لم نجد مناسبة أفضل من ذكرى مرور عشرين عامًا على إطلاق مجلة «الإنساني» (صدر عددها الأول في كانون الأول/ ديسمبر 1998)، كي نفتح ملفًّا طالما وجهت هذه المجلة عنايتها إليه، وخصصت له جل جهودها، وهو تغطية الحروب وفتح نافذة للسكان المدنيين كي يحدثونا عن معاناتهم.

يتلاحم الأمران في هذا العدد؛ أي احتفالنا بعيد «الإنساني» العشرين، مع محاولة تقديم كشف حساب للتغطيات الإعلامية للموجة الأخيرة من نزاعات المنطقة العربية. استهلت مجلتنا هذه رسالتها استهلالًا متواضعًا (في الإمكانيات) لكن بتفرد واضح: انطلقت كنشرة تنشر ثقافة القانون الدولي الإنساني وتعطي، في الوقت نفسه، صوتًا للفئات التي تتحدى واقع الحرب: النساء والرجال من المتضررين من النزاعات، من النازحين واللاجئين والعاملين في المجال الإنساني وأطقم الرعاية الصحية، والصحافيين الذين يحاولون نقل حقيقة ما يجري على مسرح القتال. كانت التغطية الخبرية من الميدان معطوفة دائمًا على محاولات لتقديم القانون الدولي الإنساني لطائفة أوسع من القراء. لم تكل «الإنساني» ولم تمل من أن تكرر في كل عدد أن للحرب قواعد، كحظر استهداف غير المقاتلين والأعيان المدنية، وأن على جميع الأطراف المنخرطة في القتال احترام هذه القواعد.

وخلال السنوات العشرين الماضية، صدر من «الإنساني» أربعة وستون عددًا، تمثل شهادة ووثيقة لمختلف النزاعات المسلحة التي مرت بها المنطقة والعالم، وصولًا إلى موجة الحروب الطاحنة التي اجتاحتنا منذ العام 2011، والتي رأينا فيها الملايين وهي تفر هاربة بحياتها، نازحة أو لاجئة، مخلفة وراءها مدنها الأثيرة وهي تترنح تحت وقع هجمات عسكرية قاسية.

وكما علمتنا خبرة الحرب العالمية الأولى، التي مرت منذ أسابيع ذكرى مرور مئة عام على نهايتها، فهناك وجوه ومعانٍ أخرى للحرب غير صور المعاناة الصامتة والدمار الوحشي. في حرب الأعوام (1914-1918)، لم تؤدِّ الأعمال القتالية إلى تطورات في مجالات التكنولوجيا والمواصلات والطب فحسب، وإنما أدت إلى ظهور تيارات تنادي بالسلام وتبدي مشاعر فياضة من التضامن الإنساني مع معاناة السكان المدنيين. في هذه الحرب أيضًا قفزت التغطية الصحافية للحروب لمستويات لم يعهدها العالم آنذاك.

وبوجه ما من الشبه، كانت حروب العالم العربي مناسبة ظهر من بين ثناياها طائفة من مراسلي الحرب العرب، قدموا تغطيات على مستوى رفيع من العمق والإحاطة: تجدهم يتحدثون بعربية صريحة وفصيحة، عربية واضحة ودقيقة، ولا تخلو أبدًا من بلاغة حية في وصف واقع لا نذكر له شبيهًا في تاريخنا الحاضر. حاول هؤلاء نقل صور لم يألفها أغلب من يعيشون في المنطقة العربية حاليًّا. صور قتل مئات الآلاف، واقتلاع ملايين السكان من جذورهم، والقضاء على حواضر عربية وعلى ما تمثله من فرادة في العمارة والفنون والآداب. بعض هؤلاء الصحافيين تمسك بحياد راسخ، وحافظ على مسافة متوازنة من جميع أطراف القتال (على ما قد يبديه البعض من تحفظ على «حياد الصحافي»)، وبعضهم مال برأي لهذا الطرف أو ذاك. لكن النتيجة حاضرة وظاهرة: سمعنا أصواتًا عربية، تروي مأساة الحروب. تابعنا صحافيات وصحافيين ناضلوا من أجل تقديم تغطية شاملة وعادلة ومتوازنة لمختلف السياقات التي مزقتها الحروب في المنطقة.

في هذا العدد، نحاول أن نستمع إلى صحافيين وهم يروون لنا قصص الحروب التي خاضوا غمارها، يسردون لنا شهاداتهم وهم يجتازون امتحان أن تكون صحافيًّا موضوعيًّا زمن الحرب. أصحاب هذه الشهادات صحافيات وصحافيون أضحى لهم باع طويل في تغطية الحروب، ومكانة في التركيز على أن غير المقاتلين في الحروب بشر من لحم ودم، وليسوا مجرد أرقام.

وهذا ملفنا الرابع في «الإنساني» عن الإعلام والنزاعات المسلحة. استعرضنا في العدد 31 (صدر في 2005) موضوع «الإعلام وقضايا العمل الإنساني»، وبادرنا في العام 2011 وتحدثنا عن حماية الصحافيين في النزاعات المسلحة في ملف العدد (52) وعنوانه «الإعلاميون..شهودًا على الحرب». وبقدر أكبر من التفصيل، رصدنا في العام 2015 في العدد (58) تحديات الدور الإعلامي لـ «شبكات التواصل الاجتماعي… ذواتنا المتمددة

نأمل أن تجدوا ما يفيد في هذا العدد، على وعد أن تستكمل «الإنساني»، وهي تبدأ عامًا جديدًا من حياتها، مهمتها في أن تكون صوتًا لمن لا صوت لهم في حروب عالم اليوم.