يدخل النزاع المسلح في اليمن عامه الخامس، ذلك النزاع الذي وضع البلاد في أسوأ اختبار ربما عرفته في تاريخها، إذ قتل الآلاف، ووضع ملايين السكان رهينة للفقر المدقع والأوبئة.

ويحتاج أغلب سكان البلاد، البالغ عددهم نحو 29 مليون، إلى مساعدات عاجلة، من بينهم 11.3 مليون بحاجة ماسة إلى المساعدة للبقاء على قيد الحياة، حسبما تقول الأمم المتحدة.

وتصف اللجنة الدولية للصليب الأحمر الأزمة الإنسانية في اليمن بأنها الأكبر في العالم.

أجهزت الحرب على البنية التحتية في البلاد، ما أدى إلى كوارث مثل أزمة تفشي الكولير. وبلغ الضرر الذي طال قطاع الرعاية الصحية حدًا جسيمًا، نجم عنه حرمان ذوي الأمراض المزمنة من الحصول على العلاج المنقذ للحياة.

ومع أن العالم حداه الأمل في أن تنتهي هذه الحرب الدامية عقب محادثات شاقة بين الفرقاء اليمينين في كانون الأول/ ديسمبر الماضي برعاية أممية، إلا أن الأسابيع التالية أكدت أن نهاية النزاع ليست قريبة.

فمع تجدد القتال «تبخرت الآمال في خفوت حدة العنف والنزوح والأمراض والمجاعات، التي عصفت باليمن خلال سنوات البؤس،» حسبما يقول بيان صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر اليوم الثلاثاء.

وقال فرانز راوخنشتاين، رئيس بعثة اللجنة الدولية في اليمن «رغم بصيص الأمل الذي لاح قبل أشهر قليلة، أصبحت حياة ملايين اليمنيين لا تطاق. ولن يؤدي تجدد القتال إلا إلى تفاقم الوضع الكارثي من الأصل.»

وقال البيان «وتعبر اللجنة الدولية على قلقها من التقارير الواردة عن القتال والاشتباكات المسلحة بطول ساحل البحر الأحمر وفي محافظة «حجة» ومدينة «تعز». وتدعو إلى تجنب استخدام الأسلحة المتفجرة التي تصيب مناطق واسعة في المناطق المأهولة بالسكان، لشدة احتمالية وقوع ضحايا من المدنيين. كما تزداد احتمالية تعرض البنية التحتية الحيوية، مثل المنشآت الصحية ومرافق وشبكات التغذية بالمياه والكهرباء، بصفة خاصة للآثار العرضية الناجمة عن مثل هذه الأسلحة المتفجرة.»

لمزيد من المعلومات

خلال السنوات الماضية قدمنا في الإنساني تغطيات لمختلف الأبعاد التي طالها النزاع الدامي في البلاد. في العدد الأخير من المجلة مثلا، قدمت لنا سلمى عودة صورة بانورامية للوضع في اليمن:

«غيرت الحرب تصوراتنا عن اليمن. غيرت من الحقائق التي نعرفها عن البلد، مضيفة حقائق أخرى أكثر ألمًا وحرقة لا يتسع لها أي شريط للأخبار. قد يتحجج البعض بأن الوضع في اليمن معقد، لكن لو لديك ثوان معدودة قد تفهم حجم المعاناة جراء النزاع الدائر. في اليمن هناك 29 مليون شخص يعتمد 80 في المئة منهم على المساعدات للبقاء على قيد الحياة. 58 في المئة منهم لا يحصلون على مياه نظيفة، 52 في المئة لا يجدون مشفى يداويهم، وذلك لأن النزاع المسلح قوض قطاع الرعاية الصحية، فقد تعرض أكثر من 160 مستشفى وعيادة للهجوم. ويعمل اليوم أقل من 45 في المئة من المنشآت الصحية. يعاني 11في المئة من أهل اليمن من سوء التغذية.»

نشرنا على مدونة الإنساني حوارا مع زميلتنا ميريلا حديب، الناطق الرسمي باسم اللجنة الدولية باليمن، عن أنشطتنا في اليمن وحيادنا الراسخ تجاه أطراف النزاع كافة. ردًا على سؤال: «لماذا تنحازون للحوثيين؟»، ذكرت ميريلا بوضوح:

«اللجنة الدولية للصليب الأحمر منظمة مستقلة غير متحيزة، لا تتحيز لأي طرف من أطراف النزاع، نتحيز فقط للعمل الإنساني، لتقديم المساعدات لمن هم أكثر حاجة في جميع أنحاء اليمن بغض النظر عن انتماءاتهم، نحن نساعد المدنيين اليمنيين ولا ندخل في السجالات السياسية الحاصلة.»

اقرأ أيضا:


نبيل اليوسفي، الكوليرا تقتنص الأضعف في حرب اليمن

اجتاح وباء الكوليرا نحو 19 محافظة يمنية من أصل 21 محافظة مخلفًا أرقامًا وإحصائيات مخيفة ومهولة. وقد رصدت السلطات الصحية في البلاد التي تنهكها حرب مضنية تفشي المرض في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2016. وقد نجحت الجهود الكبيرة التي اضطلع بها العاملون في المجال الصحي في السيطرة على هذه الموجة. لكن مع استمرار الحرب وتقويض النظام الصحي في البلاد، وتدمير البنية التحتية وندرة المياه النظيفة، تفشت موجة أخرى من الوباء في العام 2017 في نصف المحافظات اليمنية تقريبًا. وبحلول نهاية العام 2017، وصفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الوضع الإنساني في اليمن بأنه أسوأ أزمة إنسانية بسبب الحرب، في ظل حاجة 80 في المائة من السكان إلى المساعدات العاجلة، ووصول عدد الحالات المحتمل إصابتها بالكوليرا إلى مليون حالة.


الطبيبة وصال الحكيمي: أملنا ألا تتفشى موجة ثالثة من الكوليرا في اليمن


من صنعاء وعدن وتعز: التعليم صار سرابًا لأطفال اليمن– تقرير مصور

أجبر النزاع أطفال اليمن على خوض كفاح قاسٍ من أجل البقاء. فغالبًا ما يعني الفرار من ساحات القتال – أملاً في الهرب من جحيم العنف – مغادرة الديار، والانقطاع عن المدارس. آباء يفقدون سبل كسب عيشهم، وعائلات بأسرها ينتهي بها المطاف هائمة في الشوارع تتسول.


نشوان محمد السميري، لا أحد يبكي على مدن اليمن

وفي بعض مدن اليمن، لم يعد هناك مكان آمن، فالحيز العمراني مُعَرض باستمرار لخطر القصف والتدمير. ويمكن بسهولة ويسر رصد الدمار المؤلم الذي يحدثه القتال في مدن مثل صنعاء وتعز وغيرهما. كما أن معاناة السكان في المناطق الحدودية في محافظتي صعدة وحجَّة بفعل القصف والمواجهات لا تقل إيلامًا ومأساوية، وهي الغائب الأبرز عن المشهد الإعلامي المتاح. ويدفع المدنيون في كل مدن اليمن وقراه ثمنًا باهظًا لا يستهان به في حرب باتت عبثية تأبى الصمت احترامًا لكرامة الإنسان.


في وداع حنا لحود: صانع البهجة شهيدًا للعمل الإنساني

كان صباح يوم السبت 21 نيسان/ أبريل 2018 صباحًا استثنائيًّا بالنسبة للجنة الدولية، ذلك لأنها استقبلت خبرًا صادمًا مفاده سقوط ضحية جديدة من موظفيها فيما كان يؤدي عمله في التخفيف من معاناة المدنيين اليمنيين الذي يئنون تحت وطأة نزاع مسلح لا يرحم. والضحية هذه المرة هو حنا لحود، 37 عاما، الذي حمل على عاتقه متابعة أوضاع الاحتجاز في اليمن. وبحسب المعلومات الأولية التي تجمعت لدى اللجنة الدولية، قضى حنا نحبه وهو في مهمة في تعز حيث تعرضت سيارة اللجنة الدولية التي يستقلها لهجوم غادر. وكانت هذه المهمة هي فصل الختام في حياة حافلة بالبطولة قضاها حنا، سواء في بلده لبنان، أو في بلاد أنهكتها الاضطرابات والنزاعات المسلحة كالعراق واليمن.


ماري كلير فغالي، رحلة ليست كغيرها إلى أرض سبأ

قبل جولة العنف التي يشهدها اليمن اليوم بفترة طويلة، بدا جليًّا أن الأمور تتغيَّر بالنسبة للجنة الدولية. كنَّا لشهور عدة غير قادرين على استعمال شارتنا المعروفة في كل أرجاء العالم والمتمثلة بصليب أحمر على خلفية بيضاء طُبع حوله اسم “اللجنة الدولية – جنيف”. ففي بلد تتصاعد فيه التوترات وأعمال العنف المتكررة، يتزايد خطر سوء الفهم، كأن يرانا السكان “صليبيين مسيحيين”، مع ما يصاحب ذلك من تداعيات محتملة. وفي الواقع، اضَّـطرنا ذلك في العام 2010، إلى التوقف عن وضع شعارنا المعروف على مركباتنا والتجوّل بمركبات تحمل شارة تتكون من مستطيل أسود دوّن في وسطه بحروف لاتينية صغيرة الاسم المختصر للجنة الدولية للصليب الأحمر “ICRC”.

وواجهنا في بعض الأماكن ريبة حقيقية من سكان كانوا يتساءلون من نحن وماذا نفعل. لكن الوضع تغيَّر جذريًّا اليوم. فلم نكسب قبول “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” فحسب، بل كذلك ثقة أغلبية السكان في هذا البلد. وبتنا اليوم، حين ندخل مدينة أو قرية في أي بقعة من اليمن تقريبًا، نُستقبل بوجوه مبتسمة وبترحيب بالأيادي. حتى سياراتنا التي تحمل شارة كبيرة للصليب الأحمر باتت تحظى بالترحيب. فما الذي تغيَّر ولِمَ صرنا ننعم اليوم بهذا القبول؟


صفحة من تاريخ العمل الإنساني في اليمن: تأسيس جسور الثقة