في مسألة الاحتجاز اليوم. ويجب عدم غض الطرف عن القواسم المشتركة والتعارض بين أحكام اتفاقية جنيف الثالثة وغيرها من الأطر القانونية والتقاليد التي تؤثر على سلوك حاملي السلاح.

وتشكل اتفاقية جنيف الثالثة، شأنها شأن أي معاهدة ينضم إليها المسلمون بشكل قانوني، إطارًا قانونيًّا ملزمًا ليس فقط من منظور القانون الدولي، ولكن أيضًا من منظور الشريعة الإسلامية. إذ إن الوفاء بالعهود التزامٌ واجبٌ على المسلمين كافة، كما يمليه القرآن الكريم في (سورة البقرة، الآية 40 والآية 177؛ وسورة آل عمران، الآية 76؛ وسورة المائدة، الآية 1؛ وسورة النحل، الآيات 91-94؛ وسورة الإسراء، الآية 34)، وكما بينت السنة النبوية.

ولا تؤثر أي تعارضات بين اتفاقية جنيف الثالثة والقواعد التي وضعها الفقهاء المسلمون القدامى على الطبيعة الملزمة للاتفاقية أو تأثير قواعدها الآمرة. إذ حظيت اتفاقية جنيف الثالثة بالتصديق عليها عالميًّا، ما يعني أن جميع دول العالم، بما في ذلك جميع الدول ذات الأغلبية المسلمة، وافقت على الالتزام بقواعدها، ومن ثم فإن المسلمين ملزمون باحترام أحكامها وفقًا للشريعة الإسلامية. وينبغي ألا ينظر إليها على أنها محل جدل حتى بالنسبة لأكثر علماء المسلمين تحفظًا، إذ لا يوجد شيء في اتفاقية جنيف الثالثة يتعارض مع المبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية.

هامش

[1] دليلة مباركي، ضوابط العلاقات الدولية في الإسلام زمن الحرب، مجلة الصراط، كلية العلوم الإسلامية – جامعة الجزائر، السنة الرابعة، العدد التاسع، تموز/ يوليو 2004. صفحة 206.

نُشر هذا النص في الأصل بالإنجليزية في مدونة «القانون الإنساني والسياسات» المعنية بالنقاش حول التحديات المعاصرة لقانون الحرب. وقد نقله إلى العربية عاطف عثمان.
انقر هنا لقراءة النص الإنجليزي.

اقرأ أيضا

أحمد الداودي، حماية المدنيين في قلب قانون الحرب في الإسلام

مرايمي محمد، الإسلام كمرجعية لحماية أسرى الحرب…إسهام الأمير عبد القادر الجزائري في تطوير القانون الدولي الإنساني

أسانغا تيلاكاراتني (وآخرون)، معاملة أسرى الحرب .. وجهة نظر بوذية

 

نُشر هذا الموضوع في عدد مجلة الإنساني رقم 68 الصادر في ربيع/ صيف 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. لتصفح العدد كاملًا، انقر هنا