يعاني سكان الساحل بدرجات متفاوتة من مشاكل إنسانية ناجمة عن النزاعات المسلحة والعنف في المنطقة. كذلك فإن المنطقة من بين الأكثر تضررًا من تغير المناخ، ما يزيد من تفاقم الظروف الإنسانية الهشة بالفعل.

ودفعت الأعمال العدائية المستمرة وانعدام الأمن الغذائي، التي تفاقمها النزاعات المسلحة وتغير المناخ، سكان الساحل إلى النزوح والهجرة على نطاق واسع داخل حدود الدول وفي جميع أنحاء المنطقة.

وفي بداية تفشيه، أضاف وباء كوفيد-19 المزيد من التعقيد للمشهد، ما أدى إلى تقييد وصول المساعدات الإنسانية في المنطقة مع ارتفاع وتيرة النزاع المسلح والعنف.

ونظرًا للأهمية الفائقة التي تمثلها هذه المنطقة من العالم، خصصت المجلة الدولية للصليب الأحمر عددًا شاملًا يلقي  نظرة فاحصة على الوضع في منطقة الساحل حاليًّا، فيتناول بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر. 

ويضم العدد 17 مقالًا أكاديميًّا ومقابلات حول القضايا المعقدة في المنطقة، تشمل مجموعة فريدة من المقالات تحمل وجهات نظر الدوائر الدبلوماسية والجهات الفاعلة الإنسانية والقوات المسلحة ومراكز الفكر والمؤسسات المالية، فضلًا عن الخبراء القانونيين والزراعيين وخبراء تغير المناخ.

والمقالات والمقابلات الأكاديمية التي يضمها هذا العدد تُعد بمثابة مرجع مهم حول القضايا المعقدة التي يواجهها سكان الساحل، وكذلك نقطة انطلاق مهمة للمناقشات الدبلوماسية والسياسية والإنسانية والأكاديمية التي تهدف إلى التصدي للتحديات الإنسانية المعقدة في منطقة الساحل.

ويقدم هذا العدد من المجلة، الذي أسهم فيه واحد وعشرون مؤلفًا بمجموعة واسعة من القضايا التي تؤثر على الحياة اليومية لسكان الساحل، دعوة للعمل ودافعًا لضمان احترام القانون الدولي الإنساني – والقانون الدولي بشكل عام – في منطقة الساحل.

معلومات أساسية

تمتد منطقة الساحل لمسافة 5000 كيلومتر من المحيط الأطلسي غربًا إلى البحر الأحمر شرقًا، وهي موطن لأكثر من 150 مليون شخص من عشرة بلدان. لأغراض هذا العدد، سيكون محور التركيز الرئيسي على أربعة بلدان: بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد. يعاني سكان الساحل بدرجات متفاوتة من مشاكل إنسانية ناجمة عن النزاعات المسلحة والعنف في المنطقة. كذلك فإن المنطقة من بين الأكثر تضررًا من تغير المناخ، ما يزيد من تفاقم الظروف الإنسانية الهشة بالفعل.

ودفعت الأعمال العدائية المستمرة وانعدام الأمن الغذائي، التي تفاقمها النزاعات المسلحة وتغير المناخ، سكان الساحل إلى النزوح والهجرة على نطاق واسع داخل حدود الدول وفي جميع أنحاء المنطقة. وفي بداية تفشيه، أضاف وباء كوفيد-19 المزيد من التعقيد للمشهد، ما أدى إلى تقييد وصول المساعدات الإنسانية في المنطقة مع ارتفاع وتيرة النزاع المسلح والعنف.

نساء الساحل: صور لنساء يعشن في ظل العنف والنزاع في منطقة الساحل

ساهم النزاع المسلح والعنف والصدمات المناخية والنزوح ووباء كوفيد-19 في خلق حالة إنسانية شديدة التعقيد في منطقة الساحل بأفريقيا. ويشعر المدنيون بتأثير هذه العوامل أولًا وقبل كل شيء. وتشير الخيوط المتداخلة التي تدور في روايات العديد من المقالات في هذا العدد من المجلة إلى التحديات الخاصة التي تواجه النساء في منطقة الساحل – بسبب وضعهن الضعيف – والدور الرئيسي الذي يلعبنه في مجتمعاتهن. إذ يتعين على هؤلاء النساء أن يتعاملن مع الأمر بمفردهن: فآباؤهن وأزواجهن وأبناؤهن إما محتجزون أو مفقودون.

وتشمل التحديات التي يواجهونها الحصول على الغذاء والرعاية والتعليم والعمل، فضلًا عن إعادة بناء حياتهن ومنازلهن. وفي كفاحهن اليومي من أجل البقاء، يظللن أيضًا أهدافًا رئيسية للهجمات العنيفة. وتنشأ هنا مسألتان إنسانيتان: الأولى والأكثر وضوحًا هي الحماية، أما الثانية فهي مسألة ذات أهمية متزايدة تتركز في إدماج المرأة ومشاركتها.

في الواقع، طرأ تغير في النظرة إلى النساء على أنهن ضحايا ضعيفات، والاعتراف بهن كعوامل تغيير فعالة – بل رئيسية – في المنطقة، وبالتالي إبراز أهمية الاستثمار في المرأة، القوة الدافعة وراء جهود إعادة بناء المجتمع. وتعكس قصص النساء من منطقة الساحل الواردة هنا رغبتهن في إعادة بناء مجتمعاتهن وقدرتهن على الصمود.

انطباق القانون الدولي الإنساني على أعمال العنف التي يرتكبها مسلحون مجهولون في منطقة الساحل: حالة بوركينا فاسو

عانت بوركينا فاسو من هجمات نُسبت في أغلب الأحيان إلى أفراد مسلحين مجهولين. تحدث هذه الهجمات في منطقة تقع تحت تأثير الجماعات الإرهابية وكذلك الجماعات الإجرامية. ولا ينبع عدم الاستقرار السائد من نزاع مسلح سابق، ولكن من تدهور مستمر ناتج عن هجمات لا ضرورة لها.

ويكمن التحدي هنا في إمكانية انطباق القانون الدولي الإنساني في سياق لا يتسنى فيه تحديد مرتكبي أعمال العنف.وهذا يتطلب مراجعة شروط تطبيق القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة غير الدولية لتقييم مدى ملاءمتها في سياق إنتاج العنف دون تحديد الجناة.

التحديات التي تواجه تنفيذ قواعد وصول المساعدات الإنسانية في منطقة الساحل

في حين أن قواعد القانون الدولي الإنساني بشأن وصول المساعدات الإنسانية واضحة، فإن تنفيذها على المستوى الوطني قد يكون صعبًا. ولضمان الاحترام الكامل لهذه القواعد، يجب على الدول أن تحقق توازنًا بين الحفاظ على أمن السكان المدنيين والمنظمات الإنسانية وضمان حصول الناس على السلع والخدمات التي تمكنهم من التمتع الكامل بحقوقهم.

ويسعى هذا المقال إلى إلقاء الضوء على سبل تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحكم وصول المساعدات الإنسانية في سياق منطقة الساحل بأفريقيا: يصف أولًا تعدد العناصر المسلحة الموجودة في منطقة الساحل والوضع الإنساني في هذه المنطقة. ثم يتناول المقال الإطار القانوني المنطبق على وصول المساعدات الإنسانية بموجب القانون الدولي الإنساني المنطبق في النزاعات المسلحة غير الدولية.

كما يبحث المقال في التدابير التي اتخذتها دول الساحل لحماية السكان المدنيين والمنظمات الإنسانية، مثل اللجوء إلى إعلان حالة الطوارئ والحراسة المسلحة. وقد ثبت أن هذه الإجراءات يمكن أن تعرقل إيصال المساعدات الإنسانية المحايدة. وأخيرًا، يصف المقال بعض الحلول الإبداعية التي طرحتها دول الساحل لتيسير وصول المساعدات الإنسانية.

وتشمل الأمثلة على ذلك إنشاء آليات تنسيق لتعزيز الحوار حول وصول المساعدات الإنسانية، إذ تُدعى جميع الجهات الفاعلة المعنية للمشاركة، واعتماد الأطر القانونية المحلية المتعلقة بوصول المساعدات الإنسانية والتي يُعترف من خلالها بهذا الوصول والمعاقبة على عرقلته، كما يُعترف بالاستثناءات الإنسانية في قوانين مكافحة الإرهاب.

لماذا تحتاج المجتمعات التي تستضيف النازحين داخليًّا في منطقة الساحل إلى حماية قانونية أقوى وأكثر فعالية؟

تُعد المجتمعات المضيفة في منطقة الساحل من بين أكثر المتضررين من النزوح الداخلي المتكرر، لكن غالبًا ما يجري تجاهلهم في تقديم الاستجابة للنزوح. علاوة على ذلك، لم يحظَ وضعهم باهتمام كبير من الباحثين أو غيرهم من المراقبين. ويذهب هذا المقال إلى ضرورة توفير الحماية الكافية لهذه المجتمعات، لا سيما أنها تلعب دورًا رائدًا في توفير الحماية الإنسانية والمساعدة للأشخاص النازحين داخليًّا.

يبدأ المقال بإلقاء الضوء على الصكوك القانونية التي تحمي السكان المتضررين من النزوح القسري، من أجل تحديد الحماية القانونية التي تقدمها تلك الصكوك للمجتمعات المضيفة للنازحين داخليًّا.

ينتقل المقال بعد ذلك لتحليل وإبراز مزايا التطبيق الكامل لهذه الحماية. ويركز على أن العنف المتكرر وانتهاكات القانون التي تعاني منها هذه المجتمعات تعرقل التحقيق الكامل لتلك المزايا. وأخيرًا، يقترح المقال حلولًا من شأنها التغلب على أوجه القصور الملحوظة وبالتالي ضمان تعزيز حماية المجتمعات المضيفة للنازحين داخليًّا في بوركينا فاسو ومالي والنيجر.

جبر الضرر لصالح ضحايا الأعمال الإرهابية في نزاعات الساحل: حالة النيجر

بعد بدء الأزمة في مالي في عام 2012، اندلعت نزاعات عديدة في بلدان الساحل وأسفرت عن العديد من الانتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وبينما وضعت هذه القوانين في المقام الأول لحماية الأفراد بمختلف فئاتهم، فإنها تتطلب أيضًا تقديم تعويضات عن الضرر الذي يلحق بضحايا الانتهاكات.

وعلى الرغم من العدد المتزايد لضحايا النزاعات في منطقة الساحل بوجه عام وفي النيجر بوجه خاص، فإن دول منطقة الساحل لم تعطَ الأولوية للوفاء بالتزامها حيال تعويض الضحايا وجبر الضرر.

ومع ذلك، فإن طبيعة الضرر الذي يتعرض له الضحايا في هذا السياق (نتيجة استهداف المدنيين في بعض الأحيان) في النزاعات المتعلقة بالإرهاب، تتطلب رد فعل سريعًا من جانب الدول، لأنها الهدف الحقيقي للأعمال التي يرتكبها الإرهابيون بوصفهم جماعات مسلحة غير تابعة للدولة، في حين أن الأفراد والمجتمعات المحلية ليسوا سوى «ضحايا بالوكالة».

يجب أن تضع الدول إطارًا قانونيًّا ومؤسسيًّا وتشغيليًّا لتعويض الضحايا، وهو ما لم يحدث بعد، على الرغم من أنه أحد شروط حل النزاع الدائم. ويمكن الاستفادة من المبادرات المتفرقة التي أُطلقت في النيجر إذا جمعت في إطار شامل ذي رؤية استراتيجية عالمية.

حق النازحين داخليًّا في منطقة الساحل في المياه

زاد عدد النازحين داخليًّا بشكل كبير خلال السنوات الخمس الماضية في بلدان منطقة الساحل. ويرتبط هذا الوضع بظهور عدد لا يُحصى من الجماعات المسلحة، ولا سيما في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

تهدف هذه الدراسة إلى تقييم حق النازحين داخليًّا في منطقة الساحل في الحصول على المياه. ومن ثم، فإنه تبحث الدراسة في القانون الدولي الإنساني ونظم القانون الدولي الأخرى لتحديد الأسس القانونية التي تحمي وتضمن حق النازحين في المياه.

وتلقي الدراسة الضوء على الخلفية السياقية للنزوح الناجم عن النزاع المسلح في منطقة الساحل، وتؤكد حق النازحين داخليًّا في بلدان الساحل في المياه.

ولا يُستمد هذا الحق من القانون الدولي الإنساني فحسب، بل أيضًا من القواعد الدولية التكميلية الأخرى المنطبقة حتى في حالات النزاع. وتناقش الدراسة وتوصي بالوسائل القانونية والعملية التي يمكن من خلالها تحقيق حق النازحين في المياه بشكل أفضل في السياق الحالي لمنطقة الساحل.

ارتباط النظم الغذائية بأزمة المناخ ودورها في إحلال السلام والأمن في منطقة الساحل

تنطوي النزاعات على تعقيدات قد لا تبدو ظاهرة، تدور حول ارتباط أسباب اندلاعها وعواقبها ارتباطًا معقدًا بالمناخ والتدهور البيئي والصراع حول السيطرة على مجموعة محدودة من الموارد الطبيعية. إن أزمة المناخ واقع متعدد الأوجه، بات التصدي له أولوية ملحة. فالتأثير المدمر لتقلب المناخ وتغيره على النظم الغذائية أصبح حادًّا ويشكل تهديدًا مباشرًا وملموسًا لسبل العيش على مستوى العالم.

وتهدف هذه الدراسة إلى استعراض أهمية النظم الغذائية في ظل أزمة المناخ ودورها في تفاقم النزاعات في منطقة الساحل، واقتراح تدخلات تتجاوز الحلول العسكرية والأمنية المعتادة. فتذهب الدراسة في تركيزها على منطقة الساحل إلى أن (1) تكرار مخاطر المناخ وزيادة التعرض لتقلبه، (2) وجود بؤر ساخنة تعاني من التقلبات المناخية والنزاعات، و(3) توثيق الحالات التي يلعب المناخ فيها دورًا في تعقيد النظم الغذائية، ما قد يؤدي إلى نشوب النزاعات.

وفي حين أن هذه النتائج الثلاث تشير إلى روابط واضحة بين النزاع والمناخ، نجد أن (4) مؤشرات السلام الحالية لا تشمل مؤشرات المناخ وأنظمة الغذاء، وبالتالي لا تقدم صورة كاملة، و(5) وضع برامج النظم الغذائية بهدف التكيف مع المناخ لا يستهدف صراحة تحقق السلام والأمن في المناطق المتأثرة بالنزاع.

اقرأ أيضا

حدود لا تكبح النزاع… ملايين حول بحيرة تشاد يئنون تحت وطأة أزمة إنسانية عنيفة

عدد جديد من المجلة الدولية للصليب الأحمر: التقنيات الرقمية والحرب

المجلة الدولية للصليب الأحمر تحتفي بـ150 عامًا و100 ألف صفحة- حوار

أن نرى طفولتنا في عيون الصغار ضحايا الحرب-عدد جديد من المجلة الدولية للصليب الأحمر

المفقودون موضوعًا للعدد الجديد من المجلة الدولية للصليب الأحمر

«النزاع في سورية»…محورًا للعدد الجديد من المجلة الدولية للصليب الأحمر

الذاكرة والحرب: هل الزمن كفيل بمداواة الجراح حقًّا؟