في العام 2011، تطورت الاحتجاجات في سورية إلى عنف وفوضى. وبعد مرور ثماني سنوات، مزَّق النزاع أوصال هذا البلد الذي نَعِم بالرخاء في الماضي. وبتعبير فينسنت برنارد: «تخوض الإنسانية محنة النار والدم» في هذه الحرب المستعرة. حصد هذا النزاع أرواح مئات الآلاف من السوريين وشرَّد ملايين آخرين، وأُضيرت المنازل والمدارس والمستشفيات والخدمات الأساسية والبنية التحتية أو دُمرت.

تمثل الحرب السورية نموذجًا تتجلى فيه بعض أشد السمات المثيرة للقلق في النزاعات المسلحة المعاصرة، مثل الهجمات العشوائية، واستخدام أسلوب الحصار في الحرب، وتكاثر المجموعات المسلحة من غير الدول، وتدخُّل أطراف خارجية عديدة في النزاع، وشنِّ الهجمات على الممتلكات الثقافية والطواقم الطبية ومرافق الرعاية الصحية وغيرها.

لو ألقينا نظرة على أرشيف «المجلة الدولية» لاكتشفنا أن سورية كانت في ما مضى مكانًا يلجأ إليه الفارون من النزاعات في أماكن أخرى في المنطقة. أما اليوم، فعلى الرغم من أن تقديرات أعداد الضحايا اختُلف بشأنها بشدة، لدرجة أن الأمم المتحدة توقفت عن إصدار تقارير بأعداد الجرحى أو القتلى، فمن الواضح أن الخسائر في الأرواح كارثية. وأمام مثل هذه الخسائر المروعة يعجز العقل عن إدراك فداحة المعاناة. إن ضياع مشاعر الشفقة والرحمة الجماعية أمام هذا الدمار واسع النطاق هو بحد ذاته شكل آخر للتجرد من الإنسانية. بل ومن المحتمل أن التغطية الإعلامية المتواصلة للأحداث قد تؤدي إلى تفاقم الإحساس باللامبالاة وتبدِّد مشاعر الشفقة.

غير أن استعراض قصص الأفراد قد ينفخ الروح في نظرتنا لهذه الحرب. في إصدار سابق للمجلة عن الحرب في المدن، نُشرت شهادات لسكان من حلب، ممن شاركونا خبراتهم في هذا السياق. من بين هذه الشهادات شهادة ياسر، وهو موظف مدني متقاعد وأب لخمسة أطفال. تحدث ياسر عن حصار 2016 لشرقي حلب في أثناء شهر رمضان، فقال: «لم نتمكن من الوصول إلى الخدمات الأساسية، وكان الوضع أشبه بشلل تام… لا أتمنى لأي إنسان أن يمر بأنواع المشقة التي مررنا بها».

يقول «مازن حيدر»، رئيس الجمعية السورية للطب النفسي: «يمكننا أن نتصور (أو لعلنا نعجز عن تصور) فداحة الأضرار النفسية التي يمر بها من عاشوا فصول هذه الأزمة» إذا ما نظرنا إلى بشاعة الدمار المادي الذي نجم عن الحرب. في بلد كانت الصحة النفسية فيه يُنظر إليها كمجال صاعد حتى من قبل الحرب، يضطر السوريون الآن إلى التعامل مع الصحة النفسية والآثار السيكولوجية للحرب. الجانب الوحيد المضيء في هذه المأساة هو التقدم الظاهر في مجال الرعاية الصحية النفسية، وإن ظلت عوائق كثيرة قائمة.

ومع أن موظفي الإغاثة مشمولون بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني، إلا أن من بين المآسي الكثيرة التي تكشفت عنها الأحداث في سورية على مدى السنوات الماضية مقتل 65 متطوعًا تابعين للهلال الأحمر السوري في أثناء النزاع. ورغم ذلك، لم يفتر عزمُ متطوعي الهلال الأحمر السوري، ولم يتوانوا عن الوفاء بالتزامهم تجاه المجتمعات المحتاجة للمساعدة. وتُظهر الصور في هذا الإصدار بعض الأنشطة التي اضطلع بها الهلال الأحمر السوري واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إذ يعملان بالتعاون في ما بينهما للتعامل مع احتياجات ملايين الأشخاص في أنحاء سورية.

وتظهر في الإصدار أيضًا قصص بعض من يعملون في تقديم الإغاثة. أعرب عماد، وهو واحد من المتطوعين، عن حماسه قائلًا: «أنا فخور لأنني عضو في فريق الهلال الأحمر لأن لهذه الجمعية أثرًا إنسانيًّا في هذه الظروف القاسية التي يواجهها بلدنا. لم نتوانَ أبدًا في أداء المهام الموكلة إلينا وسنظل دومًا نؤدي عملنا بتفانٍ».

الأعراف الإنسانية في أزمة

ليس العاملون في المجال الإنساني وحدهم هم المستهدفين، بل قواعد أساسية أخرى في القانون الدولي الإنساني أيضًا غض أطراف النزاعات طرفهم عنها. في هذا الإصدار مقابلة مع رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، السيد «بيتر ماورير»، الذي لاحظ في زياراته إلى سورية أنه «لكي أوضح للمتابعين مدى عدم احترام أطراف النزاع للقانون الدولي الإنساني في أرجاء المنطقة، أقول إنني فكرت كيف أن العيادات الطبية كان لا بد أن تنقل إلى تحت الأرض لحمايتها».

ومن بين الانتهاكات المرتكبة بحق القانون الدولي الإنساني في سورية، كان أكثرها تعرضًا للإدانة على أوسع نطاق استخدام الأسلحة الكيميائية. في هذا الإصدار تجري «ياسمين ناقفي» دراسة استقصائية على استجابة المجتمع الدولي لجرائم الأسلحة الكيميائية في سورية وتجادل بإمكانية تأسيس محكمة مخصصة تتعامل مع هذه الجرائم، ويمكن أن تكون في النهاية بمثابة محفز لمفاوضات السلام.

ورغم بروز الانتهاكات حتى بحق القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني في سورية، كما سبق أن نبهت إلى ذلك هذه المدونة، فإن وجهة النظر التي تذهب إلى أن القانون الدولي الإنساني لا يلقى الاحترام الواجب أبدًا، ومن ثم فهو غير ذي جدوى، هي وجهة نظر ليست خطأ فحسب بل وخطيرة أيضًا. حينما سئل مندوب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، «بافل كشيشيك»، عن دور القانون الدولي الإنساني في هذا البلد في أعقاب معركة الغوطة الشرقية، أجاب عن السؤال بسؤال فقال: «وما الذي كان سيحدث لو لم يكن لدينا هذا الإطار الأساسي للإنسانية في زمن الحرب؟ ما الذي كان سيحدث إذا لم نضع حدودًا تبيِّن كيف يجب أن يشن المتقاتلون الحرب؟» وخَلُص «كشيشيك» إلى ضرورة وجود أطر أخلاقية وقانونية لحماية الناس في أثناء الحرب، فمن دون هذه الأطر نحن نخاطر بالوصول إلى وضع أسوأ بكثير.

واللجنة الدولية تنظر في سبل التأثير على السلوك، بحيث تفضي في نهاية المطاف إلى غرس احترام أكبر لقواعد القانون الدولي الإنساني، كما يتضح في دراسة «جذور ضبط النفس في الحرب» الصادرة مؤخرًا. وفي هذا الإصدار من المجلة يقدم «أحمد الداوودي» نظرة عامة على مبادئ الشريعة الإسلامية التي تنظم استخدام القوة المسلحة في الحرب، وينظر إلى مدى التوافق بين مبادئ الشريعة الإسلامية التي تحكم النزاع المسلح وقواعد القانون الدولي الإنساني، ويطرح توصيات بشأن سبل الحثِّ على احترام القانون الدولي الإنساني في البلدان الإسلامية.

وكما علق «بيتر ماورير» فإن «القانون هو بالفطرة أداة عملية. فبوسع القانون أن يشكل السلوك ويؤثر في الأشخاص الملزمين باتباع قواعده بحيث يمارسون ضبط النفس. فالقانون بمثابة المنارة التي توجه السلوك في ما يتعلق بالمعضلات الإنسانية والضرورة العسكرية، فيتيح للجيوش ممارسة السلوكيات اللائقة حفاظًا على شرفهم العسكري».

نظرة إلى الدمار الذي طال سورية (24 كانون الثاني 2018). تصوير: على يوسف/ اللجنة الدولية.

عبور المساعدات الإنسانية

منذ وقت باكر في الأزمة السورية، أشعلت فداحةُ المعاناة وعجز أية منظمة عن الاستجابة بطريقة ملائمة للأزمة على جميع أراضي سورية، جدلًا في أوساط العاملين بالمجال الإنساني بشأن ما إذا كان بالإمكان تسليم المساعدات عبر الحدود الدولية دون الحصول على موافقة الدولة المعنية، بموجب القانون الدولي. وكما أوضح «فرانسوا بوشيه سولنيير» في الإصدار السابق: «تشكل الأسئلة المرتبطة بالموافقة وسيادة الدولة، دون مدعاة للدهشة، حجرَ العثرة الأساسي في الربط بين أنشطة الإغاثة الإنسانية والأنشطة الأعم المتعلقة بإدارة النزاعات والأمن الدولي».

في إصدار سابق للمجلة، ناقشت «إمانويلا شيارا غيلارد» قواعد القانون الدولي الإنساني ذات الصلة التي تحكم عمليات الإغاثة الإنسانية عبر الحدود، وتناولت بشكل رئيسي الحاجةَ إلى موافقة الدولة التي ستنفذ على أراضيها تلك العمليات.

واللجنة الدولية لا تضطلع بعمليات إغاثة عبر الحدود من دون موافقة الحكومة السورية. وقد ارتأت اللجنة الدولية أن قيامها بعمليات كتلك، من شأنه أن يهدد عمليات الوصول إلى قطاعات أكبر من السكان بالمخاطر. وبدلًا من ذلك، اضطلعت اللجنة الدولية بعملياتها خلال الأزمة السورية عبر خطوط المواجهة. وفي إصدار المجلة عن «المبادئ التوجيهية للعمل الإنساني»، يتناول «جيرمي لابيه» و«باسكال دودين» كيف تتأسس قرارات اللجنة الدولية بشأن اضطلاعها بعمليات عبر الحدود على مبدأ عدم التحيز. وقد لخص مدير العمليات السابق باللجنة الدولية، «بيير كراينبول»، موقف المنظمة بشأن العمليات عبر الحدود في سورية على النحو التالي: «لن تنفذ اللجنة الدولية هذه العمليات إلا بموافقة الأطراف المعنية كافة، وهي الحكومة السورية والمعارضة وحكومات دول الجوار المعنية… هذا هو سبيلنا لتقديم المساعدات الإنسانية، بناء القبول ومحاولة الوصول إلى المناطق الأشد تضررًا».  

لكن على النقيض اضطلعت منظمة «أطباء بلا حدود» بعمليات إغاثة عبر الحدود في سورية. وكما كتب «روني براومان» في إصدار سابق للمجلة: «بالنسبة لمنظمة أطباء بلا حدود بمجرد أن يتبين لهم أن إمكانية تصور – ومن ثم إمكان إتمام – إقامة خدمات طبية في منطقة تتحكم فيها قوات المعارضة، يصبح من الضروري تنفيذ العملية» بموافقة الدولة أو من دون موافقتها. 

وفي مقابلة صحافية لـ«بيتر ماورير» في هذا الإصدار يعيد رئيس المنظمة النظر في الجدل الدائر حول العمليات عبر الحدود، فيشير إلى أنه بعد نحو 15 سنة من الجدل بشأن مفاهيم مثل مسؤولية الحماية أو إدخال المساعدات الإنسانية، ما تزال موافقة الدولة شرطًا مسبقًا لإيصال المساعدات الإنسانية.

ماورير: يتعين على المجتمع الدولي تقديم تصور جديد لإحلال السلام، سواء في النزاعات البارزة أو النزاعات المنسية (الصورة لـ Sevim Turkmani/ أرشيف اللجنة الدولية)

الممتلكات الثقافية والأعيان المدنية

 بالنظر إلى الكلفة البشرية الفادحة للنزاع، فقد يبدو للبعض أنه لا أهمية للالتفات إلى الأضرار التي لحقت بالممتلكات الثقافية، لكن «روس بيرنز» يؤكد أن: «الأسف على الأضرار التي لحقت بالمواقع التاريخية والأثرية في سورية لا يعني أن الخسائر الثقافية تتنافس على الأهمية مع الخسائر البشرية في هذه المأساة». ويدعو «بيرنز» القراء إلى مقاومة إغراء الرضا بالواقع الافتراضي أو التمثيلات الرمزية الأخرى للآثار التاريخية السورية، مذكِّرًا إيانا بأن «السياق برمته – الريف والناس وانفتاحهم وكرمهم وطعامهم وتجربة رؤية موقع أثري مثل تَدمُر وقد دبَّت فيه الحياة من جديد – هو ما جعل سورية حاضرة في أذهاننا». وهو يحث على إعادة بناء آثار سورية، حتى إذا استغرق هذا عقودًا.  

وتنظر «بولينا ليفينا» إلى الالتزام القانوني الذي يقع على عاتق الدولة التي هي طرف ثالث في النزاع باحترام وكفالة احترام القانون الدولي الإنساني بموجب المادة 1 المشتركة التي تتعلق بحماية الممتلكات الثقافية. وتتناول «ليفينا» التدابير المبتكرة التي توضع كي تكفل حماية الممتلكات الثقافية. ويمكن للمرء أن يرى هذه التدابير بمثابة إلهام في المستقبل لتشجيع الامتثال لقواعد القانون الدولي الإنساني الأخرى. 

وترى المعمارية «مروة الصابوني» أن عكس العملية التي أفضت إلى ضياع الإحساس بـ«الوطن» في سورية وتوضيح النسيج العمراني هو مفتاح التعافي. وتخلص إلى أن إعادة الإعمار إن حدثت بطريقة فيها احتفاء بالتراث المحلي، واستخدام للمواد المحلية واعتبار حقيقي لمن سيعيشون داخل مدن سورية، «فإن بلدنا قد يكون أمامه فرصة – فرصة لإعادة إحياء نسيجه العمراني المهترئ واستعادة هويته الضائعة، فرصة لإعادة خلق الجذور من أجل الناس ومكانهم، حيث كان حبهم من أجل الجار والعمل والأرض جزءًا من هوية واحدة اسمها «الوطن».

وبالمثل، بحسب «ياسر عابدين»، يمكن أن تصبح دمشق والمنطقة المحيطة في النهاية أكثر أمنًا بأن تصبح أكثر اتحادًا. ويدعو السلطات المحلية إلى الاضطلاع بدور فعَّال في التخطيط والتطوير لتعزيز الانفتاح الثقافي في أوساط المكونات المختلفة للمجتمع في دمشق. 

أمل في مستقبل واعد وأكثر إشراقًا

كما يطلع القارئ في هذا الإصدار على رؤية «غيلارد» للنظام القانوني الدولي الذي يحكم «المناطق الآمنة» (التي يطلق عليها أحيانًا «الملاذات الآمنة» أو «المناطق العازلة» أو «مناطق تخفيف حدة التصعيد» في سورية). وعن طريق منظور مواقع «حماية المدنيين» في جنوب السودان، تجادل غيلارد بأنه من الجدير حث الأطراف المتحاربة على إقامة مناطق آمنة والاعتراف بوضعها، فتقول إن «الدبلوماسية الهادئة يرجح لها أن تنجح أكثر من الدعوات في المعترك السياسي لمجلس الأمن، وكما هو الحال دومًا، يجب أن تبقى المفاوضات الإنسانية معزولة تمامًا عن المناقشات ذات الطابع السياسي».

جُرِّبت هذه المبادرة وغيرها من المبادرات الإنسانية في سورية، بهدف حماية المدنيين وتقديم سبل إنهاء النزاع في نهاية الأمر. غير أن الحقيقة الماثلة أمام أعيننا هي أن «مساعدات الإغاثة الإنسانية ليست حلولًا للمشكلات». فالمجتمع الدولي والسوريون في النهاية بحاجة إلى التوصل إلى حلول سياسية لإنهاء النزاع وإتاحة الفرصة أمام إعادة بناء سورية ومداواة جراحها. ورغم الواقع الأليم والمعاناة التي يرزح تحتها الجميع ما يزال الكثيرون في سورية يتشبثون بأهداب الأمل. وبنص كلمات ياسر عابدين: «على الرغم من الظروف الشاقة للغاية، فإننا نعلق آمالنا على مستقبل واعد وأكثر إشراقًا».

نٌشر هذا النص في الأصل بالإنجليزية في مدونة القانون الإنساني والسياسات وهي إصدار تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر. وقد نقل عاطف عثمان النص إلى اللغة العربية.