معاهدة حظر الأسلحة النووية التي اعتمدت في تموز/ يوليو 2017 هي الاتفاقية الدولية الأولى الملزمة قانونًا لحظر الأسلحة النووية حظرًا شاملًا، وتستهدف إزالتها تمامًا في نهاية المطاف. وفي الذكرى الثانية لهذه المعاهدة وبعد 74 سنة من إلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي في آب/ أغسطس 1945 سنحت لي فرصة توجيه كلمة أمام اجتماع للشباب في هيروشيما لإعمال الفكر معهم بشأن الرعب الذي ورثناه والأمل في المستقبل، والتفكير بشأن دورهم في المضي قدمًا. 

معاهدة حظر الأسلحة النووية

في 7 تموز/ يوليو 2017 سطرت 122 دولة أسماءها في صحيفة ناصعة من صحائف التاريخ بعد أن اتفقت جميعها على حظر الأسلحة النووية بموجب معاهدة دولية جديدة، فمهدت الطريق بذلك لإزالة أخطر الأسلحة وأشدها فتكًا على ظهر الكوكب.

اعتمدت معاهدة حظر الأسلحة النووية على دلائل قوية بأن أيَّ استخدام لهذه الأسلحة سيؤدي إلى تبعات إنسانية كارثية. إن المعاناة التي يعجز الكلام عن التعبير عنها الناجمة عن استخدام تلك الأسلحة، أيْ الكلفة الرهيبة في الأرواح التي أزهقت والدمار الهائل بالإضافة إلى الآثار الطويلة الأمد على صحة البشر والبيئة والمناخ وإنتاج الغذاء والتنمية، قد أفضت بالدول إلى نتيجة مفادها أن هذه الأسلحة لا يمكن قبولها ويجب حظرها حظرًا لا لبس فيه. 

وفي هذه العملية، تحظى الشهادات والمشاركة الفاعلة للناجين من القصف الذري في عام 1945 على هيروشيما وناغازاكي – ما يعرف باسم «هيباكوشا (الناجين)» – بأهمية لا خلاف عليها. وبالفعل من دون الجهود طويلة العهد للناجين، التي هدفت إلى الارتقاء بالتوعية بشأن العواقب الكارثية للأسلحة النووية، لكان من الصعب تخيل كيف كان لمعاهدة حظر الأسلحة النووية أن ترى النور. 

لقد وصف رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر ماورير، معاهدة عام 2017 المتعلقة بحظر الأسلحة النووية بأنها منارةُ أمل. وقال السيد «ماورير» إن المعاهدة، بما تتيحه من حظر تام وشامل على الأسلحة النووية، تفتح الباب «للأمل في أن تتحرر البشرية يومًا من شبح الحرب النووية ومن المعاناة الهائلة التي نعرف جميعًا أنها ستنجم إذا وقع مثل هذا الحدث». 

ونحن جميعًا ممتنون لهذا الأمل. ونتحمل جميعًا مسؤولية التصرف، على عجل وبإصرار، لتحقيق هدف هذه المعاهدة، وهو الوصول إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية.

دور اللجنة الدولية والحركة الدولية برمتها

للجنة الدولية للصليب الأحمر والحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر برمتها مصلحةٌ خاصة في إنجاح معاهدة حظر الأسلحة النووية.

عاينت جمعية الصليب الأحمر الياباني واللجنة الدولية العواقب الرهيبة لانفجار القنبلتين الذريتين في هيروشيما وناغازاكي في عام 1945 معاينةً مباشرة، حيث حاولت الفرق الميدانية إغاثة المحتضرين والجرحى في ظروف مستحيلة. وشهدت الفرق الميدانية أيضًا كيف مَحت الأسلحة النووية المدن محوًا، فقتلت على الفور آلاف الأشخاص. ورأت هذه الفرق كذلك أن استخدام الأسلحة النووية لا يحده زمان ولا مكان، وأن العديد من الضحايا قد ماتوا في الأشهر والسنوات التي تلت إلقاء القنبلتين بسبب التسمم الإشعاعي وأمراض السرطان وغيرها.

علاوة على ذلك، فإن القدرة التدميرية للأسلحة النووية التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي تتضاءل مقارنةً بقدرات الأسلحة المتاحة اليوم. ونحن نعلم الآن أن استخدام جزء ضئيل فقط من الأسلحة في الترسانات النووية الحالية، سيؤدي على الأرجح إلى إطلاق ملايين الأطنان من الكربون الأسود في الغلاف الجوي، ما سينجم عنه «خريف نووي» حيث تنخفض درجات الحرارة على مستوى الكوكب وينخفض الإنتاج الزراعي بصورة كبيرة، ويصبح مليارات البشر معرضين لخطر الفناء جوعًا.

ونعلم أيضًا أن أي استخدام للأسلحة النووية سيجعل من الصعب علينا للغاية أن نضطلع بما يفترض بنا الاضطلاع به، بوصفنا حركة إنسانية، وهو تقديم الإغاثة والتخفيف من وطأة المعاناة الناجمة. ولن تكون هناك منظمة إنسانية قادرة على الاستجابة بصورة مناسبة للمعاناة الهائلة والاحتياجات التي ستنجم إذا جرى أي استخدام للأسلحة النووية. وعلى ذلك، فمن عساه سيقدم العون والمساعدة لضحايا تفجير الأسلحة النووية؟ وكيف سيفعل؟

إنَّ عجزَنا عن الإجابة على هذا السؤال المقلق يوضح لنا أنه لا يوجد سوى مسار واحد مسؤول للتحرك، وهو حظر الأسلحة النووية والقضاء عليها.

شجاعة الفعل وقفزة الخيال

إن القصص والدلائل على المعاناة الهائلة التي تسببها الأسلحة النووية تبث الرعب في القلوب. أتذكر عندما قرأتُ للمرة الأولى عن القصف الذري لهيروشيما وناغازاكي في كتاب مدرسي في مدرستي القديمة في النرويج، وهي بلد مناخه بارد وبعيد عن الفظائع التي تسببت فيها الانفجارات النووية. ما أردت فعله حينذاك هو أن أقلب الصفحة بأسرع ما يمكن، وألا أفكر في الأمر مرة أخرى.

أقول هذا لأنني أعلم أن الأمر يتطلب شجاعة هائلة للإنصات إلى قصص المعاناة التي تنجم عن الأسلحة النووية. روايات التفجيرات الذرية لهيروشيما وناغازاكي – روايات مروعة قصَّها الذين شهدوا الانفجار – فتكلموا عن الوميض وكرة اللهب والحرارة الشديدة والعواصف النارية والانفجار والدمار والإشعاع. وإنه لأمر ترتعد له القلوب والأوصال أن تستمع بعناية محاولًا تخيل كيف كانت تجربة معايشة الضحايا لتلك الأحداث.

إن معرفتنا بهذا المستقبل الكابوسي – أنه من غير المحتمل أن ننجو ولا أن ينجو كوكبنا من الحرب النووية الشاملة – هي معرفة قد نرغب في أن نغمض أعيننا عنها ونسد آذاننا فلا ندري عنها شيئًا. ومع ذلك، فلا مجال لإنكار هذا الواقع.

وإنها لحقيقة مزعجة للغاية ويصعب قبولها، أن نعلم أننا عاجزون عن توقع وصول قدر معقول من الإغاثة والمساعدة – أيْ أن تلك المساعدة لا سبيل إلى وصولها – إذا ما انفجر سلاح نووي مرة أخرى.

يتطلب الأمر شجاعة لمواجهة العواقب الإنسانية الكارثية الناجمة عن الأسلحة النووية. يتطلب الأمر شجاعة لأن هذه العواقب تشلُّ الدماغ وتجمد الدماء في العروق. استغرق الأمر مني سنوات كي أحشد الشجاعة اللازمة للنظر في هذه الحقائق بعيون مفتوحة. لكن هذا هو بالضبط ما كان يلزمني لكي أدرك أننا ليس بوسعنا على الإطلاق أن نسمح باستخدام الأسلحة النووية مرة أخرى، بل ولأدرك أنني، إلى جانب أي شخص آخر، أتحمل مسؤولية فعل ما بوسعي لتخليص العالم من الأسلحة النووية.

الشجاعة لحظر الأسلحة النووية

لما بدأت في الانخراط في أنشطة نزع السلاح النووي، عندما كنت شابًّا متخرجًا للتو في الجامعة، كان من الصعب عليَّ أن أقبل أنه لا يزال هناك عشرات الآلاف من الأسلحة النووية في العالم، والعديد منها في حالة التأهب القصوى، أي جاهزة للإطلاق في غضون دقائق.

في ضوء ما نعرفه عن عواقب الأسلحة النووية، عجزتُ عن إدراك ما الذي يقف حائلًا أمام عدم حظر تلك الأسلحة بشكل واضح. لقد حُظرت بالفعل أسلحة أخرى لها عواقب إنسانية شنيعة. حُظرت الغازات الخانقة أو السامة في وقت مبكر يرجع إلى عام 1925. وحُظرت الأسلحة البيولوجية وأشعة الليزر المسببة للعمى والأسلحة الكيميائية. كذلك حُظرت الألغام المضادة للأفراد والذخائر العنقودية. فلِمَ لا تخضع الأسلحة النووية أيضًا للحظر؟

ندما طرحنا هذا السؤال – ونحن في مرحلة الشباب – على أشخاص كانوا على دراية بالأسلحة النووية أكثر مما كنا نحن عليه، قال الكثيرون إنه من غير الممكن، وليس أمرًا واقعيًّا، أن تحظر الأسلحة النووية، لأن الدول التي تمتلك أسلحة نووية لن توافق أبدًا على هذا الحظر. بل الغريب أننا سمعنا هذا من بعض الأشخاص الذين اتفقوا على أن الأسلحة النووية غير مقبولة وعملوا على نزع السلاح النووي لسنوات عديدة. لقد قيل لنا مرارًا وتكرارًا إن حظر الأسلحة النووية هدف غير واقعي. 

ومع ذلك، فالحلم الذي قيل لنا إنه غير واقعي ولا يمكن أن يحدث، صار حقيقة واقعة في عام 2017، إذ تفاوضت 122 دولة واعتمدت معاهدة حظر الأسلحة النووية، مع أن بعض الناس ما زالوا يجادلون بأن هذه المعاهدة هي خطوة غير موفقة، أو لن تفضي إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية. هؤلاء هم في الغالب الأشخاص عينهم الذين احتجوا منذ بضع سنوات بأن معاهدة الحظر النووي مجرد خيال.

إذا كان على التاريخ أن يعلمنا أي شيء، فهو ما يلي: إن ما قد يبدو اليوم حلمًا غير واقعي يمكن أن يصير حقيقة واقعة في الغد. وهذا التحول، من غير الواقعي إلى الواقعي الملموس، هو ثمرة رفض الناس – وهم في معظم الأحيان من الشباب – قبول فكرة استحالة تغيير هذا العالم. إن معاهدة حظر الأسلحة النووية هي ثمرة رفض الشباب قبول الوضع الراهن وشجاعتهم لنفخ الروح في حلم افتقد آخرون الرغبة أو القدرة على تخيله ابتداءً. نجاح المعاهدة كركيزة أساسية تفضي إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية، يعتمد على المشاركة النشطة المستمرة للأجيال الشابة.

ومثلما يتطلب الأمر شجاعة للإنصات إلى الروايات التي تقصُّ فصول المعاناة الناجمة عن الأسلحة النووية، فإن الأمر يتطلب كذلك عزيمة وتصميمًا على مجابهة أولئك الذين يحتجون بأن العالم لا يمكن أن يتغير. نتفهَّم تمامًا شعور الصغار اليوم إذا ما أحسوا كما أحسستُ من قبل عندما كنت تلميذًا أقرأ عن الأسلحة النووية – تلك الرغبة الشديدة التي تحثني على قلب صفحة الكتاب والتفكير في أشياء أخرى. شباب اليوم لم يفعلوا شيئًا تسبب في ظهور مشكلة الأسلحة النووية، بل لقد ورثوها عن الأجيال السابقة. فلماذا يجب أن يُطلب منهم حلها؟

خاتمة

الشباب محقون؛ فهم ليسوا من تسبب في مشكلة الأسلحة النووية. أتمنى لو أنني تمكنت من أن أختم مقالي بالقول بأن الكبار يعرفون كيف يمكن التعامل مع هذه المشكلة، ولكن الحقيقة المخيفة هي أنهم لا يعرفون. حل مشكلة الأسلحة النووية يتطلب خيال شباب اليوم وطموحهم وشجاعتهم. إذا لم تحرك الأجيال الشابة ساكنًا بشأن هذه المسألة، فلن يستمر التهديد الذي تشكله الأسلحة النووية للإنسانية والأجيال القادمة فحسب، بل قد يتحقق التهديد فعلًا وتصحبه عواقب إنسانية كارثية.

ومن ناحية أخرى، إذا نجح الشباب في حشد الشجاعة للتحدث والتحرك بكل أمل وعزيمة وإصرار، فالمجال العام يعجُّ بحركة متنامية من أفراد ومنظمات المجتمع المدني وغيرها من المنظمات مستعدة لدعمهم، وفي القلب منها اللجنة الدولية للصليب الأحمر والحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.

وتُظهر معاهدة حظر الأسلحة النووية أن المستحيل ممكن. وقد حان الوقت للعمل معًا حتى نكفل ترجمة كلمات المعاهدة إلى واقع ملموس، لنكتب آخر سطر في عهد الأسلحة النووية.

نُشر هذا المقال بالإنجليزية في مدونة «القانون الإنساني والسياسات»، وقد نقل عاطف عثمان النص إلى اللغة العربية. للاطلاع على أصل المقال، انفر هنا.

خلال الشهور الأخيرة نشرنا ترجمات عدة مهمة تناولت أحدث النقاشات حول النزاعات العسكرية والعمل الإنساني، كتبها نخبة من أبرز الخبراء في مجال القانون الدولي الإنساني حول العالم. انظر مثلا:

جيليان جارسيا رافيل وفينسنت برنارد، تغيير النظرة النمطية للقانون الدولي الإنساني

بول ريفلي، أصعب الظروف: لماذا يحتاج الأطفال المتضررون من أهوال الحرب إلى رعاية خاصة؟

هيلين دورهام، نوبل للسلام 2018: العنف الجنسي في الحروب تحت دائرة الضوء

إيريك تالبوت جنسن، تحدي قابل للتحقق… إضفاء الطابع الإنساني على الأسلحة الذاتية التشغيل

جلوريا جاجيولي، هل يحظر القانون الدولي الإنساني المعاصر استخدام أسلوب الحصار العسكري؟