قبل مائة وخمسين عامًا، وبالتحديد في العام 1869، أصدرت المؤسسة الوليدة آنذاك اللجنة الدولية للصليب الأحمر «النشرة الدولية لجمعيات إغاثة الجنود الجرحى» التي تحولت لاحقًا لتكون المجلة الدولية للصليب الأحمر. بدأت المجلة كمنصة لحركة ناشئة من جمعيات الإغاثة وتطورت تطورًا ملحوظًا على مدى تاريخها المديد، فتحولت مجلةً قانونية متخصصة قبل أن تصير الآن مجلة أكاديمية مرموقة ومنبرًا متعدد التخصصات للنقاش حول القانون الدولي الإنساني والسياسات الإنسانية والعمل الإنساني.

مجلة «الإنساني» انتهزت فرصة احتفال المجلة الدولية بذكرى مرور مائة وخمسين عامًا على تأسيسها وأجرت هذا الحوار مع مديرة تحريرها إلين بوليسنسكي.

احتفلنا في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بمرور 150 عامًا على صدور المجلة الدولية للصليب الأحمر، وهي أقدم مجلة في العالم متخصصة في القانون الدولي الإنساني، هل من الممكن أن تقدمي لنا نبذة عن تاريخ المجلة، والدافع وراء إصدار مجلة للقانون الدولي الإنساني في أواخر القرن التاسع عشر؟

كانت المجلة نتاجًا للمؤتمر الدولي الثاني الذي عقد في برلين، وكان هناك شعور حقيقي بأن جمعيات الإغاثة التابعة للحركة التي أنشئت، كانت في حاجة إلى وسيلة لتبادل المعلومات حول مجالات عملها، ومواضيع اهتمامها والمستجدات في القانون ذات الصلة بالجرحى والنزاعات المسلحة، وبالتالي في تشرين الأول/ أكتوبر 1869، صدرت الطبعة الأولى من المجلة تحت اسم «النشرة الدولية لجمعيات الإغاثة» وكانت في البداية منصة لجمعيات الإغاثة التي صارت في ما بعد جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر التي نعرفها اليوم.

ولأن جمعيات الإغاثة كانت مرتبطة بصورة كبيرة باتفاقية جنيف الأولى لعام 1864 – التي أقرت الالتزام بتوفير الإغاثة للجرحى والمرضى، وحياد الكوادر الطبية والمؤسسات والوحدات الطبية، والشارة المميزة – كان القانون الدولي أيضًا، لا سيما في ما يتعلق بالجرحى والمرضى في ساحة المعركة، بطبيعة الحال موضوعًا هامًّا.

واليوم، تتميز المجلة الدولية بأنها مجلة أكاديمية تُراجَع مقالاتها من قِبل الأقران وتصدرها اللجنة الدولية ودار نشر كامبريدج. وتوجه دفة المجلة لجنةُ تحرير متعددة التخصصات من جميع أنحاء العالم مؤلفة من خبراء من خارج اللجنة الدولية. ولم تعد المجلة بمثابة «المنصة الناطقة بلسان اللجنة الدولية» التي لا تعرض سوى مواقف اللجنة الدولية فقط، بل صارت منصة للمناقشة والجدل، وتنشر كل عام ثلاثة إصدارات يختص كل منها بموضوع معين من موضوعات متعلقة بالقانون الدولي الإنساني والسياسات والعمل الإنساني.

ننتقل الآن إلى التاريخ الثري للمجلة، كيف غطت المجلة الأحداث العالمية الكبرى، لنقل – مثلًا – الحربين العالميتين والحرب الباردة وهجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر؟

يمكن للقارئ النظر في تاريخ المجلة لكي يتابع تطور أهم الأحداث العالمية التي نُشرت في ذلك الوقت. فإذا نظرنا على سبيل المثال إلى الحرب العالمية الأولى، فسنرى أن المجلة كانت تنشر معلومات كثيرة للغاية عن أنشطة الجمعيات الوطنية واللجنة الدولية في الميدان، ويمكن أيضًا الاطلاع على تقارير المندوبين عن زيارات السجون، والعمل المضطلع به على مر السنوات في النزاعات المختلفة.

حتى إذا نظرنا في الأحداث التي وقعت مؤخرًا، فسنجد أن طبعة المجلة التي صدرت في عام 2002 خُصصت لأحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر ومسألة ما يُسمى بالإرهاب. وبالتالي، يمكن للقارئ أن يلاحظ تحولًا من وصف أنشطة المنظمات الإنسانية في الميدان إلى التركيز على الفكر الأكاديمي من حيث التصدي للإرهاب والأنشطة الإرهابية. حتى في الطبعات المخصصة لسياقات معينة، تكتسي المناقشة طابعًا أكاديميًّا أكثر من مجرد بيان أنشطة اللجنة الدولية في الميدان. والمثال على ذلك الطبعة التي صدرت مؤخرًا عن النزاع في سورية.

ما هي المكانة الحالية للمجلة، مقارنة بغيرها من المجلات الأكاديمية، وكم عدد النسخ التي تطبعها؟

تتمتع المجلة الدولية للصليب الأحمر بمكانة مرموقة بوصفها مجلة أكاديمية، لها تصنيف على الصعيدين الوطني والدولي. وهي مجلة تصدر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر وتنشرها مؤسسة الطباعة التابعة لجامعة كامبريدج. ولدينا حوالي 9 آلاف اشتراك مدفوع، ونقوم بتوزيع المجلة مجانًا على شبكة الإنترنت، وكذلك على شكل نسخ مطبوعة من خلال اللجنة الدولية. والمجلة متاحة حاليًّا بست لغات هي الإنجليزية والعربية والصينية والفرنسية والإسبانية والروسية، وتصدر أيضًا بلغات أخرى بحسب الطلب، فعلى سبيل المثال تُرجم العديد من إصدارات المجلة إلى اللغة الفارسية وتُرجمت عدة مقالات منها إلى اللغة الجورجية.

ما هو تقييمكم للمساهمات غير الغربية في المجلة ومنها المساهمات العربية؟ وما هي الوتيرة التي تتلقى المجلة بها مساهمات من الخبراء والباحثين العرب؟

نتلقى في كثير من الأحيان مساهمات من الخبراء المتحدثين باللغة العربية، ونقبل مساهمات باللغة العربية، وهو أمر لا يعرفه كثير من الناس على ما أعتقد. ونصدر طبعات من المجلة تغطي أحداثًا في العالم العربي، فقد أصدرنا، على سبيل المثال، طبعتين عن العراق وطبعة عن سورية، تضمنت مقالات لكتاب سوريين حتى نتيح لهم الفرصة للتعبير عن آرائهم، وننشر في كثير من الأحيان مقالات عن العلاقة بين القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية. بشكل عام، لدينا العديد من مقالات الخبراء العرب في المجلة.

هل ترون أنه من المناسب الاستمرار في إصدار المجلة في شكل نسخ مطبوعة؟

سئلت كثيرًا عن السبب الذي يجعلنا نستمر في إصدار نسخ مطبوعة من المجلة، بينما تتاح إصدارات إلكترونية من جميع المقالات على شبكة الإنترنت وبالمجان. كل أربع سنوات، نجري دراسة استقصائية يشارك فيها قراء المجلة، ونفاجأ دائمًا بعدد القراء الذين يرغبون في قراءة النسخة المطبوعة من المجلة، فقد وصلت النسبة إلى نحو 50 في المائة. أعتقد أن هناك سرًّا معينًا في الحصول على نسخة مطبوعة، فهي مسألة ممتعة خاصة عند قراءة مقالات أكاديمية متخصصة.

أطلقتم موقعًا إلكترونيًّا للمجلة، فما هي أهم الرسائل التي ترغبون في توجيهها بإنشائكم هذا الموقع؟

في إطار الاحتفال بالذكرى السنوية، طورنا الموقع الإلكتروني للمجلة وأطلقنا نسخة جديدة منه. يتيح الموقع الإلكتروني الجديد تصفح جميع أعداد المجلة الصادرة من المجلة منذ العام 1869 مع إمكانية البحث فيها. ونأمل أن يتمكن الباحثون من الدخول إلى الموقع واستخدام الطبعات الصادرة من المجلة للبحث فيها عن المواضيع ذات الصلة بالعمل الإنساني والقانون الإنساني والاطلاع على ثروة تتجاوز 110 آلاف صفحة نُشرت من المجلة على مدى الـ150 عامًا الماضية، لتشكل مصدرًا ثريًّا يمكن الاطلاع من خلاله على التطورات في مجالات التقنيات الطبية والقانون الدولي والفكر الإنساني وبعض المناقشات حول المواضيع الجديدة.

 

دعوة للأكاديميين العرب والباحثين لتقديم مساهمات رصينة في المجلة الدولية للصليب الأحمر. انقر هنا لمعرفة تفاصيل وشروط المشاركات.

 

نُشر هذا الحوار في العدد 66 من مجلة «الإنساني» الصادر في الصادر في خريف/ شتاء 2019.

تنشر «الإنساني» دوريًا عروضًا لأحدث أعداد اللجنة الدولية أو ترجمات لمواضيع تراها مهمة للقارئ العربي. انظر مثلا:

إلين بوليسنسكي، المجلة الدولية للصليب الأحمر في عامها 150 .. ثوابت ومتغيرات

رئيس اللجنة الدولية يحلل طبيعة النزاع في سورية وأثره على المدنيين في ثمان سنوات-حوار

«النزاع في سورية»…محورًا للعدد الجديد من المجلة الدولية للصليب الأحمر

المفقودون موضوعًا للعدد الجديد من المجلة الدولية للصليب الأحمر

دعوة للأكاديميين العرب والباحثين لتقديم مساهمات رصينة في المجلة الدولية للصليب الأحمر. انقر هنا لمعرفة تفاصيل وشروط المشاركات.