عندما تندلع الحرب، يصبح الأطفال الحلقة الأضعف في غمارها. تطالهم الأعمال العدائية، فيقعون في مرمى مخاطر لا تحصى، ويُحرمون من أجمل سنوات الطفولة. ومن ثم، فإن حماية الأطفال مهمة في غاية الأهمية، فهم قبل كل شيء الحاضر والمستقبل بلا ريب. وفي عددها الأخير حول موضوع الأطفال والحرب. تستكشف المجلة الدولية للصليب الأحمر مختلف التحديات والعوائق التي تواجه الأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة.

انتشر على الإنترنت مؤخرًا فيديو قصير من سورية وأصبح حديث الناس، يظهر فيه أب يلعب لعبة مع ابنته الرضيعة لمساعدتها على التكيف مع الصدمة النفسية التي تجلبها الحرب وقصف القنابل. نرى في الفيديو الفتاة الصغيرة تنفجر ضحكًا لا خوفًا في كل مرة تسمع صوت القنابل التي تسقط في الجوار. يقول والدها “هي طفلة لا تعي ما الحرب”.

يعاني ما ينوف على واحد من كل عشرة أطفال حول العالم من النزاعات المسلحة في الوقت الحاضر، يبحث كل منهم على طرق للتعايش مع الفوضى التي تسببها الحرب. ورغم ما يكفله القانون لهم من حماية، لا تزال الأخطار تحدق بهم من كل جانب؛ تجندهم القوات المسلحة والجماعات المسلحة وتستغلهم، أو يتفرق شملهم عن عائلاتهم، أو تدفعهم الظروف إلى ترك بيوتهم، أو يُحرمون من التعليم، أو يُقتلون أو يُشوَّهون، أو يتعرضون لاعتداءات جنسية. ويسلط العدد الجديد من المجلة الدولية للصليب الأحمرعن “الأطفال والحرب”، الذي نُشر على الموقع الإلكتروني في وقت سابق من هذا الأسبوع، الضوء على هذه القضايا. ويرمي هذا العدد إلى تقديم وجهة نظر متماسكة وشاملة عن التحديات العديدة التي يواجهها الأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة.

الرؤية بعيون الأطفال

لا بد أن تكون نقطة البداية في أي مناقشة عن الأطفال هي الأطفال أنفسهم، فلا تصح النظرة المتعجلة إليهم كضحايا مستسلمين لا حول لهم في النزاعات المسلحة، فهم في واقع الأمر لا يعوزهم الصمود أو القوة، ولا بد من الإنصات إلى أصواتهم. ومن ثم، من الضروري فهم أوضاعهم الخاصة أولاً حتى يتسنى تقييم نوع الدعم والحماية التي ينبغي تقديمه إليهم.

وفي ضوء التركيز على استطلاع وجهات نظر هؤلاء المتضررين من النزاعات المسلحة بشكل مباشر، يعرض العدد الأخير من المجلة الدولية عن “الأطفال والحرب” شهادات من أطفال جنود سابقين في جمهورية الكونغو الديمقراطية، يسردون فيها تفاصيل مروعة عن حياتهم منذ جندتهم جماعات مسلحة، وما ترتب على ذلك من آثار عصفت بهم. وعلى المنوال ذاته، تشدد هيلين بيرنتس على أهمية ذكريات الأطفال عن الحرب بوصفها أداة لتعميق إدراك الحاجة إلى الاعتراف بدور الأطفال وكينونتهم كطرف مشارك، متحدية بذلك الخطاب التقليدي في مجال حماية الأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة.

أنماط التأثير: فهم السياق هو المفتاح

يؤثر العديد من الأطراف الفاعلة المختلفة على المعاملة التي يتلقاها الأطفال في النزاعات المسلحة. فمن الأهمية بمكان تحليل هذه العناصر المختلفة ليتسنى تقييم وتطوير أنماط واضحة للتأثير، وكذلك فهم تصورات هذه الأطراف عن الأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة.

وتحقيقًا لهذه الغاية، يبرز باسكال بونجارد وإزيكويل هيفيس تجارب منظمة نداء جنيف في التحاور مع الأطراف من غير الدول حول حظر تجنيد واستغلال الأطفال في الأعمال العدائية. ويبحثان في الطبيعة المتغيرة لسلوك الأطراف غير التابعة للدول، الذي يتغير ويتحول خلال مراحل النزاع المسلح. وتبرز هذه التجارب التحديات العملية في ما يتعلق بضمان الالتزام بالقواعد القائمة لحماية الأطفال في الميدان.

جانب مهم آخر في حماية الأطفال في النزاعات المسلحة هو تحديد السياق الذي تجرى فيه هذه الأنشطة. فرغم وجود أطر قانونية دولية شاملة لحماية الأطفال في أوقات النزاعات المسلحة، تتجلى للعيان عقبة ألا وهي الافتقار إلى توطين هذه المعلومات ومواءمتها مع الأوضاع الخاصة، الأمر الذي يدفع المجتمعات المحلية إلى عدم احترام هذه القواعد.

السبيل إلى حل هذه المعضلة هو التحاور “بلغة مشتركة”، أو إشاعة روح التآلف. يلقى أحمد الداوودي وفانيسا مورفي الضوء في هذا الصدد على أوجه التقارب بين القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية، لا سيما في ما يتعلق بالأطفال. فقد عمدا إلى عرض القواسم المشتركة العديدة بين هذين المجالين القانونيين المتمايزين، بغرض استقصاء دور القوانين الإقليمية والاختصاصات القضائية الوطنية بشأن اتباع سنن الشريعة الإسلامية في البت في حقوق الأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة.

وفي ظل انتشار النزاعات المسلحة في جميع أنحاء العالم، فإن مراعاة الخصوصية الإقليمية عامل مهم من عوامل تقييم الاحتياجات في مجال حماية الأطفال. يسلط بنيام ميزمور أيضًا الضوء على هذا الصدد في مقاله عن الممارسات الإقليمية والوطنية والتحديات التي تعتري التعامل مع الأطفال في النزاعات المسلحة الدائرة في أفريقيا.

الأزمة تطال الجميع

رغم وجود اعتبارات إقليمية تكتنف المشكلات المختلفة التي يواجهها الأطفال في النزاعات المسلحة، ما تزال هناك جوانب معينة تنطبق على الأطفال كافة بصورة عامة. أجرت روتشيل فراونفلكر وآخرون دراسة نقدية على الآثار العقلية والنفسية التي تلحق بالأطفال في المناطق المتضررة من النزاعات. ويتطلع المؤلفون، من خلال دراسة وضع مجتمعات أقلية الروهينغا في ميانمار وبنغلاديش، إلى تعميم الدراسة لتنطبق على الأطفال في النزاعات المسلحة حول العالم.

تناول هذا العدد من المجلة قضية لا تحظى باهتمام بحثي كبير، وهي عدم الاعتراف بالمواليد المسجلين في المناطق التي تسيطر عليها جماعات مسلحة. تستكشف كاثرين هامبتون التداعيات القانونية والعملية لعدم اعتراف الدول بشهادات الميلاد الصادرة عن المناطق الواقعة تحت سيطرة المتمردين، فبدون هذا الاعتراف القانوني، سيقبع الأطفال في منطقة معتمة تضطرهم للدفاع عن حقوق طبيعية يستحقونها من الأصل.

وبالمثل، تستعرض ديان مازورانا، وأناستازيا مارشاك، وكينزي سبيرز، من منظور تحليلي، قضية زواج الأطفال في حالات النزاع المسلح. وتقدم المؤلفات للقراء نظرة عامة على الظاهرة لتعزيز الحوار من أجل بلورة استجابة إنسانية فعالة، ثم يحاججن بأن زواج الأطفال أحد أشكال العنف الجنسي التي تمتد عبر الثقافات والأعراف، وتضرب الجميع.

نشر التعليم هو أحد سبل معالجة هذه الممارسة المتجذرة، فالتعليم يرفع الوعي ويعزز الحماية ويخلق الفرص، لا سيما للأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة. وفي هذا العدد من المجلة، يبرز بيد شيبارد الجهود الدولية والقانونية والسياساتية التي ترمي إلى ردع استخدام المدارس في الأغراض العسكرية، ويشدد على ما يسببه هذا الاستخدام من حرمان الطلاب من الحق في التعليم. كما يتوسع في استعراض البراهين على جهود الاستجابة هذه، وما أرسته من أسس لإطلاق إعلان المدارس الآمنة.

دعوة إلى الاستجابة والعمل

أخيرًا وليس آخرًا، يقدم هذا العدد من المجلة للقراء، فضلاً عن إبراز التحديات الكبرى التي يواجهها الأطفال في النزاعات المسلحة، رؤية تحليلية لما هو قائم من التدابير والآليات المطبقة لحماية الأطفال المتضررين من الحروب. وفي حين أن اتفاقية حقوق الطفل تدعو المجتمعات والأفراد العاديين والمانحين وغير ذلك من الأطراف غير التابعة للدول إلى الامتثال لبنودها، فإن الدول هي الجهات المسؤولة بشكل رئيسي عن احترام حقوق الطفل وحمايتها وإعمالها. ومن الأهمية بمكان حشد جهود الدول وضمان تصعيدها من أجل حماية الأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة، وكذلك لضمان إعادة إدماج الأطفال في المجتمع بأمان وقدرتهم على العيش بصورة طبيعية.

تصارع الدول في واقع الأمر معوقات جمة، من بينها التصورات المحلية المترسخة تجاه الأطفال الذين استُغلوا في النزاعات المسلحة أو شاركوا مشاركة فعالة فيها، أو ربما تجاه الأطفال من أبناء “المقاتلين الأجانب”. فمن الضروري التصدي لهذه السردية وخلق بيئة مبنية على التفاهم والتعاطف بما يكفل ألا يقف الوصم الاجتماعي حجر عثرة أمام الأطفال العائدين ويعيق عملية إعادة الاندماج.

يتضمن هذا العدد من المجلة حوارًا مع السيدة ميرا كوسوماريني التي تدير تحالفًا لمنظمات المجتمع المدني في إندونيسيا، وتعمل مع المجتمعات المحلية والحكومة لتمكين إعادة إدماج الأطفال، الذين كانوا مرتبطين في السابق بجماعات مسلحة، في المجتمع.

وبنفس الطريقة، لا يجوز التقليل من دور المجتمع الدولي لما يضطلع به من دور مهم في وضع الأطر وتدابير أفضل الممارسات التي يتوجب على الدول والأطراف الفاعلة الأخرى الالتزام بها. فعلى سبيل المثال، تعتمد ديان ماري أمان على تجاربها وخبرتها لمناقشة سياسة مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بشأن الأطفال.

بالمثل، تناقش مونيك نانشين، بصفتها مستشارة عالمية معنية بالأطفال في اللجنة الدولية، الحوارات التي تجريها اللجنة الدولية بشأن الأطفال في النزاعات المسلحة وحالات العنف الأخرى. وأكدت “مونيك” في حوارها مع المجلة أن دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر ليس تغيير الأعراف الاجتماعية أو هياكل السلطة القائمة، إلا أن أي دعوة للعمل ينبغي أن ترتكز دائمًا على مبدأ “مصالح الطفل الفضلى”.

ظهر هذا المقال في الأصل في مدونة «القانون الدولي والسياسات»، وقد نقل أحمد سمير النص إلى اللغة العربية.