صباح فخري يستقبلكم: جولة في الذاكرة لصوت ورائحة حلب

العدد 69

صباح فخري يستقبلكم: جولة في الذاكرة لصوت ورائحة حلب

Reuters

«قل للمليحة في الخمار الأسود، ماذا فعلت بناسك متعبد». هذا ما سيتردد صداه على حواسك بصوت صناجة العرب الراحل صباح فخري على مقام السيكا العراقي، لحظة دخولك المدينة القديمة من باب أنطاكية، فكما لمكة شعابٌ، فلحلب أيضًا أبوابٌ خمسة باقية تتوزع على محيط سورها القديم، هم أنطاكية، قنسرين، المقام، الحديد، النصر.

لا أدري تمامًا ما حل بهذه الأبواب ولكن أعلم أن عشر سنوات من النزاع كانت كفيلة بطحن كل شيء، فأغلب ما تراه اليوم هو هياكل تصدعت قلوبها من شدة الألم. تبدأ مسيرك في قلب المدينة القديمة، لا يهم إن خطوت بقدمك اليمنى أو اليسرى. ففي حلب أنت تسير بقلبك وحواسك الخمس. ربما تحتاج إلى حاسة سادسة لتحتوي هذه الحاضرة. تبدأ مستفتحًا بجامع علي الرومي، الذي كان يحتفي بأجمل الحضرات الصوفية سابقًا، ستبدو لك أصوات الذكر قادمة من الأحجار. فالأحجار ليست صماء، على الأقل هي ليست كذلك في الشهباء، تتابع مواجهًا جامع التروس، أول جامع بناه المسلمون فرحًا بدخولهم المدينة دون الحاجة إلى الحرب والاقتتال، رموا سيوفهم وتروسهم أرضًا معلنين السلام.

الزميلة علا العجيلي في حلب. تصوير: على يوسف.

ألوان قد بهتت

يقع على يمينك حي الجلوم، وعلى يسارك حي العقبة أقدم حي معمور في حلب، فتكمل بخط سير مستقيم ضمن سوق أنطاكية، ما زلت أذكر هذا السوق الشعبي الذي كان يكتسي ببضائع من النخب الثالث والرابع، بضائع ملونة، مزركشة كثيرة الزينة تبعث في النفس إحساس الربيع وفرحة الأطفال، يبتاعها أهل الأرياف بسخاء لا يخلو من المبارزة التقليدية. اليوم لا الأرياف ولا أهلوها ولا السوق باقٍ كما كان. اليوم الرؤية بالأبيض والأسود، فالألوان قد بهتت بفعل الدمار الهائل الذي ينهك كل من يراه، فما أدراك بذاك الذي عايشه.

لم تكن حلب العاصمة الاقتصادية والتجارية لسورية عبثًا، ولم يجرِ اختيارها كعاصمة للثقافة الإسلامية عام 2006 عن فراغ، فهي ثروة حية من الأسواق (يتألف سوق المدينة فيها من 37 سوقًا و30 خانًا)، هذه الأعداد مهمة للغاية، فهي ليست مجرد أرقام لبضعة شوارع أو محال بيع، هذه حاضرة تراثية وذاكرة حية لمدينة خالدة خلود الأوطان ولا تزول إلا بزوالها.

يليك سوق الأحمدية ومن ثم ساحة الفستق، لا بد أنك تذوقت الفستق الحلبي ولو مرة واحدة على الأقل في حياتك. إن لم تفعل، فسارع إلى أول صوت يصدح «عاشوري يا مال حلب»، عندها سترى حلب بعيون محبة ونكهة طيبة أيضًا. يستقبلك بعدها يساراً سوق المجيدية بخاناته تباعًا: ، خان البنادقة, خان الجاكي وخان الحرير. ستلتفت يمنة ويسرى باحثًا عن مصدر هذه الرائحة الزكية، رائحة السكر وماء الزهر. هنا كانت تباع كل أنواع الضيافة «حلوى المناسبات».

كانت هذه الأسواق تزدان في مواسم الأعياد بمختلف البضائع وأجملها، يتسابق إليها أهل حلب ليملأوا بيوتهم بشتى أنواع الضيافة معلنين بداية مواسم فرح لا نهاية لها. على الأقل هذا ما كانوا يظنونه.ذاكرة للرائحة عقد كامل من النزاع قضى على الكثير. هذا الكثير الذي لا يُحصى، لكن لم يستطع القضاء على رائحة ماء الزهر مثلًا، حتمًا ستعود هذه الرائحة لتمتزج مع السكر مجددًا، ستعود على هيئة ملبس أو مَنٍّ وسلوى، ستعود لتباع من جديد بمواسم الأعياد ولتعلن عن مواسم جديدة من الفرح.

الدمار في حلب. صورة من اللجنة الدولية

تكثر أمامك الدروب في المدينة القديمة ولكن هدفك بقطع سبعمائة متر من الأسواق متجهًا نحو حاضرة الجمال في الشهباء، يعود بك إلى قيسارية الجلبي بآخر سوق الأحمدية. والقيسارية هي ورشة صغيرة لصناعة النسيج، وحلب نسجت عبر عقود آيات من الجمال والبهاء، وكانت الرائدة في هذا المجال فقصدها التجار من كل حدب وصوب.

تكمل باتجاه سوق السقطية، مرتع اللحوم المختلفة. كانت تباع هذه اللحوم بعد أن تُذبح وتُعلق بخطافات حديدية على أبواب السوق الخشبية الشبيهة بأبواب القلاع من ضخامتها وحسن صنعتها ومتانتها، إلى درجة أنها صمدت أمام الحرب الأقوى والأعتى في التاريخ الحديث. فعلى الرغم من الأسى والدمار الذي اعترى المنطقة، ما زلت تستطيع رؤية أثر الخطافات المعدنية على أبواب سوق السقطية. إذا اقتربت أكثر لربما استطعت استنشاق رائحة اللحم المُعد للبيع، لا أدري مدى استساغة هذه الرائحة، ولكن أعلم أنها رائحة الماضي الجميل، وجزء من معالم المكان. غريبة هي الحرب التي تمحو أحياء كاملة وتُبقي على أثر خطافات حديدية على باب خشبي.

الآن، تؤدي بك الطريق إلى قلب الحدث، إلى هذه المساحة التي جمعت أهل الأرض يومًا ما، إنه سوق العطارين، الأكثر شهرة والأكثر تضررًا، في الحقيقة أنت الآن في كتلة مدمرة مطموسة المعالم تشهد عليها شظايا الأحجار المدببة المنثورة هنا وهناك.

شريط سينما هذا السوق يمر في ذاكرتي كشريط سينما، كنت أزوره ممسكة بيد جدي مرافقة إياه إلى عمله في منطقة السويقة، نقصده عادة لنبتاع قائمة طويلة من البهارات طلبتها مننا جدتي. كانت لهذا السوق رائحة مميزة، تشبه رائحة الحضارات والشعوب، فأنت وبمجرد مرورك بالسوق تزور عدة بلدان وتتعرف على نكهات المدن وأنت لم تبرح مكانك، فلديك البهارات المصنعة محليًّا وتلك المستوردة من الهند والسند والصين، هناك الزيوت المختلفة للغوا والدوا ونجوم البحر المجففة والمعلقة كسلاسل ذهب على واجهة المحال. والأهم لديك (أبو فاس لوجع الراس)، جملة ستسمعها على امتداد السوق، فالعطارون معالجون وأطباء شعبيون، فلا تستهن بقدرتهم على مداواة جرح المدينة.

الصورة لـ سنا طرابيشي

لا بد أن عشقي للفن التشكيلي بدأ من هنا، فكنت أناظر ألوان البهارات بشغف غريب مكتشفة الدرجات الغريبة وتداخل الألوان بصنعة مبهرة وبريشة عرَّاف، الفنان باحث عن الجمال في كل مكان، أعتقد أن سوق العطارين كان المكان الأول والأجمل.

يواجهك مباشرة أو سوق العبي يليه سوق الزرب، ، يحزنك خلو المكان من الأصوات والأضواء، فأين هي جملة تفضلي يا خانم التي كانت تتردد على امتداد المحال فتسمع الصدى قبل الصوت، وأين هي حميمية السوق التي تنشأ من تلاصق الدكاكين ببعضها واستناد كراسي القش المرصوفة أمام الأبواب واحدها على الآخر.

عند مخرج السوق ستصادف بعض المحال التي عادت للعمل، رممت ولملمت شتاتها وأضاءت قناديلها وعادت من جديد، فعلى الرغم من صعوبة العودة إلى نقطة البداية، فإن هناك انتماء سيظل يشدك إلى المدينة القديمة، إلى روح المدينة.

تنتهي رحلتك في أطول سوق مسقوف في العالم لتخرج منه مواجهًا لؤلؤة الشهباء (قلعة حلب) إحدى أكبر وأقدم القلاع في العالم، سيعتريك الذهول في حضرة الجمال والجلال، حصن منيع استطاع الصمود في وجه الحروب والزلازل والنكبات، صرح من الإبداع العمراني وشاهد عيان على تاريخ إحدى أجمل وأقدم مدن العالم.

فالمليحة هي حلب، والنساك المتعبدون هم نحن القاطنون والزوار، فمن ذا الذي لا يقع في حب مدينة كهذه، على الرغم من كل ما شهدته من قساوة خلال عقد طاحن من النزاع أباد الكثير من عوالمها وأسكن الأسى في قلوب أهليها، لا تزال محاولة الخروج من الرماد والولادة من جديد، فطوبى لمدينة ذاكرتها هي مستقبلها وجرحها هو قوتها، طوبى لمدينة كل دروب الحب في العالم تؤدي إليها.

نُشر هذا الموضوع في عدد مجلة الإنساني رقم 69 الصادر في خريف/ شتاء 2021. انقر هنا للاطلاع على محتويات العدد، وهنا للاطلاع على العدد كاملًا. يمكنكم الحصول على عدد مطبوع من المجلة التي توزع مجانًا من خلال بعثاتنا في المنطقة. انقر هنا لمعرفة عناوين البعثات. 

أقرأ أيضا عن سورية:

سورية: عشر سنوات ومشهد إنساني بالغ القتامة

عامر فؤاد عامر، الموسيقى ترفع راية العصيان ضد الحرب في سورية

ماهر المونس، بعد عشر سنوات على بدء الصراع في سوريا.. ينتهي فصلٌ من الحزن، ويبدأ فصلٌ آخر!

اطلع غيرك على هذا المقال

تعليقات

اكتب تعليقا