طيلة عقود انخرطت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في حوار مباشر مع قادة المجتمعات المحلية في فلسطين، فحاورت علماء الدين ووجهاء المناطق وكبار العشائر، من أجل ضمان فهم أفضل لمهمة اللجنة الدولية في دعم السكان المدنيين. هنا حوار سريع أجريناه مع يوسف اليازجي، مسؤول ملف تواصل اللجنة الدولية مع الجهات الفاعلة في قطاع غزة. 

بداية ما فائدة أن تمد المنظمات الإنسانية الجسور وتتواصل مع المجتمعات المحلية التي تعمل بها؟ 

الهدف الأول من ذلك هو دعم العمل الإنساني والتوصُّل إلى فهم شمولي بشأنه. إذ من المهم أن تستثمر المنظمات الإنسانية قدرًا لا يُستهان به من الوقت والجهد في شرح المبادئ الأساسية التي توجِّه عملها، وتصحيح المفاهيم الخاطئة حوله، وإلَّا فقد تجد نفسها مُستبعدة أو مرفوضة من المجتمعات المحليَّة وبالتالي غير قادرة على مساعدة المحتاجين. وتحرص اللجنة الدولية للصليب الأحمر على إبقاء بابها مفتوحًا أمام شراكاتٍ جديدةٍ تحشد من خلالها دعم الجهات الفاعلة في المجتمع المحلي، انطلاقًا من رغبتها في ترسيخ فهم الجمهور وتعزيز احترامه للجنة الدولية والأنشطة التي تنفِّذها في المجتمعات المحلية، وسعيًا منها لتدعيم استجابتها في المجال الإنساني. 

لو خصصنا الحديث عن الأراضي الفلسطينية المحتلة، كيف تبدو لك علاقة اللجنة الدولية بوجهاء المجتمع وعلماء الدين فيها؟ 

لطالما امتاز وجهاء المجتمع وعلماء الدين في فلسطين بمواقع مؤثرة ضمن دوائرهم، إذ لديهم قدرة مميزة للتأثير في الناس والتحدث نيابة عنهم. وعلاوةً على قدرتهم على حل الخلافات المجتمعية المحلية، فهم يؤدون دورًا جوهريًّا، كلٌّ في منطقته، أثناء النزاعات المسلحة وحالات العنف الأخرى، وبالتالي يساهمون في منع الفوضى ونشر ثقافة الأمن المجتمعي والسلم المدني بشكل عام. وبذات القدر من الأهمية، يسهِّل هؤلاء الرجالات عمليات تقديم المساعدة الإنسانية والوصول إلى الأشخاص المتضررين من النزاع المسلح في مجتمعاتهم، وذلك عن طريق معالجة المفاهيم الخاطئة عن المنظمات الإنسانية الدولية وبناء التفاهم حول عملها والمهام الموكلة إليها.

منذ متى واللجنة الدولية تتواصل وتتحاور مع وجهاء المجتمع وعلماء الدين في فلسطين؟ هل هذه الحوارات حديثة؟ 

ليست حديثة. لقد حرصت اللجنة الدولية في قطاع غزة طيلة عقود على التواصل مع قادة المجتمع نظرًا للدور المحوري الذي يؤديه هؤلاء القادة لبناء الثقة والوصول إلى مجتمعاتهم المحلية في أوقات السلم والاضطراب على حدٍّ سواء. ويمكننا القول إنَّ بعض الفضل يعود لهذا النهج الذي مكَّن اللجنة الدولية من العمل بفعالية ومساعدة ملايين الأشخاص المحتاجين في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967. 

وفي العام 2018، زادت اللجنة الدولية في غزة من تفاعلها مع الأوساط الدينية والمخاتير والوجهاء، إذ نظَّمت العديد من حلقات الحوار التفاعلي وورش العمل التعليمية المشتركة التي هدفت بالأساس إلى بناء شراكة إنسانية حقيقية يتجلَّى أثرها في أوقات الطوارئ والأزمات. ولتحقيق شراكة من هذا النوع، كان لا بدَّ من تأمين مساحة لتبادل الخبرات حول أفضل الممارسات الإنسانية المتَّبعة وتعزيز الفهم المشترك لأسس العمل الإنساني، وذلك من خلال عقد سلسلة من ورش العمل ذات الصلة.

هل تمس هذه الشراكات مبادئ الحياد وعدم التحيُّز والاستقلالية التي تحكم عمل اللجنة الدولية؟

بالتأكيد لا. ففي ظل سعي اللجنة الدولية لتعزيز الحوار والتمهيد لعلاقات مشتركة مع العناصر الفاعلة ذات النفوذ، ظلَّت اللجنة الدولية وفيَّة لمبادئها التوجيهية المتمثلة في الحياد وعدم التحيُّز والاستقلالية. وهي تأخذ بعين الاعتبار، في جميع الأوقات، المصلحة الفضلى للأشخاص الذين وُجدت لمدِّ يد العون لهم وحمايتهم.

وأنتم مستمرون في هذا النهج؟

نعم بل ومع عقد المزيد من هذه الشراكات. ففي ظل التغيرات المستمرة والتحولات المتكررة في الديناميكيات الجيوسياسية، يبقى للمجتمع المدني دور حاسم في المجتمعات المحلية. وعليه، فإنَّ استكشاف أطر جديدة للتعاون المشترك يمثَّل وضعًا مربحًا للجميع، وقبل كل شيء للأشخاص المتضررين من النزاع في المناطق المضطربة.

نُشر هذا الموضوع في العدد 65 من مجلة «الإنساني» الصادر في ربيع وصيف 2019، للاطلاع على محتويات العدد انقر هنا ولتصفح العدد إلكترونيا انقر هنا

*نشرنا في السنوات الأخيرة عدة مساهمات حول الأزمة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتأثيرها على السكان المدنيين، انظر مثلا:

سهير زقوت، حكاوي الكورنيش

سهير زقوت، غزة عندما يسير الموت و الحياة في خطين متوازيين

دكتور عصام السيد، غزة.. رحلة شفاء الجرحى محفوفة بالمخاطر

إيكو باوتيستا جارسيا، البسمة عندما تجعل غزة وطني الثاني

سارة كولينز، ممرضة في غزة: «لم يكُن أمامنا إلَّا أن نضع مرضانا على الأرض»