كانت جائحة الإنفلونزا التي امتدت في الفترة من 1918 إلى 1919، المعروفة باسم «الإنفلونزا الإسبانية»، أخطر كارثة صحية في التاريخ الحديث. وأدت الفوضى والقرارات السياسية التي اتُّخذت في أثناء الحرب العالمية الأولى إلى زيادة تفشيها وتفاقُم آثارها. وثمة دروس اكتسبتها البشرية بشق الأنفس من هذه الفترة وأوجه شبه مع أزمة كوفيد-19 الحالية، تستحق منا إمعان التفكير بشأن كيفية تأثير النزاعات المسلحة على الطرق التي نتحدث بها عن الوباء الحالي وسبل تخفيف وطأته.

تفشت الإنفلونزا الإسبانية في عام 1918 بينما كانت رحى الحرب العالمية الأولى ما تزال تدور. واكتسحت الجائحة السكان في ثلاث موجات متتاليات: أولها في ربيع 1918 والثانية – وهي الأشد فتكًا وتسببت في قتل 90 في المئة من إجمالي الضحايا – في خريف 1918، والثالثة من شتاء 1918 إلى ربيع 1919. وبنهاية تلك الجائحة أصيب أكثر من نصف سكان العالم بالعدوى. ويراجع الباحثون تقديرات الوفيات، التي يصعب تأكيدها بسبب نقص البيانات، وغالبًا ما تسجل المراجعة زيادات. ويشير المؤرخون وعلماء الأوبئة في الوقت الحاضر إلى نِسب وفاة تتراوح بين 2.5 في المئة إلى 5 في المئة من سكان العالم، وهو ما يتراوح بين 50 و100 مليون حالة وفاة إذا ترجمناها إلى أرقام. فالإنفلونزا الإسبانية، إذن، كانت أشد فتكًا من الحرب العالمية الأولى بخمس مرات إلى عشر. 

والتاريخ لا يعيد نفسه أبدًا. وتتميز كل لحظة تاريخية عن اللحظات السابقة. ومع ذلك، يمكن رسم أوجه الشبه بين أحداث تاريخية مختلفة. ومع أن التاريخ لا يعلِّمنا ما يجب علينا القيام به، إلا إنه يمكن أن يلهمنا باتخاذ خطوات. ودراسة جائحة إنفلونزا 1918 فرصةٌ للنظر في أزمة فيروس كوفيد-19 الحالية من منظور مختلف.

 الوصم والدعاية: أسلوب عتيق وعقيم

 بسبب تفشي الفيروس أول مرة في مدينة ووهان الصينية، وصف البعض كوفيد-19 بأنه «الفيروس الصيني». إن وصم جماعة أو أمة بسبب مسؤوليتها المفترضة في كارثة ليس اتجاهًا جديدًا. ولنأخذ مثلًا التسمية الخطأ لـ«الإنفلونزا الإسبانية»: فعلى عكس معظم البلدان التي كانت في حالة حرب في ذلك الوقت، حيث أحكمت الرقابة قبضتها ولم يُسمح للصحف في البداية بالحديث عن المرض، كشفت الصحافة الإسبانية عن انتشار الفيروس، ما فتح الباب لنشوء افتراضات غير سليمة بأن الوباء نشأ في إسبانيا.

 وخُلعتْ أسماء أخرى على تلك الجائحة، فكان العديد منها مستعارًا من القومية أو العرق، فمثلًا: «السيدة الإسبانية»، «الإنفلونزا الفرنسية»، «جندي نابولي»، «الموت الأرجواني»، «طاعون الحرب»، «فلاندرز جريب Flanders Grippe»، «المرض القيرغيزي»، «مرض بلاك مان»، «إنفلونزا الهون»، «الطاعون الألماني»، «المرض البلشفي»، بل وصلت التسميات إلى «المشروع الإجرامي للبكتريا الألمانية التركية».

 تبرز هذه التسميات التمييزية العديدَ من الشائعات والنظريات التي انتشرت بسرعة حول أصول علم الأمراض. إذ بناءً على السيل المتزايد لدعاية الحرب في ذلك الوقت، تبادلت جميع أطراف النزاع اتهامَ بعضها بعضًا بالمسؤولية عن الوباء. في بعض الحالات، قيل إن العدو هو من أطلق الوباء واستخدمه كسلاح. وفي حالات أخرى، اتهمت الأطراف المتحاربة بعضها بعضًا بنشر المرض دون قصد بسبب فشل أنظمتها الصحية. أما في بلدان الحلفاء فقد اتهم البعض شركة الأدوية الألمانية باير Bayer بإدخال المُمرِض (Pathogen) عن عمد في أقراص الأسبرين. واعتقد البعض الآخر أن الألمان كانوا يحملون قوارير المُمرض في الغواصات قبل إلقائها في إمدادات المياه أو الحليب أو في التجمعات مثل الاجتماعات أو دور السينما. وزعم البعض أن المرض انتشر في الهواء مثل الأسلحة الكيميائية. وهكذا كان مزيج الخوف الشديد من الجائحة، والدعاية، والعنصرية، والقوالب النمطية، والميل البشري الطبيعي لتوجيه أصابع الاتهام للآخرين بمثابة أرض خصبة للأساطير والشك في «الآخر».

 وكان للرقابة والدعاية المرتبطتين بالحرب أيضًا آثارٌ ملموسة وسلبية على الجهود المبذولة للتخفيف من حدة الجائحة. فقد أعاقت دول متحاربة عديدة بالتأكيد جهودَ الصحة العامة لمحاصرة الوباء بمحاولتها فرض الرقابة على المعلومات بشأن خطورة الوضع. وفي الوقت نفسه، بعد سنوات من دعاية الحرب، فقدَ بعض السكان ثقتهم بحكوماتهم أو لم يعد بإمكانهم الوثوق بالمعلومات الموجهة للعامة. ولم يفهم كثير من الناس كيف يمكن أن تحصد الإنفلونزا – وهو مرض خفيف في العادة – كل هذا العدد من الوفيات. واعتقد البعض أن حكومتهم كانت تكذب وتحاول إخفاء عودة التيفوس والكوليرا أو ما يُسمى «الطاعون الرئوي». وفي ألمانيا، اتهم بعض الأشخاص الحكومة باستخدام مُمْرِض مزيف كذريعة لإخفاء الوفيات الناجمة عن سوء التغذية والإرهاق.

 تعلَّمنا درسًا قيمًا بعد خسارة أرواح كثيرة في هذا الفصل من فصول تاريخنا، وهو أن شفافية المعلومات ضرورية في جميع الأوقات. ولكي تُحترم تدابير الصحة العامة وتُنفذ، يحتاج السكان إلى الثقة بالسلطات. في عام 1918، بعد أربع سنوات من النزاع والدعاية، تحطمت هذه الثقة ببساطة. وما صح في ذلك الوقت أثبت أيضًا صحته بدرجة أكبر في عام 2020. فلا يزال انعدام الثقة في المعلومات من السلطات الصحية يشكل تحديًا. ووسائل الاتصال الحديثة والتطور الحديث لشبكات التواصل الاجتماعي الرقمية زادت الأمر صعوبة. فالمزاعم الواهية والمعلومات المزيفة ونظريات المؤامرة والاستنتاجات الخطيرة يمكن أن تتفشى تفشي الفيروسات.

 وبعد مرور قرن، قد تبدو الشائعات والخرافات حول «الإنفلونزا الإسبانية» ساذجة، لكنها يمكن أن تكون بمثابة تحذير لنا: لنكن حذرين قبل نشر أي مادة أو إعادة نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، وإلا فقد نعوق بأنفسنا الجهودَ المبذولة لكبح انتشار كوفيد-19. تُذكرنا جائحة عام 1918 بأن الخوف وتسييس الأزمات يمكن أن يتولد عنهما سريعًا وصمُ الآخرين بطريقة خطأ وظالمة وعقيمة في نهاية المطاف.

 الجائحة والنزاع لا ينفصمان

 لم «تسبب» الحرب العالمية الأولى جائحة الإنفلونزا. ولا يوجد دليل على أن ظروف الحرب أدت إلى تفشي فيروس H1N1. علاوة على ذلك، لم تكن البلدان التي شهدت أعلى معدلات الوفيات بسبب الجائحة هي تلك التي تضررت مباشرة بالقتال. فمعدلات الوفيات كانت كبيرة في سويسرا والولايات المتحدة، على سبيل المثال، رغم عدم اندلاع القتال على أراضيهما. وفي الواقع، كانت جزر المحيط الهادئ، وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وجنوب وشرق آسيا، وكذلك أمريكا الوسطى، هي المناطق الأكثر تضررًا من الجائحة، إذ إن النظم الصحية المتخلفة في تلك البلدان عجزت عن التعامل مع تدفق المرضى المفاجئ. علاوة على ذلك، يبدو أنه في بعض البلدان، ارتبط التكامل الاقتصادي والاجتماعي الأفضل بمستوى تحصين ومناعة أكبر، في حين كان معدل الوفيات أعلى في الأقليات العرقية المهمشة تاريخيًّا.

 ويشكل اختلال التوازن هذا تحذيرًا ثانيًا نستفيد منه في الأزمة الحالية. فمثل جائحة كوفيد-19 انتشرت الإنفلونزا في 1918-1919 دون تمييز ولم يفلت منها رؤساء الدول، فقد أصابت كلًّا من وودرو ويلسون والملك جورج الخامس. ومع ذلك، فمن المرجح أن تتكرر صور التفاوت في الحصول على الرعاية الطبية، على سبيل المثال، على المستوى المحلي والوطني والعالمي. وبينما نشهد الآن أغنى البلدان تكافح من أجل التأقلم، يمكن للمرء أن يتخيل التأثير الساحق للأزمة على البلدان ذات الأنظمة الصحية الأضعف أو تلك التي يحيق بها نزاع مسلح.

 والواقع أن الحرب كان لها دور بارز في انتشار جائحة الإنفلونزا. إن تجمع الرجال واختلاطهم، والتحريك الكبير والسريع للقوات، وتعبئة الجنود وتسريحهم، والثكنات المزدحمة، ومعسكرات الاعتقال، والاجتماعات المتعلقة بدعاية الحرب، أو المصانع التي تعمل بأقصى سرعة، كلها خلقت بيئة مواتية للجائحة. اتُّخذت قرارات سيئة، مثل التخلي عن الحجر الصحي والتخلي عن حظر السفر بغرض تحريك القوات العسكرية. كما أعاقت الحرب الاستجابة الطبية في الدول المتحاربة، حيث كان العديد من الأطباء والممرضات عند خط المواجهة يخدمون الجرحى والمرضى. وساهم غياب الممرضات الماهرات في زيادة معدل الوفيات في بعض المناطق.

 لم تكن الإنفلونزا الكارثة الوحيدة، بل كارثة إضافية، بالنسبة للسكان الذين كانوا يعانون بالفعل من آثار الحرب. فاقمتْ الجائحةُ آثار دمار البنية التحتية، وسوء الصرف الصحي، والمجاعة، والاكتظاظ، أو الأمراض المعدية الأخرى مثل التيفوس أو السل. أدى وجود عدوى بكتيرية متعددة في المخيمات وفي أوساط السكان إلى حالة الاعتلال المشترك مع جائحة الإنفلونزا. ونجم عن التأثير التراكمي لذلك تأثير الدومينو المأساوي. فعلى سبيل المثال، تسببت وفيات الشباب الناجمة عن الإنفلونزا في عجز كبير في المناطق الريفية، ما أدى إلى حدوث مجاعة.

 وقد أصدرت اللجنة الدولية رسائل تذكيرية منتظمة بأن الأزمة الصحية الحالية تشكل تهديدًا إضافيًّا في البلدان المتضررة من جراء الحرب، وفي الأماكن التي لا تتوفر فيها شروط النظافة الصحية الأولية، وفي الأماكن التي فيها بنى تحتية طبية ضعيفة، وفي المخيمات المكتظة بالنازحين، وفي أماكن الاحتجاز. إن الآثار المتشابكة لجائحة 1918 والحرب العالمية الأولى تؤكد ما ترمي إليه اللجنة الدولية: ففي الحالات غير المستقرة والخطيرة الناجمة عن النزاع، من المرجح أن تسجل الخسائر البشرية الناجمة عن كوفيد-19 أعدادًا أكبر.

 دروس مستفادة ودروس سنتعلمها

 كانت جائحة عام 1918 مأساة إنسانية عالمية ومشتركة. وكانت عواقبها سياسية واجتماعية واقتصادية ووجدانية. إن تركة الإنفلونزا كبيرة: فيروسات الإنفلونزا في الأعوام 1957 و1968 و2009 كلها من نسل فيروس H1N1 الذي تسبب في جائحة عام 1918. و«الإنفلونزا الإسبانية» هي قصة فشل ورمز للإدارة الفاشلة لجائحة باسم المصالح العسكرية.

 ومن ناحية أخرى، فإن جائحة عام 1918 هي أيضًا قصة تدريب مهني مؤلم. فكما يتذكر العديد من الباحثين مؤخرًا، «أدت تلك الجائحة إلى تحسينات هائلة في الصحة العامة. والواقع أن العديد من الإستراتيجيات، مثل التوعية الصحية، والعزل، والصرف الصحي، والمراقبة حسنت معرفتنا بانتقال الإنفلونزا، وما زالت تُنفذ اليوم للحد من انتشار المرض الذي يمثل عبئًا ثقيلًا. وساهمت تلك الجائحة في إنشاء وزارات الصحة في فرنسا وبريطانيا العظمى، إلى جانب اعتراف وتقدير عالٍ بالعمل المهني الذي تقوم به الممرِّضات. وبعد قرن من الزمان، يرافقنا الأطباء والممرضات جميعًا كي نمر من أزمة جائحة كوفيد -19. سنتذكر جميعًا عواصف التصفيق الليلية للعاملين في الرعاية الصحية عندما نتأمل لاحقًا هذه الفترة من حياتنا.

 ومع ذلك، كما ذكر دانيال فليكنوي Daniel Flecknoe، فنحن لم نتعلم الدروس كلها: «إن احتمالية حدوث جائحة عالمية جديدة يكون مصدرها منطقة حرب حديثة نادرًا ما تؤخذ بالاعتبار في عملية صنع القرار السياسي المشغول في المقام الأول بتحديد خوض الدولة الحرب من عدمه؛ وهذا يشير إلى أن دروس عام 1918 لم تستوعب جيدًا. فالحرب تضعف قدرة الدولة على الحيلولة دون تفشي الأمراض المعدية واكتشافها ومكافحتها، وتترك السكان المدنيين نَهبًا للجائحة». وبالطبع لم تنشأ جائحة كوفيد-19 في بلد اندلعت فيه حرب، لكن أثرها كارثي أينما وُجدتْ نزاعاتٌ مسلحة أو حالات عنف أخرى.

 ومن الجوانب الإيجابية – رغم العديد من أوجه التشابه – اختلافُ إنفلونزا عام 1918 وجائحة كورونا الحالية أيضًا اختلافًا أساسيًّا: في المائة عام الأخيرة منذ تفشي «الإنفلونزا الإسبانية»، أحرز الطب تطورًا استثنائيًّا. فقد عرفنا مسببات كوفيد -19 وتسلسلها بسرعة، ويعمل آلاف الباحثين في جميع أنحاء العالم بنشاط محموم من أجل فهم آلية انتشاره وخصائصه على نحو أفضل، والتوصل إلى علاجات فعَّالة ولقاح. ويمكن للحكومات أن تستثمر في ما تحقق خلال قرن من التقدم والخبرة في الصحة العامة.

 يجب أن يستحضر هذا الاختلاف إحساسًا بالتفاؤل. لقد سبق للبشرية أن توصلت إلى وسائل جديدة وفعَّالة للتخفيف من جائحة كوفيد-19 وستواصل مسعاها. ومع ذلك، فلكي تكون جميع التدابير العلمية القائمة فعَّالة، يجب وضعها موضع التنفيذ ومن ثم فهمها وقبولها. والثقة – في السلطات، ومؤسسات الصحة العامة، والباحثين الطبيين والممارسين للطب – هي ركنٌ أساسي في أوقات الأزمات.

وظهر المقال في الأصل في مدونة «القانون الدولي والسياسات»، وقد نقل عاطف عثمان النص إلى اللغة العربية.