يئن إقليم حوض بحيرة تشاد تحت وطأة أزمة إنسانية طاحنة، تُعد إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في عالم اليوم، إذ فرّ أكثر من مليونين ونصف المليون شخص من ديارهم بفعل النزاع الدامي في المنطقة مترامية الأطراف، فيما تقول اللجنة الدولية إن هناك أكثر من 9 ملايين شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة
 تستحق المعاناة الإنسانية في محيط بحيرة تشاد أن توصف بأنها أبرز الأزمات الإنسانية المنسية بحق. فحجم الاهتمام العالمي والإقليمي لا يتناسب مع المعاناة المهولة التي يرزح تحتها أكثر من 9 ملايين شخص. وهؤلاء المدنيون، بينهم قرابة مليونين ونصف المليون لاجئ، في حاجة عاجلة إلى الدعم، وفيهم أطفال ومرضى في أمس الحاجة إلى «المساعدات المنقذة للحياة».
ويمثل إقليم بحيرة تشاد، حيث تلتقي حدود أربع دول: النيجر ونيجيريا والكاميرون وتشاد، واحدًا من أفقر الأقاليم في العالم، بفعل التدهور البيئي الكبير الذي ضرب البحيرة، التي كانت يومًا من أكبر بحيرات العالم مساحة. فبسبب زيادة معدلات التصحر وموجات الجفاف التي ضربت إقليم الساحل الأفريقي الغربي، تقلصت مساحة البحيرة من 25 ألف كيلومتر مربع في العام 1963، إلى أقل من ألف وخمسمائة كيلومتر حاليًا، حسبما تقول مؤسسات معنية بالبيئة. ولطالما كانت البحيرة المصدر الرئيس للمياه العذبة الضرورية لمشروعات الري والزراعة في المنطقة، علاوة على ثروة حيوانية مزدهرة من الأبقار والجمال في الأيام الخوالي.
نزاع مسلح وفقر مدقع
على مدى السنوات الماضية، أدت الغارات العنيفة التي شنتها الجماعات المسلحة في منطقة بحيرة تشاد إلى إجبار ملايين السكان على الفرار من ديارهم. وجد بعض الأهالي ملاذًا في مدن وبلدات نيجيرية، في حين عبر آلاف آخرون إلى دول الجوار الفقيرة: الكاميرون وتشاد والنيجر، ما أدى إلى اتساع نطاق الأزمة لتأخذ طابعًا إقليميًا. وفي أتون معارك الكر والفر بين الجماعات المسلحة والجيوش النظامية لهذه الدول، لقى عشرات الآلاف حتفهم، وأصيبت أعداد هائلة أخرى، ودُمّرت العديد من المُستشفيات والمدارس والبنى الأساسية. ووصل انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية إلى مستويات حرجة.  كما مُزّقت أوصال آلاف الأسر، وانفصل أطفال عن ذويهم.
وبدأت الموجة الحالية من النزاع قبل ست سنوات، عندما دخلت حركة «بوكو حرام» في مواجهة مسلحة مع الحكومة النيجيرية. ومنذ العام 2014، اشتدت ضراوة النزاع عندما سيطرت الحركة على مساحة شاسعة من الأرض في شمالي نيجيريا. ومنذ العام الماضي، تقول الحكومة في أبوجا إنها استعادت مساحات واسعة من الحركة، بدعم من دول الجوار تشاد والكاميرون والنيجر. وللطبيعة الجغرافية للإقليم دور كبير جعل النزاع أكثر دموية. إذ تتميز بحيرة تشاد بوجود جزر تتراوح في مساحاتها، في منطقة مستنقعات كثيفة. وتمثل هذه الجزر قاعدة مثالية لبعض مئات من المسلحين لشن هجمات مفاجئة على الدول المطلة على البحيرة. من ناحية أخرى، يستخدم المسلحون غابة سامبيسا (Sambisa Forest) مترامية الأطراف في شمال نيجيريا، والمتاخمة للبحيرة، مكانًا أثيرًا للاختباء بعد شن الهجمات القاتلة.
وللمواجهات العنيفة ومعارك من كر وفر بين جيوش نظامية لأربع دول ضد بوكو حرام، أثره الوخيم على المدنيين. وقد أصبحت مدن مثل مايدوغوري (Maiduguri) ويولا (Yola) وغومبي (Gombe) وغيرها من المدن والبلدات الواقعة في شمال شرق نيجيريا، بعد عدة أشهر من النزاع، ملاذًا لمئات الآلاف من النازحين بسبب العنف. وتقول تقديرات إن مايدوغوري، البالغ عدد سكانها مليون نسمة، أصبحت تستضيف منذ العام الماضي قرابة مليون نازح. ولم تشفع أزمة النزوح العميقة للمدينة، إذ فُرض عليها حصار خانق بفعل النزاع المسلح. وقد أدى العنف الذي شهدته مدينة باغا (Baga) الواقعة في شمال شرق البلاد، إلى سقوط أرواح وإصابة آلاف، علاوة على إجبار آلاف السكان إلى الفرار خوفًا على حياتهم عبر بحيرة تشاد.
ويقيم بعض هؤلاء النازحين واللاجئين في المدارس والمباني الحكومية والمخيمات الموجودة في تلك المناطق، بينما يقيم آخرون مع أقاربهم أو لدى عائلات مضيفة، ممَّا يؤدي إلى إلقاء المزيد من الأعباء على كاهل المجتمعات المحلية الفقيرة أصلًا.  وتجد المجتمعات المحلية – التي تكافح بالفعل تحت وطأة المصاعب الاقتصادية وموجات الجفاف – صعوبة في التأقلم مع الوضع. فقد انهارت التجارة عبر الحدود مع نيجيريا، وانخفض الإنتاج الزراعي بعد أن أُجبِرت العائلات على الفرار بحثًا عن الأمان.
جهود اللجنة الدولية
دخلت اللجنة الدولية في سباق مع الزمن للتصدي لتحديات الأزمة الإنسانية الطارئة في بحيرة تشاد، فخصصت أموالًا عاجلة، لتصبح بذلك ثالث أكبر مهمة إنسانية للجنة الدولية في العالم بعد سورية وجنوب السودان. وحاولت اللجنة الدولية لفت انتباه العالم إلى عمق المأساة، فزار رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر ماورير المنطقة في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، للتعرف عن كثب على الوضع الإنساني. كما رفعت المخصصات لهذه المنطقة لتصل إلى 136 مليون فرنك سويسري في العام 2016. ونفذت اللجنة الدولية أنشطة إنسانية واسعة النطاق في مختلف أنحاء منطقة بحيرة تشاد، بالتعاون مع جمعية الصليب الأحمر النيجيري. وتضمّ الاحتياجات الأكثر إلحاحًا في النيجر وتشاد والكاميرون المواد الغذائية والمياه والمأوى والرعاية الصحية وجمع شمل العائلات التي شتتها النزاع.  ومن الأنشطة التي تضطلع بها اللجنة الدولية: تزويد المستشفيات بما يلزم من مواد ومعدات لمواجهة تدفق الجرحى إثر وقوع أي اعتداء، وضمان توفير إمكانية إجراء العمليات الجراحية العاجلة للنازحين بالمجان في مستشفى مايدوغوري التخصصي الحكومي، وتحديث المرافق الصحية في شمال نيجيريا، وتدريب الأطقم الطبية المحلية على إدارة حالات الإصابات الجماعية وعلاج المصابين بسبب الأسلحة.
وخلال النصف الأول من هذا العام 2016، قدمت اللجنة الدولية مواد غذائية على أكثر من نصف مليون لاجئ.  كما دشنت اللجنة الدولية برنامج دعم اقتصادي لعدد من السكان في المنطقة المنكوبة. فبفضل برامج تلبية الاحتياجات المحددة لمربي الماشية، تسنى إجراء تلقيح مجاني لأكثر من مليون رأس ماشية تعتبر مصدر رزق السكان الرئيس. ومن البرامج أيضًا ما يستهدف أرامل الأزواج الذين لقوا حتفهم جرّاء النزاع. فهناك ما يزيد على سبعة آلاف أرملة مسجلة لدى جمعية الأرامل المسيحيات والمسلمات. وقد أثمر التعاون بين جمعية الأرامل بولاية بورنو واللجنة الدولية عن تمكين الأرامل من شراء المزيد من الغذاء، وتقليص ديونهنّ، ومنحهن مبالغ مالية لبدء مشروعاتهنّ الخاصة الصغيرة. وهناك مشاريع أخرى قيد الإنجاز لتحسين الحصول على مياه الشرب في المناطق التي زاد فيها عدد السكان عشرات الأضعاف، وفيها يمثل الحصول على المياه النظيفة تحديًا حقيقيًا. وأخيرًا، تزور اللجنة الدولية العديد من مئات الأشخاص المحتجزين في سياق النزاع بغية رصد المعاملة التي يلقونها وظروف احتجازهم.