لطالما دفعت الآثار الفظيعة للحرب إلى بذل جهود في سبيل الحدّ من المعاناة والحفاظ على الإنسانية في أوقات النزاع. وسعى الناس، في جميع الثقافات والأديان والتقاليد القانونية، إلى كبح جماح العنف والحفاظ على قدر من الإنسانية في أوقات النزاع. بيد أن بزوغ الحركة الإنسانية الحديثة في القرن التاسع عشر شكّل نقطة تحول: فقد بات التراحم يتسم بقدر أكبر من التنظيم والتقنين والصبغة المؤسسية. وفي سياق الحروب الصناعية والتغيرات التكنولوجية وتزايد الوعي العام بالمعاناة المتكبدة في ساحات القتال، أخذت تتبلور أشكال جديدة من العمل الإنساني.
وفي هذا المقال، تعيد أناستازيا كوشليكو (Anastasia Kushleyko) وسيدريك كوتر (Cédric Cotter) وأحمد الداودي الخوض في مساهمات رجل الأعمال السويسري هنري دونان، ورجل الأعمال الخيري الروسي أناتولي ديميدوف، والفقيه والقائد الجزائري الأمير عبد القادر. وأثبت هؤلاء الأشخاص الثلاثة، من خلال جهودهم الرامية إلى حماية أسرى الحرب ورعاية الجرحى والتقيّد بالمعاملة الإنسانية خلال النزاعات، أن المبادئ الإنسانية ليست حكراً على منطقة واحدة دون أخرى ولا تستمد جذورها من تراث واحد بعينه. ويؤكد المؤلفون أن الحركة الإنسانية الحديثة انبثقت من التقاء الأفكار والشبكات والممارسات عبر مجتمعات مختلفة، وأن إعادة الخوض في هذه السير التاريخية يمكن أن يساهم في إعادة تأكيد الطابع العالمي للمبادئ الإنسانية اليوم.
عرفت البشرية الحروب منذ فجر تاريخها. ولطالما سعت مختلف الأديان والثقافات والتقاليد والأفراد والأنظمة القانونية عبر التاريخ إلى وضع أطر وضوابط للنزاعات المسلحة، والحدّ من وحشيتها، وإضفاء قدر من الإنسانية على ما كان يتحول في أغلب الأحيان إلى أعمال همجية ووحشية. بيد أن إضفاء الطابع المؤسسي على العمل الإنساني وتعميمه على الصعيد العالمي ظاهرتان حديثتان نسبياً. وقدّم ثلاثة أشخاص مساهمات رائدة ساعدت على رسم ملامح القطاع الإنساني بصيغته الحالية، وهم أناتولي ديميدوف، والأمير عبد القادر، وهنري دونان.
فقد دخلت أوروبا، بحلول منتصف القرن التاسع عشر، فترة حافلة بالمفارقات شهدت تطورات مذهلة في التكنولوجيا ووسائل الاتصال. وتمخض “التقدم” التكنولوجي في ساحات المعارك عن مذابح لم تعهدها البشرية قبل ذلك. فقد صارت البنادق ذات الماسورة الملساء والرصاصات المخروطية والمتفجرة أدوات قتل وتشويه لا تُبقي ولا تذر بقدر لم يُعرف له مثيل منذ عهد الحروب النابليونية. وفي الوقت ذاته، كانت وسائل الإعلام الجديدة، مثل التلغراف والصحف المصورة ومراسلات الجنود، تنقل واقع المعاناة من ساحات المعارك إلى المنازل مباشرةً. فلم يعد يُنظر إلى الجرحى والمحتضرين كأرقام مجردة في أماكن بعيدة، بل كأبناء وأزواج وإخوة[i].
وأفضى هذا الالتقاء بين العنف الصناعي وإبراز ويلات الحروب للعيان إلى تهيئة أرض خصبة لظهور مفهوم أطلق عليه أبناء ذلك العصر اسم “العمل الخيري العسكري”[ii]. فقد نادت أعلام بارزة مثل فلورنس نايتنغيل وكلارا بارتون والدوقة إيلينا بافلوفنا بضرورة تطبيق مبدأ التراحم في ساحات المعارك. وتزايد تركيز الكتّاب وأهل الفكر، من ديكنز وهوغو إلى ماركس وإنغلس وبرتا فون سوتنر وتولستوي، على المعاناة والظلم الاجتماعي. وازدهرت الجمعيات السلمية والمؤسسات الخيرية. وعلى حدّ تعبير بيير بواسييه، بدا “وكأن المجتمع شعر فجأة بتأنيب الضمير إزاء ضحاياه”[iii].
ولم تنشأ الصدمة التي ألـمّت بهنري دونان في سولفرينو عام 1859 في فراغ. فقد حظيت أفكاره بصدى كبير لأن الأجواء كانت مفعمة أصلاً بالطموحات الإنسانية والتطلع إلى تنظيم أعمال التراحم عبر الحدود وإسباغ الديمومة والحياد والطابع العالمي عليها. وتأثرت أفكاره بأفكار أشخاص آخرين سبقوه إلى ميدان العمل الإنساني عبر الحدود، ولا سيّما الأمير الروسي أناتولي ديميدوف في أوروبا والأمير عبد القادر في العالم الإسلامي. وأثبتت هذه النماذج أن القِيم الإنسانية يمكن أن تسود حتى في خضم العنف.
أناتولي ديميدوف: أمير العمل الخيري العالـمي
ورث أناتولي ديميدوف (1813–1870)، أمير سان دوناتو، إحدى أكبر الثروات في أوروبا عن سلالة من رجال صناعة روس فاحشي الثراء. وكان ديميدوف يتمتع بإحساس عالٍ بالمسؤولية الاجتماعية، فبادر إلى تمويل مستشفيات ومساكن للعمال ومؤسسات خيرية، فضلاً عن رعاية بعثات علمية ومشاريع فنية متنوعة.
وأفضت حرب القرم (1853–1856) إلى تحويل نهجه الخيري إلى نهج إنساني خالص. فقد ألمّ به فزع شديد على مصير أسرى الحرب، فبادر في أوائل عام 1854 إلى إنشاء وكالة على نفقته الخاصة سعت إلى تحقيق هدف بسيط جداً في ظاهره وجديد تماماً في جوهره: تحديد أماكن وجود الأسرى من جميع الأطراف، وتوثيق أسمائهم وأماكن احتجازهم، وإبلاغ عائلاتهم بأخبارهم، وإرسال الأموال والإمدادات إليهم، والتفاوض من أجل تحسين ظروف احتجازهم. وأنشأ ديميدوف، بفضل شبكاته الدبلوماسية والتجارية والفنية الواسعة في جميع أنحاء أوروبا، نظاماً من “المراسلين” المكلفين بتحديد أماكن وجود الأسرى ونقل الرسائل والتفاوض من أجل تحسين ظروف احتجازهم، بل وزيارتهم أيضاً – وهو نطاق لم يسبق لأية مبادرة إنسانية غير رسمية أن بلغته آنذاك[iv].
واتصل ديميدوف بدونان، بعدما قرأ كتابه المعنون “تذكار سولفرينو“، لدعم مبادرته وحثه في الوقت ذاته على توسيع نطاق اهتماماته الإنسانية لتشمل أسرى الحرب، الذين وصفهم بأنهم يعانون معنوياً بقدر معاناتهم جسدياً بسبب الفراق عن عائلاتهم وأوطانهم. وأكد ديميدوف، في رسالة كتبها من باريس، أنه بفضل تزويد أسرى الحرب “برسائل من أوطانهم وبأخبار عن عائلاتهم وبمعلومات مفيدة وبتحويلات مالية… يمكن تحسين أوضاعهم تحسيناً كبيراً”[v].
وأشار دونان، خلال الجمعية التأسيسية للّجنة الدولية للصليب الأحمر (اللجنة الدولية) في عام 1863، إلى اقتراح ديميدوف بشأن الأسرى، فلم يلق قبولاً لدى المندوبين آنذاك. واكتفت المؤسسة الناشئة حديثاً بالاهتمام بالجرحى، واعتبرت أن شؤون الأسرى تقع في نطاق اختصاص الدول وحدها.
ولكن الحجة التي ساقها ديميدوف نالت إعجاب دونان. فعاود طرح هذه المسألة بعد عام واحد بإصرار أشد، فقررت اللجنة الدولية في عام 1864، بناءً على ذلك، توسيع نطاق عملها ليشمل أسرى الحرب الجرحى[vi]. وشكّل هذا القرار نصراً حاسماً للرؤية التي دعا إليها ديميدوف. فقبل وقت طويل من اعتراف القانون الدولي بحق الأسرى في الانتفاع بالحماية القانونية، أثبت رجل ذو فكر راسخ وعزم صادق أنه يمكن التخفيف من معاناة هؤلاء الأشخاص فعلاً من خلال الاضطلاع بعمل محايد والتحلي بأبسط القِيم الإنسانية.
الأمير عبد القادر: فقيه محارب ذو مسلك إنساني
الأمير عبد القادر (1808-1883)، الذي غالباً ما يُعتبر أباً للجزائر الحديثة، كان فقيهاً إسلامياً وشاعراً ورجل دولة وقائداً عسكرياً. وتمثَّل الأمير في حياته ونضالاته بقِيم الفروسية والشهامة والإنسانية. وتضرب القِيم الإنسانية التي تحلى بها بجذورها في تراث المبادئ الإنسانية التي وضعها الفقهاء المسلمون منذ أكثر من ألف عام.
ويُذكر أن الأمير عبد القادر، في كفاحه ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر، وضع قواعد ترمي إلى ضمان المعاملة الإنسانية لأسرى الحرب ومعاقبة من يرتكبون انتهاكات بحقهم. وعلى حدّ تعبير حفيده المباشر، السفير الراحل إدريس الجزائري، فإن عبد القادر “وضع في عام 1842… مدونته الخاصة بحماية الأسرى. ودعا في خضم الحرب إلى عقد مؤتمر ضم 300 شخص من أبرز مستشاريه، فاعتمد هذه المدونة الثورية… ونصّت مدونة الأمير على حظر إساءة معاملة الأسرى وقتل جنود العدو العزَّل أو الأسرى… بل واعترفت المدونة بحق الأسرى في الاستعانة بقسيس والانتفاع بظروف المعيشة ذاتها التي تتمتع بها قوات الأمير”[vii].
ويوضّح الأستاذ مصطفى شريف أن عبد القادر كتب إلى أسقف الجزائر يطلب منه إيفاد قسيس إلى مرافق الاحتجاز التابعة للأمير لتقديم الخدمات لأسرى الحرب الفرنسيين، شريطة عدم الكشف عن أية معلومات عسكرية. وأُفيد بأن مهام القسيس شملت تقديم الدعم الروحي وتبادل المراسلات مع عائلات الأسرى للتخفيف من المعاناة الناجمة عن الاحتجاز. وتعهد عبد القادر أيضاً بحماية القساوسة ومعاملتهم بأقصى درجات الاحترام[viii].
ولا يوجد فيما يبدو دليل على وجود صلة بين عبد القادر وديميدوف، بيد أن كلاً منهما وضع آليات لضمان المعاملة الإنسانية لأسرى الحرب في عامَي 1842 و1854 على التوالي. وزار دونان الجزائر في خمسينيات القرن التاسع عشر لأغراض تجارية، وأدرك هنالك الجهود الإنسانية التي بذلها عبد القادر. وحظي عبد القادر بعظيم التقدير والإعجاب على الصعيد العالمي لإنسانيته، سواء خلال حياته أو بعد مماته، من قادة العالم والكتّاب والشعراء مثل الرئيس أبراهام لينكولن والملكة فيكتوريا والقيصر ألكسندر الثاني والسلطان عبد المجيد الأول ونابليون الثالث والفاتيكان وروبرت براونينغ وويليام ميكبيس ثاكري[ix].
هنري دونان: مهندس العمل الإنساني المنظَّم
ملأ هنري دونان الدنيا وشغل الناس فلم يكد يبق شيء يمكن أن يُقال في أمره. فكم من كتب وفصول أُفردت لتناول الرحلة التي أجراها إلى إيطاليا لأسباب تجارية مرتبطة بالاستعمار في حزيران/يونيو 1859، والصدمة التي أصابته عندما شاهد أهوال معركة سولفرينو، والتزامه الفوري بمساعدة الجرحى، وتأليفه كتاب “تذكار سولفرينو” بعد ذلك ببضع سنوات، وإنشاء اللجنة الدولية في شباط/فبراير 1863، فشكّلت كل هذه العناصر قوام قصة أسطورية في تاريخ الحركة الإنسانية.
وطرح دونان في كتابه فكرتين سرعان ما تحققتا: إنشاء جمعيات إغاثة لمساعدة الجرحى في أوقات الحرب، ووضع معاهدة دولية لحماية الجرحى ومن يقدمون لهم الرعاية على حدّ سواء. وفي تشرين الأول/أكتوبر 1863، تمخض مؤتمر دولي نظّمه مؤسسو اللجنة الدولية عن إنشاء ما عُرف لاحقاً بالجمعيات الوطنية للصليب الأحمر، ثم الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. وجرى بعد أقل من عام توقيع اتفاقية جنيف الأولى. ففي غضون ما يزيد على خمس سنوات بقليل، تحوّلت تلك التجربة المريرة التي عاشها دونان في سولفرينو إلى أكبر حركة إنسانية عرفها التاريخ وأول معاهدة حديثة بشأن القانون الدولي الإنساني.
فلماذا كُتب لأفكار هنري دونان أن تتحول إلى أفعال ملموسة وأن تنال في نهاية المطاف ما نالته من مكانة خالدة؟
يُعزى نجاح أفكار دونان جزئياً إلى كونه كان محاطاً بأشخاص أتاحت خبراتهم العسكرية والقانونية والطبية والتنظيمية تحويل رؤية أخلاقية إلى أعمال ملموسة وعملية. فقد وفّر الجنرال غيوم هنري دوفور السلطة العسكرية والمكانة المرموقة، بينما امتلك غوستاف موانييه المهارات التنظيمية والمثابرة اللازمة لتطبيق هذه الأفكار على أرض الواقع، وأضفى الجراحان لوي أبيا وتيودور مونوار الشرعية الطبية على هذه الأعمال.
ويُعزى نجاح أفكار دونان أيضاً إلى قدرته على الترويج لأفكاره بحيوية وحماس. فلم يكد ينشر كتابه “تذكار سولفرينو” حتى سارع إلى إطلاع أبرز الشخصيات في زمانه عليه. وكثّف وتيرة الاجتماعات التي عقدها والمراسلات التي أجراها في شتى بقاع أوروبا. وكان دونان قادراً على نقل رؤيته إلى الآخرين وأثبت براعته في بناء شبكات العلاقات.
ولم يتمكّن ديميدوف من حضور مؤتمر تشرين الأول/أكتوبر 1863 لأسباب صحية، بيد أنه تبادل الرسائل مع دونان، وهو ما ساعد على التعريف باقتراحاته ومناقشتها خلال ذلك الاجتماع.
ولم يثبُت عقد لقاء بين دونان وعبد القادر، ولكن كان بينهما صديق مشترك وهو تشارلز آينارد، الذي بذل مساعٍ من أجل إطلاق سراح عبد القادر من الاحتجاز في فرنسا في عام 1852. وكان آينارد يعتقد أن كتاب دونان المعنون “مذكرة عن إيالة تونس” سيثير اهتمام عبد القادر، الذي كان دونان معجباً به ويقارنه بيوغرطة ملك نوميديا، مشيراً إلى أوجه التشابه بين مقاومة الحكم الروماني في شمال أفريقيا ونضال عبد القادر ضد الاحتلال الفرنسي:
“خاض حفيده يوغرطة، حسبما هو معلوم، كفاحاً ضارياً ضد الرومان دام سبع سنوات، واحتشد حوله جميع النوميديين من أهل المدن والجبال، مثلما احتشد العرب والقبائل في الجزائر في عصرنا هذا حول الأمير عبد القادر لمقاومة الفرنسيين. بيد أن يوغرطة، الذي تجمعه صفات مشتركة كثيرة بالقائد العربي المعاصر، مات جوعاً في روما عن عمر الأربعة والخمسين عاماً في زنزانة رطبة كريهة زُجّ به فيها بسبب النزعة الانتقامية لدى الرومان، بينما أنهى الأمير عبد القادر حياته الزاهرة بسلام في مدينة بورصة بفضل الإمبراطور اللامع الذي يحكم فرنسا اليوم”[x].
الخاتمة: الحركة الإنسانية الحديثة في طور التكوين
عاش في منتصف القرن التاسع عشر ثلاثة رجال من أقطار شتى ينحدرون من مشارب اجتماعية مختلفة ويحملون معتقدات ورؤى سياسية متباينة للغاية، ولكن جمعهم الشعور بالغضب تجاه معاناة البشر ونذروا أنفسهم لتحسين أوضاع المتضررين من الحروب.
وما كان دونان وعبد القادر وديميدوف يعملون وحدهم في الميدان بل سار في ركبهم آخرون كثر. فخلال حرب القرم، نهضت فلورنس نايتنغيل بتنظيم أنشطة رعاية الجنود البريطانيين الجرحى، واقترح فرديناندو بالاشانو وهنري أرنو توفير الرعاية الطبية للجرحى بطريقة محايدة، ووضع فرانسيس ليبر قواعد تنظِّم سير الأعمال العدائية وحماية ضحايا الحرب. وبرزت أفكار إنسانية مماثلة في الوقت ذاته في شتى بقاع العالم، فساهمت في نهاية المطاف في رسم ملامح القانون الدولي الإنساني والمهمة المسندة إلى اللجنة الدولية. وندعو القراء إلى التأمل واستحضار شخصيات وتقاليد إنسانية مماثلة من بلدانهم وتاريخهم، فقد يكون الكثير منها لا يزال ينتظر الخروج من دائرة النسيان إلى دائرة التقدير والاعتراف في الذاكرة الجماعية للحركة الإنسانية.
وقد تبدو المسارات الشخصية المذكورة آنفاً، بعد مرور أكثر من 160 عاماً، أبعد ما تكون عنّا وكأنها تنتمي إلى حقبة خلت، ولكنها ما زالت ترتبط ارتباطاً وثيقاً بواقعنا الراهن.
فقد نشأ القانون الدولي الإنساني مثلاً في سياق تاريخي وثقافي معيّن، بيد أن المبادئ الإنسانية التي يقوم عليها مبادئ شاملة وعالمية فعلاً. ووُلد الصليب الأحمر واتفاقيات جنيف في سويسرا نتيجة لظروف عارضة متنوعة، ولكن كان من الممكن أن ترى النور في أية بقعة أخرى من بقاع الأرض.
وقدّم هؤلاء الرواد أيضاً حلولاً ملموسة وعملية لمشكلات فعلية. فقد تحلّوا ببصيرة استشرفوا بها جوهر القانون الدولي الإنساني الذي لا يُعدّ مجموعة فلسفية من المبادئ القانونية بقدر ما يتمثل في إضفاء طابع رسمي على وسائل ملموسة من أجل مساعدة الأشخاص المتضررين من النزاعات المسلحة وحمايتهم.
وما زال التزامهم الشخصي أو الجماعي الذي أبدوه في زمانهم يفيض بالقيمة ذاتها حتى يومنا هذا. ففي منتصف القرن التاسع عشر، شعر الناس بالمسؤولية عن التخفيف من المعاناة الناجمة عن الحروب. وبادر الكثيرون إلى إحداث التغيير المنشود دون أن يشغلوا مناصب سياسية. فأعضاء المجتمع المدني هم من وضعوا مبادرات إنسانية كبرى ونظّموا المساعي الرامية إلى تنفيذها، مثلما استحدثوا فكرة وضع ما أصبح فيما بعد القانون الدولي الإنساني الحديث.
وتواصل اللجنة الدولية اليوم، انطلاقاً من تلك النداءات السابقة إلى العمل، تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني من خلال المبادرة العالمية لتجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني. وتقع المسؤولية الأساسية عن احترام القانون الدولي الإنساني وضمان احترامه على عاتق أطراف النزاع، بيد أن حماية هذا الإرث الإنساني تظل مسؤولية جماعية.
ويذكّرنا استحضار هذه الشخصيات التاريخية الثلاث بالإنسانية المتأصلة في أفئدة جميع البشر، تلك الإنسانية التي لا تتبدل مع تقلُّب العصور والأزمان ولا تتغير باختلاف الأماكن والثقافات. وبعد انقضاء أكثر من 160 عاماً، ما زالت أصداء الإرث الذي خلّفه دونان وديميدوف وعبد القادر تتردد في الآفاق تجوب الحدود والثقافات والتقاليد. وإن اجتماع ثلاثة زملاء في اللجنة الدولية من بلدان مختلفة للتفكير معاً في هذه السِير التاريخية وكتابة هذا المقال لبرهان يذكّرنا بأن العمل الإنساني لم يكن يوماً حكراً على أمة دون أخرى أو على حضارة بعيّنها، بل ينبثق من دافع إنساني مشترك يروم حماية كرامة الإنسان في أوقات الحرب.
نشر هذا المقال بالإنكليزية في مدونة “القانون الإنساني والسياسات”
المصادر
[i] للمزيد من المعلومات عن البيئة الفكرية والاجتماعية آنذاك ومساهمتها في بزوغ الأفكار الإنسانية، انظر: Daniel Palmieri, “An Institution Standing the Test of Time? A Review of 150 Years of the History of the International Committee of the Red Cross,” International Review of the Red Cross, Vol. 94, No. 888 (2012), p. 1273. Marion Harroff-Tavel, Preface in Préludes et pionniers — Les précurseurs de la Croix-Rouge, 1840–1860, ed. Roger Durand and Jacques Meurant, with the collaboration of Youssef Cassis, Geneva, Société Henry Dunant, Collection Henry Dunant No. 5, 1991, p. 414. Daniel Palmieri, “Post tenebras lux: New perspectives on the foundation of the Red Cross,” in Wolfgang U. Eckart and Philipp Osten (eds), Schlachtschrecken – Konventionen. Neuere Medizin- und Wissenschaftsgeschichte, Vol. 20, Herbolzheim: Centaurus Verlag & Media, 2011, p. 18.
[ii] Palmieri, “Post tenebras lux”, p. 18.
[iii] Boissier, Pierre, From Solferino to Tsushima – History of the International Committee of the Red Cross, Geneva, Henry Dunant Institute, 1985, p. 345.
[iv] Marie-Pierre Rey, “Le prince Anatole Demidoff, la Crimée et le Comité international d’aide aux prisonniers de guerre,” in Marie-Pierre Rey, Jean-François Figeac and Éric Anceau (eds), La Guerre de Crimée, première guerre contemporaine, Paris, Classiques Garnier, 2025, p. 170.
[v] مراسلة أناتولي ديميدوف إلى هنري دونان، باريس، 29 أيلول/سبتمبر 1863، محفوظات اللجنة الدولية.
[vi] Rey, p. 174.
[vii] إدريس الجزائري، “إرث الأمير عبد القادر الجزائري أو عالمية القِيم الإسلامية”، محاضرة ألقاها السفير إدريس الجزائري، 15 شباط/فبراير 2017، مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، جامعة أكسفورد، 15 شباط/فبراير 2017.
[viii] See Mostapha Cherif, “Conférence Introductive: L’émir Abdelkader Précurseur Du Droit Humanitaire”, L’émir Abdelkader Et Le Droit International Humanitaire, Colloque international, Algeria, ICRC, 2013, p. 7.
[ix] إدريس الجزائري، “إرث الأمير عبد القادر الجزائري أو عالمية القِيم الإسلامية”، محاضرة ألقاها السفير إدريس الجزائري، 15 شباط/فبراير 2017، مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، جامعة أكسفورد، 15 شباط/فبراير 2017.
[x] Son petit-fils Jugurtha soutint pendant sept ans, comme on le sait, une lutte acharnée contre les Romains, tous les Numides des villes et des montagnes s’étant ralliés à lui, de même que de nos jours les populations arabes et kabyles de l’Algérie se liguèrent, autour de l’Emir Abdel-Kader, pour résister aux Français. Mais Jugurtha qui a tant de rapports d’ailleurs avec le chef arabe moderne, mourut de faim à Rome à l’âge de cinquante-quatre ans, dans un cachot humide et infect où la vengeance des Romains l’avait plongé, tandis qu’Abd-el-Kader, grâce à l’illustre Empereur qui gouverne aujourd’hui la France, termine paisiblement à Broussa son existence extraordinaire (https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k6209787t, p. 5-6)^.




تعليقات