تقدم اتفاقية جنيف الثالثة إطارًا لقواعد حماية أسرى الحرب، بما في ذلك «حق احترام أشخاصهم وشرفهم في جميع الأحوال» (المادة 14). ويستند الالتزام بصون شرف أسير الحرب – مثل اتفاقيات جنيف برمَّتها – إلى أسمى مفاهيم الإنسانية. يذكِّرنا هذا الالتزام بأنه حتى في غمرة قسوة الحرب وعنفها وظلمتها، ثمة شيء جوهري في كل شخص يستحق الاحترام ويمنحه حق الحماية، غير أن تفسير معنى «الشرف» ينطوي على تحديات.

في هذا المنشور، وهو جزء من سلسلة مدونة «تعليقات على اتفاقية جنيف الثالثة» بمناسبة صدور التعليقات المحدَّثة للجنة الدولية على اتفاقية جنيف الثالثة، تستكشف مندوبة الاحتجاز باللجنة الدولية «جيما أرمان (Jemma Arman)» سؤال لِمَ يوجد تضافرٌ أساسي بين الشرف وحماية أسرى الحرب، وكذلك بعض التحديات التي تكتنف إيجاد معنى حديث لمصطلح «الشرف».

إن أسرى الحرب، بحكم التعريف، هم من «وقعوا في قبضة العدو»، فوجدوا أنفسهم في وضع تأثر جوهري (intrinsic susceptibility). ودوافع «العدو» لحماية سجنائه مركبة ومتشعبة ومتداخلة، ومتجذرة في الأخلاق، والأعراف والتعاليم الدينية، والاعتبارات العملية لمبدأ المعاملة بالمثل، ومفاهيم الفروسية والاحترام.

في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ظهرت مدونات حديثة لقوانين الحرب، وتزايَد الاتفاق بين الدول على احترام بعض المقاتلين وحمايتهم عند أَسْرهم. وبناءً على التجارب المروعة الناجمة عن خوض الحربين العالميتين الأولى والثانية، اتفقت الدول على إطار عمل مفصَّل لحماية أسرى الحرب فيما يُعرف الآن باتفاقية جنيف الثالثة. وتجسد المادة 14 من الاتفاقية هذا التطور، حيث تقضي بأن يكون لأسرى الحرب الحق في احترام شخصهم وشرفهم «في جميع الظروف».

ينساب مفهوم صون شرف الأسير عبر مواد اتفاقية جنيف الثالثة. وقد فُصِّل على نحو خاص في بعض الأحكام التي تشمل السماح لأسرى الحرب بحمل شارات الرتب والجنسیة وكذلك الأوسمة، وحظر تكليف أسرى الحرب بأعمال مُهينة، وفي حالة وفاة أسرى الحرب، يتعين دفنهم «باحترام» (بما يصون شرفهم) طبقًا لشعائر الدين الذي يعتنقون. إن الالتزام بصون شرف أسير الحرب متضافرٌ في جوهره مع العديد من صور الحماية الأخرى التي ترد في اتفاقية جنيف الثالثة. على سبيل المثال، يجب قراءة الالتزام بكفالة حصول أسرى الحرب على كميات كافية من الملابس باعتباره يتضمن شرطَ ألَّا تكون هذه الملابس مهينة.

التحديات المعاصرة في تفسير مفهوم الشرف

تضع الاتفاقية الثالثة الشرف في قلب صور الحماية الواجبة لأسرى الحرب. وهذا يطرح سؤالًا: ماذا يعني «الشرف» في القرن الحادي والعشرين؟ ثمة تحديات ثلاثة على الأقل يجب التغلب عليها في إدراك فهم حديث لمصطلح الشرف وكيف يُصان في أثناء احتجاز أسرى الحرب.التحدي الأول هو واقع أن مصطلح «الشرف» ليس مستخدمًا بشكل شائع كمفهوم كما كان في السابق (انظر على سبيل المثال، اتجاهات الاستخدام على Google’s Ngram Viewer.

فهذه الكلمة يمكن أن تستحضر صورة قديمة إلى حدٍّ ما للعالم: فرسان، وفروسية، وعذراوات في محنة. تخيل شخصية فيلياس فوغ (Phileas Fogg) في مغامرته حول العالم التي استمرت 80 يومًا حول العالم (حول العالم في 80 يومًا، للروائي غول فيرن)، وهو يواجه «اليانكي» الكولونيل ستامب بروكتور (Colonel Stamp Proctor) ليثأر لإهانة شرفه.

أو هنري الخامس، في مسرحية شكسبير التي تحمل الاسم نفسه، وهو يستحثُّ غضبَ رجاله في يوم القديس كريسبين (Saint Crispin) معلنًا «أمَّا إنْ كان اشتهاءُ الشرف إثمًا، فإن روحي هي أعتى الأرواح اقترافًا للآثام على قيد الحياة». أمَّا بالنسبة لعشاق الأعمال الموسيقية، فقد يتمثل مفهوم الشرف في مَشاهد المبارزة الدرامية في «هاميلتون (Hamilton)» التي حققت نجاحًا كبيرًا على مسرح برودواي. يمكن لهذه الأفكار المثيرة دراميًّا عن الشرف أن تُغري المرءَ بالاعتقاد بأن صون الشرف فكرة عتيقة الطراز ومهجورة ومنبتَّة الصلة بواقع الحرب الحديثة.

يقدم مفهوم الشرف، كما تستخدمه اتفاقية جنيف الثالثة، الأساسَ لصور الحماية الجوهرية المشمول بها جميع أسرى الحرب، ولا يمكن تضييق المعنى الذي يُعزى إليه وحصره في أي مفهوم تاريخي مفرد عن الشرف. يتطلب تفسير مفهوم الشرف منا أن نتجاوز محض التصوير الكاريكاتيري والسعي إلى الجوهر الحقيقي للمصطلح كما ينطبق على جميع الناس. تُبرِز الاتفاقية الثالثة شمولية مفهوم الشرف وتعززها: فجميع أسرى الحرب، بغض النظر عن الرتبة أو العرق أو الجنسية أو الدين أو الرأي السياسي أو الجنس أو السن أو الإعاقة، لهم الحق في صون شرفهم.

التحدي الثاني هو أن مفاهيم الشرف يمكن أن تصطبغ بصبغة جندرية (gendered). فمفهوم «الشرف» لطالما استُخدم لتبرير العنف ضد المرأة فيما يعرف باسم «جرائم الشرف». كتبت جوانا بوند (Johanna Bond)، على سبيل المثال، أن شرف الرجل هو شرفُه هو أو ملكيته الخاصة، بينما شرف المرأة في بعض الظروف يعتبر مِلكيةً جماعية للعائلة أو حتى للمجتمع المحلي. علاوة على ذلك، قد يُربط شرف الرجل بشجاعته أو إحساسه بالواجب، بينما يُربط شرف المرأة ربطًا تامًّا بجنسانيتها (Sexuality) وعفَّتها المتصوَّرة. تحدد المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة العنف الجنسي على وجه التحديد على أنه هجوم على «شرف» المرأة. والمعنى الضمني هو أن «شرف» المرأة – ومعه قيمتها الإنسانية وقيمتها الاجتماعية – يتضاءل إذا كانت المرأة إحدى الناجيات من عنف جنسي.

جرائم الشرف كانت موجودة بطبيعتها، وإنْ لم تكن باسمها، في وقت صياغة اتفاقيات جنيف، ولكن نظرًا لانخفاض الاستخدام القياسي للمصطلح، فربما هي التي تتبادر إلى الذهن بسهولة أكبر اليوم عندما يفكر المرء في «الشرف». في تفسيرنا مفهوم صون شرف الشخص، يجب أن نكفل الاتساق الداخلي مع حماية أساسية أخرى منصوص عليها في المادة 14 (في الاتفاقية الثالثة)، ونصها: «یجب أن تُعامل النساء الأسیرات بكل الاعتبار الواجب لجنسھن. ویجب على أي حال أن یلقین معاملة لا تقل ملاءمة عن المعاملة التي یلقاھا الرجال». يجب أن تكون أي إشارة إلى الشرف في اتفاقيات جنيف متسقة مع هذا الحظر للتمييز الضار على أساس الجنس.

التحدي الثالث هو الاحتمال الواقعي جدًّا المتمثل في ألا يترجم مفهوم الشرف بشكل متساوٍ في كل ثقافة. تغطي دراسة (مايكل بواغر، وآخرين) Michael Boiger et al عن التواتر العاطفي عن الغضب والعار مناقشة مثيرة للاهتمام، على سبيل المثال، بين أوجه التشابه والاختلاف في قيمة الشرف التركية مقابل القيمة اليابانية لـ «حفظ ماء الوجه». بينما تؤكد القيمتان على الجانب الخارجي لقيمة الشخص، يُقال إن الشرف يضيع بسهولة ويظهر في بيئة تنافسية في حين ينتمي «الوجه» إلى بيئة اجتماعية أكثر استقرارًا.

يقدم هذا المثال تذكيرًا بأن الشرف قد لا يعني نفس الشيء لجميع الناس، وأن أي تفسير لمفهوم الشرف – بالإضافة إلى الالتزام بصونه – يجب أن يكون مرنًا بدرجة كافية لمعالجة صور التعبير الثقافي المختلفة لهذا المفهوم. وهذا ليس تحديًا جديدًا. فقد كانت اتفاقيات جنيف واعية جدًّا، في وقت صياغتها، لاختلاف الاحتياجات باختلاف الأشخاص. وبالإضافة إلى الحظر العام ضد التمييز الضار على أساس العرق أو الجنسية أو المعتقدات الدينية أو الآراء السياسية أو غيرها من الفروق المماثلة، تحتوي الاتفاقية على العديد من الأحكام الخاصة التي تتطلب احترام خلفية السجين.

البحث عن معنى حديث

يجب إعادة التفسير الحديث لمصطلح «الشرف» إلى جوهره – أيْ أن صون شرف الشخص يعني احترام قيمته الذاتية، وأيضًا احترام قيمة ذلك الشخص في نظر الآخرين. لا يقتصر مفهوم الشرف على وقت معين أو نوع معين من المعارك، بل هو مستحق في جميع الأحوال لأسرى الحرب كافة، في جميع النزاعات المسلحة الدولية. ويشير النص الخاص بوجوب صون الشرف «في جميع الظروف» إلى استمرار الالتزام حتى لو لم يحترمه العدو.

يجب أيضًا تفسير مصطلح «الشرف» في سياق صور الحماية الأساسية الأخرى الواردة في الاتفاقية الثالثة، لا سيما فيما يتعلق بالالتزام باحترام شخص السجين جسديًّا ومعنويًّا، وحمايتهم من الإذلال (انظر المادتين 13 و14). وهذا يعني اتباع نهج خاص بالسياق، وواعٍ بمجموعة العوامل التي تعطي معنى الشرف، بما في ذلك الخلفية الثقافية أو الاجتماعية أو الدينية للأسير، بالإضافة إلى جنسه وسنِّه.

إن صونَ شرفِ الأسرى له اليوم الأهمية نفسها التي كانت قبل 71 عامًا، عندما دخلت اتفاقيات جنيف حيز التنفيذ. لكن العالم تغيَّر، ولربما تبدو فكرة مغوية أن نفترض أن مفهوم الشرف صار باليًا ومهجورًا، أو أنه بالضرورة متحيزٌ لجنس عن آخر، أو أنه ليس له معنى إلا عند مجموعة ثقافية معينة. لا، فلا الشرف مفهوم بالٍ ولا هو موقوف على جنس دون آخر ولا هو محصورٌ في ثقافة معينة.

يقدم لنا سبرُ أغوار مصطلح «الشرف» مثالًا بسيطًا على نوع العمل الذي يجري لكتابة تعليقات اللجنة الدولية المحدثة على اتفاقيات جنيف. يهدف عمل التعليقات المحدَّثة على اتفاقية جنيف الثالثة إلى مساعدة القراء على سبر أغوار معنى كل مادة من المواد البالغ عددها 142 مادة، بالاستفادة من خبرة الخبراء العسكريين والقانونيين والأكاديميين، فضلًا عن المحاكم والحكومات من جميع أنحاء العالم. نأمل – وكلنا ثقة – في أن تتيح هذه التعليقات أداة عملية مفيدة تمكِّن من التعرف إلى محتوى اتفاقية جنيف الثالثة وفهمها وتطبيقها في نهاية المطاف.

نُشر هذا المقال في الأصل بالإنجليزية في مدونة «القانون الدولي والسياسات»