صار مصطلح «الأخبار الكاذبة» يكتسب حضورًا ثابتًا في وسائل الإعلام منذ عدة سنوات وحتى هذه اللحظة. فيبدو أن نشر المعلومات المغلوطة عمدًا أصبح من المخاطر الكبرى التي تحيق بعالمنا المعاصر. ومع أن هذه ليست بالقضية الجديدة؛ فجميع النزاعات وفرت أرضًا خصبة للبروباغندا، تختلط فيها الأخبار الكاذبة بالشائعات، وتتحول المعلومات إلى سلاح حقيقي في معمعة الحرب، وتخضع الحقائق لمنظور نسبي تمامًا.

لم تكن الحرب العالمية الأولى استثناءً من ذلك، فاهتم مؤرخون كثر بانتشار الشائعات عن الفظائع التي يرتكبها العدو، وغسل الأدمغة، وكيفية استقبال المدنيين لما كانت تبثه البروباغندا في ذلك الوقت.

أسرى الحرب: ضحايا الأخبار الكاذبة

لم ينجُ القطاع الإنساني من حروب المعلومات، فالمنحى الراديكالي الذي انزلق إليه النزاع، والطريقة التي كانت تُرسم بها صورة العدو في أعين العامة، أثرت سلبًا على معاملة أسرى الحرب. ودائرة الانتقام القاسية ضد ملايين الأشخاص المحرومين من حريتهم تغذت يومًا بعد يوم على حملات البروباغندا التي بررت تلك الإجراءات. وعلى الرغم من أن الأطراف المتحاربة كافة كانت مسؤولة – بدرجات متفاوتة – عن سوء أحوال المحتجزين، يسارع هذا الطرف أو ذاك إلى الشكوى علنًا عندما يكون مواطنوه هم من يتعرضون لهذه الأحوال السيئة.

وقد رُصدت ثلاثة أنواع من البروباغندا: أولها تجريد أسرى الأعداء من إنسانيتهم، وثانيها إدانة المعاملة السيئة التي يتلقاها الأسرى الواقعون في قبضة العدو، وثالثها الدفاع عن ظروف الاحتجاز على أرض هذا الطرف أو ذاك. مئات المطويات والتقارير ومقالات الصحف ادعت أنها تميط اللثام عن الحقيقة أو تكشف الوقائع بشكل أو بآخر، ورسمت بالضرورة صورة لأمة نبيلة تحارب أعداءً برابرة ومخادعين. وكانت هذه المنشورات تتعرض حتمًا إلى إدانات متواصلة من الأطراف المعادية بمجرد ظهورها إلى العلن.

أصبح في حكم المستحيل التفريق بين الحقيقة والخيال، ومعرفة الظروف التي يتعرض لها المحتجزون على وجه اليقين في خضم هذه الفوضى الشاملة. وانزلقت هذه الأوضاع الضبابية بأقارب الأسرى إلى هوة من الفزع الشديد. كانت تحدوهم رغبة مستميتة في معرفة ما إذا كان ذووهم في حالة صحية جيدة ويحصلون على ما يكفيهم من الطعام، وما إذا كانت ظروف الاحتجاز تراعي الشروط الصحية الملائمة. لكن الإجابات التي كانت تتناهى إليهم تثبت العكس، ما جعل الشك يتطرق سريعًا إلى مصداقية الخطاب الحكومي والتقارير الصحفية.

استجابة اللجنة الدولية

لم يكن بوسع اللجنة الدولية أن تقف موقف المتفرج إزاء حاجة العائلات إلى إجابات شافية، والمعاناة التي يسببها وابل الخطابات المروَّجة. فقررت مواجهة الحرب الدعائية بالإفصاح عما رصدته من ملاحظات. فقد شاركت بدايةً في تحركات الدبلوماسية الإنسانية وتحاورت مع الحكومات، بخطى حذرة ومتواصلة، وعرضت آراءها وملاحظاتها واقتراحاتها بصبر وأناة من أجل تحسين وضع الأسرى.

لزم على اللجنة الدولية كذلك – بل وفي هذا الموقف بالأخص – أن تنشر ملاحظاتها على الملأ لإشاعة الطمأنينة في نفوس العائلات المكروبة، فاستخدمت كل ما تحت تصرفها من وسائل ممكنة لأداء هذه المهمة. ومن المنابر الأولى التي لجأت إليها النشرة Bulletin، التي تُسمى الآن «المجلة الدولية للصليب الأحمر»، والأخبار Nouvelles، وهي صحيفة أسبوعية كانت تصدر عن الوكالة الدولية لأسرى الحرب. وكانت صحيفة الأخبار واسعة الانتشار بين الحكومات المتحاربة وجمعيات الصليب الأحمر والأوساط الصحفية، فقد ألقت الضوء على الأحوال المعيشية في المعسكرات وعرضت الحقائق، بل ونشرت صورًا في هذا الصدد.

أصبحت الصور في واقع الحال إحدى الوسائل الناجعة لمكافحة البروباغندا، فقد كانت دليلًا دامغًا على ما حدث. وحققت الصور التي التقطها مندوبو اللجنة الدولية نجاحًا هائلًا، فلم تُنشر فقط في صحيفة الأخبار، وإنما بيعت على هيئة بطاقات بريدية. وبحلول كانون الثاني/يناير 1916، تضمن كتالوج الصور 140 بطاقة بريدية متنوعة ترسم تفاصيل الحياة في المعسكرات. وقد أقنعت اللجنة الدولية الأطراف المتحاربة بعد مفاوضات شاقة بإرسال المزيد من الصور لنشرها.

وأخيرًا وليس آخرًا، استطاعت اللجنة الدولية الاستفادة من التقارير التي كتبها المندوبون بعد عودتهم من المهام الميدانية. وعلى الرغم من أن السرية كانت ملمحًا مميزًا للمنظمة في السابق، فقد خرجت التقارير التي كُتبت خلال الحرب العالمية الأولى إلى العلن لتصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس. وكان السبب وراء ذلك (أ) أنها لم تكن موجهة للحكومات فقط، لكن للمجتمع المدني كذلك، (ب) أن الغرض من نشر هذا المحتوى الموضوعي والمتوازن كان مواجهة حرب المعلومات، (ج) أنه كان يُفترض في هذه التقارير طمأنة العائلات حول الظروف الفعلية التي يعايشها ذووهم في معسكرات الاحتجاز.

موضوعية حقيقية

ما الضامن لدقة المعلومات التي كانت اللجنة الدولية تعلنها؟ أعطت عوامل متعددة ثقلًا ومصداقية للنشاط الإعلامي للمنظمة. كان مندوبو اللجنة الدولية يعملون على الأرض؛ يزورون المعسكرات بأنفسهم، ويقارنون الأحوال من معسكر إلى آخر، ويضعون ملاحظاتهم في نصابها الصحيح، على النقيض من مروجي الدعايات والشائعات في ذلك الوقت. وخلت التقارير التي يكتبونها من الشائعات، بل احتوت على معلومات مستمدة من مصادرها المباشرة وملاحظات تفصيلية لما عاينوه فعليًّا، وهو ما شددوا عليه باستمرار. يقول أحد التقارير التي صدرت في ذلك الوقت «يستحيل الفصل بين الحقيقة وهذا الكم من المزاعم الملتهبة التي تخدم مصالح خاصة، فلا بد أن ترى كل شيء بنفسك، وتجمع الحقائق، وتدون البيانات الموثوقة، وتحقق في الادعاءات، وتضع ما تراه عيانًا فوق كل اعتبار».[1]

لم تفتر عزيمة المندوبين أبدًا عن التمسك بالموضوعية التي تشكل ركنًا أساسيًّا في أعمالهم. اعتبروا أن الحياد صفة ملازمة لهم، سواء بسبب جنسيتهم السويسرية أو تمثيلهم لمنظمة دولية تؤدي عملًا يتجاوز في تأثيره حالة الحرب القائمة، أي أن الجنسية والمُثل التي حملوها حفزتهم على انتهاج الحياد وعدم التحيز لطرف ضد آخر. وبدءًا من عام 1915، بدأ المندوبون مزاولة مهامهم في ثنائيات، يتعاون في كل منها مواطنون سويسريون من المتحدثين بالفرنسية والألمانية لضمان إحداث مستوى معين من التوازن والموضوعية في العمل.

تباينت ردود الفعل إزاء هذه الجهود التي سعت إلى إثبات الوقائع وإماطة اللثام عن الحقيقة؛ دأب كل طرف من الأطراف المتحاربة على الترحيب بملاحظات اللجنة الدولية إذا كانت تدعم دعايته، والاعتراض عليها إذا رأى أنها لا تنتقد معاملة العدو للأسرى بما يكفي. وتكاد تخلو الوثائق الأرشيفية من أي تسجيل لردود فعل عائلات الأسرى تجاه جهود اللجنة الدولية، لكن ثمة إشارات إلى المكانة التي حازتها المنظمة بوصفها مصدرًا موثوقًا للمعلومات.

لا جدال في أن ملاحظات اللجنة الدولية لم تعكس الصورة كاملةً. وحتى في ذلك الزمن، وجهت انتقادات إلى تقارير المندوبين وقيل إنها تُجمِّل الحقيقة. وربما كانت الرغبة في طمأنة عائلات الأسرى لا تتفق كليًّا مع الرغبة في وصف أحوال المعسكرات بموضوعية قدر الإمكان. كما حاولت الأطراف المتحاربة قدر ما تستطيع تحجيم الزيارات، وحجب الأحوال السيئة في المعسكرات عن الأنظار. ومن المحتمل كذلك أن المندوبين، وهم أبناء عصرهم، اقتنعوا بسذاجة بادعاءات الأطراف المتحاربة حقًّا. وأخيرًا، لم تتم زيارة الكثير من المعسكرات وفصائل العمل لكثرتها الشديدة. لكن على الرغم مما اعترى عمل هؤلاء المندوبين من عيوب، فإن جهود اللجنة الدولية من أجل «الكشف عن الوقائع» ساعدت دون شك على مواجهة الأخبار الكاذبة التي روجتها آلة البروباغندا في الحرب.

الخلاصة

رغم أن مصطلح «الأخبار الكاذبة» لم يظهر إبان فترة الحرب التي اندلعت بين عامي 1914 و1918، كانت تلك المشكلة واقعة يقينًا حينئذ. فالتحكم في المعلومات كان ولا يزال من أساليب الحرب، لكن طريقة تداول المعلومات تغيرت تغيرًا دراماتيكيًّا على مدار قرن من الزمان. كانت الأطراف المتحاربة في الحرب العالمية الأولى تسيطر تمامًا على الصحافة وآلة البروباغندا، وتفرض عليها رقابة صارمة وفق أهوائها. أما الآن، فيصعب بشدة التحكم في المعلومات، فوسائل التواصل الاجتماعي تكتسب أهمية متزايدة، وتمنح كل شخص الفرصة ليلعب دور الصحفي. ومع أن الأخبار الكاذبة تصدر غالبًا عن استراتيجيات بروباغندا شديدة الإحكام، أصبح من السهل نشرها دون خشية من مدى صحتها – بل إن ذلك يتم بدون قصد أحيانًا – ما يصعب مواجهتها.

شهد النشاط الإعلامي للجنة الدولية قدرًا كبيرًا من التطور منذ عام 1918. واستبدل النهج الارتجالي الذي ساد إبان الحرب العالمية الأولى باستراتيجيات إعلامية مناسبة، تُنتقى في ضوئها المعلومات التي تذاع على الجمهور بدقة. وتحاط تقارير المندوبين الآن بسياج من السرية، بينما يعمل فريق كامل من الموظفين على الإعلام العام تحديدًا، ويشمل ذلك وسائل التواصل الاجتماعي.

تغير العالم وتغيرت معه اللجنة الدولية، لكن بعض الأشياء ظلت على حالها. فكما كان الوضع في 1918، ما زال يتعين على المندوبين اليوم بناء ملاحظاتهم على ما يرونه رأي العين، والالتزام بمبدأي الحياد وعدم التحيز اللذين يشكلان أساس العمل. وتخضع ملاحظات اللجنة الدولية لفحص دقيق قبل تداولها، ولا تزال هذه المعلومات موثوقة للغاية نظرًا لما تحظى به المنظمة من حضور ميداني يؤهلها للتعامل مع الضحايا بشكل مباشر ورصد معاناتهم بنفسها. لكن لا يزال هناك للأسف من يسعى إلى التلاعب بما تدلي به اللجنة الدولية. ولا يسعنا أن نقول في النهاية إلا أن الهدف الوحيد للجنة الدولية لم يتغير منذ 1918، وهو تقديم المساعدة والحماية لضحايا الحرب، مع التزام بنشر ملاحظاتها حول تبعات النزاعات المسلحة بموضوعية قدر الإمكان.

هامش

[1] مقتطف مترجم من تقرير كتبه مندوبا اللجنة الدولية، السيد إف. تروماير ود. إف. فيريير، حول زيارتهما إلى معسكر أسرى في روسيا بين تشرين الأول/ أكتوبر 1915 وشباط/ فبراير 1916. يتوفر هذا التقرير باللغة الفرنسية فقط:

Rapport de MM. F. Thormeyer et Dr F. Ferrière junr. sur leurs visites aux camps de prisonniers en Russie, octobre 1915 à février 1916, Eighth series, Librairie Georg & Cie, Geneva / Librairie Fischbacher, Paris, March 1916, p. 6. 

نُشر هذا المقال في الأصل بالإنجليزي في مدونة «كروس فايلز» (CROSS-Files) وهي منصة تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر معنية بالقراءة التاريخية لمساهمات اللجنة الدولية والعمل الإنساني. وقد نقل أحمد سمير النص إلى اللغة العربية.

اقرأ أيضا لكاتب المقال:

سيدريك كوتر، من الإنفلونزا الإسبانية إلى كوفيد-19: دروس من جائحة 1918 والحرب العالمية الأولى