تحول اليمن في السنوات الأخيرة إلى أكبر مأساة إنسانية في العالم، إذ يواجه الشعب اليمني كله تقريبًا تحديًا قاسيًا مع الزمن، يعاني هؤلاء من قسوة الظروف مع تفاقم الجوع الشديد الذي يفتك بالبلاد، وتعجز الكلمات عن وصف درجة المعاناة الرهيبة للأهالي.

اليمن والأمل كلمتان لا يليق بهما أن تكونا في الجملة نفسها، أليس كذلك؟ إذ كيف يتجاور الأمل مع بلد أصبح مضرب الأمثال في اليأس من فرط الواقع المريع الذي يرزح تحته سكان البلاد. لكنك قد تدهش إذا علمت أن اليمنيين يصرون على تسمية أبنائهم والمحلات التجارية، موارد رزقهم، بهذا الاسم. وهذه مجرد صورة مبهرة للصمود أمام وضع لا يطيقه بشر في وسط نزاع مستمر منذ العام 2014 مخلفًا وراءه يمنًا كان يُوصف يومًا بـ«اليمن السعيد». يتصدر اليمن اليوم عناوين الأخبار، لكنه مقرون دائمًا بقاموس محدود من المفردات: الجوع الشديد، اللجوء، النزوح، الدمار، النزاع المسلح، المرض، الضحايا. اليمن الآن هو مكان أكبر مأساة إنسانية في العالم. ولو ساء الوضع أكثر من هذا ستكون هذه أسوأ مجاعة عرفها العالم في مئة عام.

شاب يمني يفتتح «كافيتريا الأمل» وسط حطام منزل دمره النزاع المسلح في اليمن. تاريخ: تشرين الثاني/ نوفمبر 2018. تصوير: EPA-EFE/YAHYA ARHAB

هذا ما حدث لليمن المعروف بطيبة وسماحة أهله وعمارته المميزة، وقهوته الرائعة. اليمن الذي كان في الماضي مركزًا حضاريًّا مرموقًا. تحول البلد كلية، لأن للحرب رأيًا آخر.

غيرت الحرب تصوراتنا عن اليمن. غيرت من الحقائق التي نعرفها عن البلد، مضيفة حقائق أخرى أكثر ألمًا وحرقة لا يتسع لها أي شريط للأخبار. قد يتحجج البعض بأن الوضع في اليمن معقد، لكن لو لديك ثوان معدودة قد تفهم حجم المعاناة جراء النزاع الدائر.  في اليمن هناك 27 مليون شخص يعتمد 80 في المئة منهم على المساعدات للبقاء على قيد الحياة. 58 في المئة منهم لا يحصلون على مياه نظيفة، 52 في المئة لا يجدون مشفى يداويهم، وذلك لأن النزاع المسلح قوض قطاع الرعاية الصحية، فقد تعرض أكثر من 160 مستشفى وعيادة للهجوم. ويعمل اليوم أقل من 45 في المئة من المنشآت الصحية. يعاني 11في المئة من أهل اليمن من سوء التغذية.

للأرقام قصص

لو تهت في هذه الأرقام المفزعة، دعنا نيسرها لك مرة أخرى: لو كان عدد سكان اليمن 100 شخص، فهناك 77 منهم يحتاجون الدعم للبقاء أحياء، فيما لا يملك نصفهم غذاءً كافيًا، وهناك 13 منهم يعانون سوء التغذية الحاد، مع 11 منهم فروا من منازلهم بسبب النزاع المسلح المستعر في بلاد عدد سكانها ليس مئة شخص، وإنما قرابة الثلاثين مليونًا. بكلمات أخرى، يتضور اليمن جوعًا حتى الموت. يعيش الملايين من السكان على وجبة طعام واحدة في اليوم ولا يعرف معظمهم من أين ستأتي وجبتهم التالية. باختصار: «يجب على العديد من العائلات اليمنية اليوم أن تختار بين الغذاء والدواء»، على حد وصف فابريزيو كاربوني، المدير الإقليمي للجنة الدولية، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.

انهار الريال عملة البلاد وارتفعت أسعار السلع الأساسية، الدقيق والسكر والأرز والحليب، بأكثر من 30 في المئة في تشرين الأول/ أكتوبر فقط، متجاوزة الموازنات المتواضعة لمعظم العائلات اليمنية. في ميناء الحديدة الحيوي، الذي شهد قتالًا ضاريًا، هناك أكثر من 20 ألف شخص بحاجة ماسة للطعام والماء والمأوى والدواء، وهناك عائلات تنام في العراء مع اقتراب فصل الشتاء، حسبما تقول سارة الزرقاوي، المتحدثة الرسمية للجنة الدولية. ومع أن هناك منظمات إنسانية تنشط وتسابق الزمن لتلبية الاحتياجات الأساسية، وتوفير ما يمكن توفيره لإنقاذ الحيوات المهددة، لكن لا يمكن لهذه المنظمات الإنسانية أن تحل محل اقتصاد بلد ما، لا سيما مع تواصل النزاع، ومع تجاهل الأطراف المنخرطة لقواعد الحرب.

وقعت الحديدة في فخ العنف مجددًا، وقد شاهدت فرق اللجنة الدولية في الميدان كيف يتنامى الخوف بين أوساط اليمنيين من تعرضهم للإصابة العرضية أو استهدافهم عن عمد. ويقترب القتال من المراكز الصحية، ما نجم عنه تعطل الخدمات في مستشفى 22 مايو بالحديدة. ولم يكن يفصل مستشفى الثورة، أكبر مستشفيات الحديدة، عن جبهة القتال سوى بضعة أمتار، وتتزايد المخاوف بشأن عدم قدرة المرافق الصحية التي لا تزال تعمل على تقديم الخدمات بانتظام، أو مواكبة تدفق محتمل للضحايا على أبوابها إذا ما نجم عن القتال تعطل منشآت صحية أخرى.

لقد زارت فرقنا مؤخرًا عائلات نازحة تعيش في إحدى مدارس الحُديدة، وهذه العائلات لا تأكل سوى دقيق مخلوط بالماء أو حصص قليلة من الأرز. وأطفال هذه العائلات يعانون من نحافة مثيرة للقلق بسبب نقص الغذاء.

المعاناة حقيقة وليست مجرد أرقام

لكن هذه الأرقام قد لا تصل دلالتها لمن يجلس في الطرف الآخر يتابع الأخبار من شاشة التلفاز أو صفحات التواصل الاجتماعي. قد لا نشعر بمريض غسيل كلوي يتضور من الألم لأن جلسات علاجه نقصت للنصف، بعد أن أغلقت نصف مراكز غسيل الكُلى أبوابها بسبب النزاع ونقص المستلزمات، تاركة واحدًا من كل أربعة مرضى عرضة للموت بسبب هذا النقص. مريض فشل كلوي من المخا لم يعد يستطيع تحمل كلفة السفر أسبوعيًّا لتعز لتلقي العلاج فأصبح ينام في الشارع أمام المشفى فقط ليحظى بفرصة للبقاء حيًّا.

شريط الأخبار لم ينقل الصورة كاملة. سيعجز عن إيصال مرارة أم، اسمها للمفارقة الحزينة «أمل». هذه المرأة، التي ليس لها من اسمها نصيب، انقلبت حياتها عندما دمَّر القتال منزلها. أصابت رصاصة قناص طائشة رقبتها. أخبرها الطبيب أنها لن تتمكن من السير مجددًا. لكن أكثر ما يؤلمها هو عندما يطلب أبناؤها شيئًا ولا تتمكن من إعطائهم إياه لأنها ببساطة لا تملك شيئًا.

الصورة من تعز، سيدة تدعى أمل، تعرضت لإصابة بالغة خلال الحرب في اليمن، مع طفليها. تاريخ: تموز/ يوليو 2017. تصوير: EPA-EFE/YAHYA ARHAB

كما أن شريط الأخبار لم يعد يكفي لسرد قصة أب كان يعمل مهندس بترول، لكن بسبب النزاع وتدهور الوضع الاقتصادي اضطر لبيع الفحم في الشوارع لإطعام أهل بيته. ولن تسمع عن قصة سيدة اسمها «عافية» فقدت أبناءها الأربعة في مصير مجهول لتتعلق بحفيدتها المتبقية من أسرة قطَّع النزاع أوصالها.

دعونا نتحدث أولًا عن قواعد الحرب

خلال الستة أشهر الماضية، أصدرنا في اللجنة الدولية للصليب الأحمر سبعة بيانات صحفية نناشد أطراف النزاع احترام قواعد الحرب، وفيها سلطنا الضوء على حقيقة الوضع الإنساني المأساوي على الأرض، ومنها استهداف العاملين الإنسانيين، كزميلنا حنَّا لحود، 37 عامًا، الذي قُتل في نيسان/ أبريل الماضي في اليمن بعد أن أطلق مسلح مجهول النار عليه، بينما كان متجهًا في مهمة للجنة الدولية لزيارة أحد السجون. وقد لخص بيان أصدرته اللجنة الدولية في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي معضلة اليمن الحقيقية، فمع أن الوصول إلى حل سياسي في البلاد يُعد مطلبًا عاجلًا، لكن المعاناة القاسية ستستمر طالما تجاهلت الأطراف المتحاربة القانون الدولي الإنساني – أيْ قوانين الحرب التي تكفل الحماية للمدنيين. فللحرب قواعد ويجب على أطراف النزاع احترامها، حتى في غمرة أشرس المعارك.