في نوبة استرجاع ومراجعة، يكتشف الكاتب الذي يشكل أدب الرحلة جزءًا مهمًّا من كتاباته، أنه، لا شعوريًّا، ظل يبحث عن صروح الآلام البشرية في ثنايا جمالات الطبيعة ومفاتن التمدين في كل مكان ذهب إليه وكتب عنه، في الغرب كما في الشرق، في الشمال كما في الجنوب. ويظل سؤال هذا الاكتشاف معلقًا في خاطره، بينما ذاكرته تستعيد ما يتوالى عليها من صور.

في حديقة «بابيار» التي تشكل جزءًا من غابة لأشجار الحور والبتولا والكستناء البرية في قلب مدينة «كييف» الأوكرانية، تنفغر في الأرض حفرة دائرية هائلة مبطنة بالنجيل الأخضر المفروش بالزهور، ومن أقصى منخفض في مركزها يسمق نصب حجري يعلوه تمثال برونزي لمجموعة من البشر تأكلهم النيران أحياءً، نساء يحملن أطفالهن، وأطفال يتشبثون بأرجل الأمهات والأطفال، وتُصدِر أفواههم جميعًا صرخات رَوَع بلا صوت، بينما عيونهم تكاد تخرج من المحاجر ألمًا وفزعًا. إنه صرح الأسرى من سكان المدينة، الذين قيل إن القوات الهتلرية جمعتهم وأحرقتهم في هذه الحفرة بعد سقوط كييف في يد النازي.

وفي البقعة المُسمَّاة «قمة العالم»، على جبل المائدة في «كيب تاون» بجنوب أفريقيا، يشق المتجول بجسمه ضباب السحب السارحة قرب الأرض، ويتنعَّم البصر بغابة غنَّاء من أشجار السرو ومروج العشب والزهور البرية، ويسمع في رحاب السكون والسكينة صدح طيور آمنة، وخفق أجنحة جذلَى بين الأغصان. وعبر هذا الدغل الفاتن، يتبدَّى بناء صغير ناصع البياض، يتضح أنه واحد من عشرات الأضرحة على قمم جبال الكاب، ترقد فيها رفات الرعيل الأول من الماليزيين، الذين جلبهم الهولنديون قسرًا في بداية القرن 17، ليعملوا في مزارع الشركة الهولندية، ثم يُقتلون لأهون الأسباب، ولا يجد ذووهم أماكن لمواراة جثامينهم سوى سطح هذا الجبل الذي كان مهجورًا، ثم تمضي عشرات السنين فتتحول هذه القبور إلى أضرحة.

وفي جنوب أفريقيا أيضًا، وعلى تل من التلال التي تحيط بمدينة بريتوريا البديعة المنبسطة في السفح، والتي تتبدى في الربيع بساطًا بنفسجيًّا تصنعه زهور «الجاكاراندا» التي تتفتح خلابة رهيفة على الأغصان قبيل بزوغ الأوراق. وفي منطقة مشجرة ومزهرة مساحتها عدة كيلومترات مربعة تُسمى «وِنُن» والتي تعني «البكاء» في لغة «البوير» أو «الأفريكان» من الهولنديين الذين استوطنوا هذا البلد، يرتفع بطول أربعين مترًا، وعرض أربعين مترًا، بناء من الجرانيت الوردي يُسمى «صرح النازحين»، يُسجل جانبًا من مذابح لم تستثنِ أبيض ولا أسود على هذه الأرض.

مذابح بدأت مع اتخاذ «رأس الرجاء» أو «رأس العواصف» في أقصى جنوبها ــ بين الأطلسي والهندي ــ محطةً للحصول على الخضراوات واللحوم الطازجة لسفن الغزاة الأوروبيين المتجهة نحو مستعمراتهم في آسيا، لوقاية بحارتها من داء «الاسقربوط» الذي حصد كثيرين من أسلافهم جراء اعتمادهم على الأغذية الجافة في رحلاتهم الطويلة من غرب أوروبا إلى تلك المستعمرات المنكوبة.

هذا الصرح الجرانيتي المطل على بريتوريا البنفسجية البديعة، بناء باذخ المعمار استلهمه مصممه من معبد أخناتون في طيبة، ليُحيي ذكريات التضحيات التي قدمها البوير في سبيل أن ينعموا بالبقاء في جنوب أفريقيا التي اتخذوها موطنًا، وقد ناوأهم فيها البريطانيون فاضطروا للنزوح شمالًا ليصطدموا بقبائل الزولو، ثم استُدرجوا لمفاوضات مع ملك هذه القبائل، تاركين نساءهم وأطفالهم في معسكر ظنوه آمنًا، لكن ملك الزولو بتحريض من الإنجليز أرسل آلافًا من أتباعه إلى هذا المعسكر، وذبحوا كل من فيه حتى الرضع، فأسُمي المكان الذي شهد هذه المذبحة «أرض البكاء»، ولم يكن البكاء نهاية القصة.

لقد استدعى الدم مزيدًا من الدم، ففي 16 ديسمبر 1883 قام قائد البوير بإدارة معركة مع ملك الزولو، انهزم فيها الزولو وبلغ عدد قتلاهم ثلاثة آلاف في يوم واحد. ولم تتوقف المذابح المتبادلة بين البوير هولنديي الأصل وقبائل الزولو والهوسا من سكان البلاد الأصليين، فقد دخل البوير والإنجليز في حربين طاحنتين، حرب البوير الأولى، ثم حرب البوير الثانية التي أجج اشتعالها اكتشاف الذهب قرب جوهانسبرج عام 1886، وكانت النهاية لصالح الإنجليز الذين سيطروا على جنوب أفريقيا، مع استمرار الوجود الفاعل للبوير فيها، واستمرار شلال الدم، حتى سقوط دولة الفصل العنصري البيضاء، أو «الأبارتهايد».

وإلى الشمال من ساحل أفريقيا الغربي، في أعلى نقاط جزيرة «غوري» السنغالية، وسط حديقة طبيعية رائعة صنعتها الأمطار التي تهطل على المحيط الأطلسي وجُزره بسخاء، يبرز نُصب من الجص الهش ناصع البياض، شراعًا مليئًا بالثقوب الفاغرة، يرمز إلى أقصى اعتذار غربي حصل عليه ضحايا هذه الجزيرة في زمن تجارة العبيد، الذين تقرحت أجسامهم واختنقت صدورهم في قباء التخزين المعتمة، مُصفَّدي الأعناق والأرجل والأيادي، ينتظرون أن تنقلهم السفن عبر الأطلسي إلى مزارع القصب وأكواخ الخدم في ممتلكات غزاة الأمريكتين الأوروبيين. شراع مثقب تصفر فيه رياح الآلام لمن صاروا «سود أمريكا»، يعلن عن اعتذار خافت قدمه الرئيس الأمريكي «بيل كلينتون» للأفارقة، عندما زار ــ متأخرًا ــ جزيرة الآلام الأفريقية هذه.

وهناك، في آسيا، في تلك البقعة المسماة «الهند الصينية»، تنبسط «فينتيان»، عاصمة لاوس، ساجية في سكينة عتيقة لعلها الأعمق في العالم، وعبر شوارعها الترابية العريضة المسيجة بأشجار مدارية وارفة، وعلى مرأى من شواطئ نهر الميكونج الريان الفسيح، الباعثة على الطمأنينة، يشتري هذا الكاتب بثمن زهيد ــ للذكرى ــ غليونًا لتدخين الأفيون، تحفة من الفضة منقوشة برسوم بوذية، تؤرخ لأقذر تجارة كان الغزاة الغربيون يمولون بها حروبهم الباغية على هذا الجزء من الأرض، أفيون يميت أرواح ساكنيها، ويحرق جلودهم بالنابالم، ويسمم حقولها بالكاشف البرتقالي!

وها هي «فنوم بنه» الكمبودية التي يرويها الميكونج العظيم نفسه، وتجود عليها السماء بمطر مداري كأنه صنابير السماء تسخو بأقصى ما لديها من كرم، تغدو الشطآن مروجًا خُضرًا كثيفة الأشجار والثمار، وتضج مياه بحيراتها العذبة بثروة سمكية هائلة، ومع ذلك تبدو هذه العاصمة أفقر ما تكون، وأبأس ما تكون، مدينة لمبتوري الأذرع والسيقان الذين لا تتوقف ألغام حرب أهلية عمياء عن الانفجار تحت أقدامهم وبين أياديهم. وفي قلبها يقبع معتقل «سي لانج» بين أشجار نخيل جوز الهند العملاقة، مسلخًا تغطي جدرانه صور من قضوا تحت تعذيب زبانية «الأخ الأكبر» ــ بول بوت ــ مثلهم مثل الآلاف الذين كونت جماجمهم هرمًا في «حقول القتل» عند أطراف هذه العاصمة.

يتعب الكاتب من مراجعة ما كتبه عن بؤر الألم الإنساني في ثنايا جمال الطبيعة البكر وسخاء عطاياها، يتعب لأنه يتذكر الكثير من تفاصيل تلك الآلام التي كتب عنها أو لم تسعها مساحات الكتابة، فيسأل نفسه: أكان ضروريًّا تشويه جمال الطبيعة البكر بآثام ما اكتوى به البشر بين فتونها؟ وتقفز إلى خاطره صور متاحف التاريخ التي تُمجِّد الماضي البعيد، فيتعلق بوعيه معنى «المتاحف المضادة» فيما كتب وكتب غيره عن آلام إنسان الماضي القريب والحاضر الماثل بين جنبات هذا الكوكب، التي سببها ويسببها قلة من غلاة البشر بألف قناع وقناع. متاحف متنقلة عبر السطور، وعلى الورق، تحيي ذكريات المرارة الإنسانية، لعل البشرية تمتعض من تكرارها، ترفض تكرارها، ربما.