مرَّ عام، لن أخوض في الأرقام التي تتوارد كل أسبوع عن أعداد الجرحى أو من فقدوا حياتهم، جامدة هي الأرقام. أسير في شوارع المدينة في أزقة بلداتها ومخيماتها، أنا التي قضيت عمري فيها وأعرف كل خط على تفاصيل وجوه أهلها. غابت الابتسامة. ترهل قلب المدينة وجعًا وشاخت ملامحها.

أنظر في عيون النساء وأتساءل أين ذهب البريق من العيون؟ أطيل النظر إليها وهي نافذة الروح – كما وصفها جبران خليل جبران – وأتساءل هل تصيب التجاعيد الروح أيضًا؟ ماذا لو جمعنا كل دموع الأمهات، هل سنخرج ببحر مالح كبير؟ ماذا لو جمعت آهات وصرخات الجرحى التي خرجت على مدار عام، هل ستحدث زلزالًا ربما أقوى من ذلك الذي ضرب المتوسط قبل يومين؟ هذا ما لا تحمله الأرقام.

عام جاء ليزيد الأوضاع – غير المستقرة أصلًا – هشاشة، عام زاد من استنزاف قدرة أهل غزة على التكيف وجعلهم أقرب إلى نقطة تحول حاسمة، فيما تلقي المشاكل الاقتصادية وأزمة الوقود بظلالها على كافة مناحي حياتهم. فالأثر المتراكم للجولات المتتابعة من الأحداث الصعبة على مدار عقد ونيِّف من الزمان يفوق قدرة تحمل المدنيين بكثير.

في نيسان/أبريل الماضي بدأت أرى شبانًا يمشون في الشارع، أو يجلسون على أبواب بيوتهم في المخيمات هربًا من الحر وانقطاع الكهرباء، أو ينظرون بعين الحسرة لبسطات الخضار في الأسواق غير قادرين على الشراء منها. كانت الصدمة الأولى حين رأيت سيقاناً معدنية بديلة يرتكزون عليهاثبتت فيها معادن لامعة، تقتحم عينك عنوة – وإن كنت بعيدًا عنها – عند انعكاس الشمس عليها، بديلًا عن ساق بترت، إلى أن اعتدت على المشهد، والاعتياد موت.

في كل جمعة تتوالى الأرقام لتشكل طبقة فوق ما سبقها وترتفع، يمكن استيعاب الأرقام في كل شيء إلا ما يخص الإنسان. فكيف للعدد اثنين أن يصف حياة عبد الله ذي السبعة عشر عامًا بعد أن فقد ساقيه؟رأيته بعد عام على إصابته، ما زالت علامات الصدمة تعتري ملامحه، قليل الكلام هو، غير قادر على وصف مشاعره، عيونه تنم عن حزن عميق.

لن أنسى ما حييت ما قاله في ذلك اليوم، «في الصباح الباكر أحاول النهوض ثم أتذكر أنني لا أستطيع فقد فقدت ساقيَّ. في الليل لا أستطيع تغيير نومي من جانب إلى آخر، وأتذكر أنني فقدت ساقيَّ، عند ذهابي للمدرسة يساعدني إخوتي بحملي للنزول من الطابق الثاني، وهكذا عند عودتي». بدت الأم متماسكة لكن حين بدأ ابنها بالحديث انهمرت دموعها شلالًا. تقف عاجزًا أمام جلال الموقف وتؤثر الصمت فكل الكلمات تغدو سخيفة.

قابلت عبد الله صدفة بعدها في مركز الأطراف الاصطناعية، كان اختصاصي العلاج الطبيعي يدربه على المشي باستخدام طرفيه الجديدين، ورأيت ابتسامة على استحياء ارتسمت على شفتيه. وللمرة الثانية وجدت كل الكلمات سخيفة. تحدثنا عن حلمه بأن يكون صحافيًّا ولكن الإصابة جعلته يتجه لمنحى آخر، فهو يرغب الآن في دراسة البرمجة «لا تحتاج للحركة» كما قال. مازحه اختصاصي العلاج الطبيعي «ولكنك تتحرك الآن ويمكنك تحقيق حلمك»، لمعت عينا عبد الله وهو يفكر بحلم قابل للتحقيق بطرف صطناعي. يستعد عبد الله الآن لامتحان الثانوية العامة. 

هذا هو شهر رمضان الثاني الذي يمر منذ اندلاع الأحداث على طول السياج الفاصل في المنطقة الحدودية. تحاول غزة فيه لملمة بقايا الروح. الجمعة الأولى من الشهر هي أيضا الأولى منذ 59 أسبوعًا التي تتوقف فيها الأخبار العاجلة وتختفي الأرقام الجامدة، لتجتمع العائلات لتناول وجبة الإفطار على شاطئ البحر. البحر متنفس سكان غزة الوحيد والشاهد على أحلام تسير بأطراف اصطناعية.

نُشر هذا الموضوع في العدد 65 من مجلة «الإنساني» الصادر في ربيع وصيف 2019، للاطلاع على محتويات العدد انقر هنا ولتصفح العدد إلكترونيا انقر هنا 

*نشرنا في السنوات الأخيرة عدة مساهمات حول الأزمة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتأثيرها على السكان المدنيين، انظر مثلا:

سهير زقوت، حكاوي الكورنيش

سهير زقوت، هذا البحر لي

سهير زقوت، غزة عندما يسير الموت و الحياة في خطين متوازيين

دكتور عصام السيد، غزة.. رحلة شفاء الجرحى محفوفة بالمخاطر

نبيل سنونو، مرضى «الكُلى» في غزة ينشدون الحياة

إيكو باوتيستا جارسيا، البسمة عندما تجعل غزة وطني الثاني

سارة كولينز، ممرضة في غزة: «لم يكُن أمامنا إلَّا أن نضع مرضانا على الأرض»