تتذكر شابة سورية في مقتبل العمر تدعى إيمان كيف كانت تتابع الأخبار منذ عشر سنوات سائلة أباها عما يمكن أن يحدث إذا اختبرت سورية عنفًا كذلك الذي تبثه القنوات عن أخبار المنطقة. أخبرها والدها أن كل شيء سيتغير ساعتها. وبالفعل دخلت سورية دوامة أزمة عنف مسلح، وتغير كل شيء. 

دخلت سورية العقد الثاني في ظل أزمة طاحنة لا تزال مستمرة بلا هوادة. ففي شهر آذار/مارس الماضي، أتم السوريون عقدًا من نزاع مسلح لم تختبره البلاد في تاريخها الحديث، نزاع وحشي مثير للفزع بالنسبة للمدنيين، حمل معه ألمًا مقيمًا، إذ أزهقت أرواح، وانقلب حال الناس في مناطق البلاد كافة.

وخلال ذلك العقد، شهدت سورية مشهدًا إنسانيًّا بالغ القتامة، إذ أدى القتال إلى إزهاق آلاف الأرواح، وتدمير واسع النطاق للمدن والبنية التحتية، وموجات هائلة من النزوح الداخلي وأزمة لاجئين تردد صداها في جميع أنحاء العالم، علاوة على تمزق الروابط الأسرية، ودوامة تدهور اقتصادي وتقطع سبل العيش، واستخفاف بقوانين النزاعات المسلحة على نحوٍ صادم.

وتقول اللجنة الدولية إن ثمة احتياجات إنسانية هائلة في جميع أنحاء البلاد وتتزايد بوتيرة تهدد بتجاوز القدرات الحالية للاستجابة، والتي تفاقمت بسبب أسوأ أزمة اقتصادية منذ اندلاع النزاع والعقوبات وتفشي جائحة كوفيد-19 عالميًّا.

ويعيش السوريون في خضم دوامة مُميتة من الحرب والانكماش الاقتصادي والجائحة والعقوبات. وهوى ملايين الأشخاص في مستويات أعمق من هوة الفقر بفعل الأزمة الاقتصادية الأسوأ منذ بداية النزاع، والتي تفاقمت بسبب تأثير العقوبات وجائحة كوفيد-19 العالمية.

وأضحى أكثر من 13 مليون شخص، من أصل 18 مليون نسمة حاليًّا، في حاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية.

ووفقًا لتقديرات برنامج الأغذية العالمي ارتفع عدد السوريين ممن يعانون من انعدام الأمن الغذائي. فنصف الشعب السوري تقريبًا، أكثر من 12 مليون، باتوا غير قادرين على الحصول على ما يكفي من الغذاء أو تحمل تكاليفه. «اليوم، يكافح الآباء أكثر من أي وقت مضى لإطعام أطفالهم. بعدما أصبح سعر المواد الغذائية الأساسية الآن أعلى بـ 29 مرة من متوسط أسعارها قبل الأزمة»، حسبما يقول البرنامج.

ولا يستطيع العاملون في المجال الإنساني وحدهم معالجة الضرر الدائم الذي وقع ولا ينبغي أن يُتوقع منهم سد الفجوات العميقة التي فشلت في حلها الجهود السياسية والدبلوماسية.

ليست مجرد أزمة إنسانية

يدفع المدنيون خسائر لا تُحصى في هذا النزاع الوحشي الذي طال أمده. ومع دخول الأزمة في سورية عقدها الثاني، سلطت دراسة استقصائية، أجرتها اللجنة الدولية، الضوءَ على التكاليف الفادحة التي تكبدها الشباب السوري.

شارك في الدراسة الاستقصائية 1400 سوري في الفئة العمرية من 18 إلى 25 عامًا في سورية ولبنان وألمانيا. وفي البلدان الثلاثة جميعًا، تحدث الشباب عن أسر تمزق شملها وصداقات انفصمت عراها، وصعوبات اقتصادية هائلة وقلق كبير، وطموحات آلت إلى الإحباط، وإنجازات ضائعة، وأعباء نفسية عميقة نتيجة لسنوات من العنف والاضطراب المتواصلين بلا هوادة.

وفي بلد يشكل فيه الأشخاص دون الخامسة والعشرين أكثر من نصف تعداد السكان، تقدم الدراسة الاستقصائية لمحة عن المعاناة التي كابدها الملايين خلال السنوات العشر الماضية. فقد ذكر واحد من كل اثنين من الشباب (47 في المائة) أن أحد أفراد العائلة المقربين أو الأصدقاء لقي حتفه في النزاع. وقال واحد من كل ستة شبان سوريين إن أحد والديه، على الأقل، قد قُتل أو أصيب إصابة خطيرة (16 في المائة). أما من أصيبوا في النزاع من المشاركين أنفسهم فكانت نسبتهم 12 في المائة.

وفقد 54 في المائة من المشاركين الاتصال بأحد أفراد العائلة المقربين. وترتفع هذه النسبة في لبنان إلى نحو سبعة من كل عشرة أشخاص. أما تأثير النزاع على الصحة النفسية، فهو واضح أيضًا. ففي الاثني عشر شهرًا الماضية، عانى الشباب في سورية من اضطرابات النوم (54 في المائة) والقلق (73 في المائة) والاكتئاب (58 في المائة) والشعور بالعزلة (46 في المائة) والإحباط (62 في المائة) والحزن (69 في المائة) بسبب النزاع.

البحث عن المفقودين

تشكل قضية المفقودين في سورية قضية إنسانية كبرى شديدة الأهمية. ذهب عشرات الآلاف من الأشخاص في عداد المفقودين بسبب النزاع الدامي وامتداداته إلى كامل جغرافية سورية. وتنتظر أعداد كبيرة من الأسر بفارغ الصبر أي أخبار عن أحبائها.

نعلم من خلال خبرة اللجنة الدولية، أن حالات الاختفاء التي لم تصل إلى نتيجة تؤدي إلى آثار ضارة وطويلة الأمد على الأفراد والعائلات والمجتمعات بأسرها.

وعلى الرغم من أن عدد المفقودين الدقيق غير معروف تمامًا، إلا أن مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان يشير إلى أن هناك ما لا يقل عن عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال قد تعرضوا للاختفاء.

ولدى العديد من أسر المفقودين معلومات تشير إلى أن أحباءها قُتِلوا، ولكنَّ آلافًا آخرين لا يزالون عالقين في حيرة من أمرهم، ويعيشون في خوف وشكٍّ وعدم يقين، ولا يعرفون ما إذا كان أقاربهم سيعودون إليهم يومًا، حسبما يقول مكتب المفوضية.

وفي آذار/ مارس الماضي، قال بيتر ماورير، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إن توضيح مصير عشرات الآلاف من المفقودين وتحديد هوية الجثث «هي شروط مُسبقة ضرورية لأي محادثات جادة من أجل إنهاء الحرب».

أزمة حماية معقدة

وفي الشمال الشرقي من البلاد، تفاقمت واحدة من أعقد الأزمات المتعلقة بحماية الطفل في عالم اليوم. ففي هذا الجزء من البلد، هناك عشرات الآلاف من الأطفال الذين تقطعت بهم السبل في المخيمات ويواجهون ظروفًا مروعة لا ينبغي لأي طفل أن يعيشها. ويوضع مئات الأطفال- ومعظمهم من الفتيان الذين لا تتجاوز أعمار بعضهم 12 عامًا- قيد الاحتجاز في سجون مخصصة للبالغين، وهي أماكن أقل ما يقال عنها إنها غير مناسبة لهم. وهؤلاء الأطفال من سورية والعراق ومن عشرات البلدان الأخرى. وبعضهم موجود مع أفراد عائلته والبعض الآخر أصبح يتيمًا أو تفرق عن أحبابه.

وتؤكد اللجنة الدولية أنه يجب على الجميع معاملتهم جميعًا كضحايا في المقام الأول.

وفي أواخر حزيران/يونيو، وصف فابريزيو كاربوني، المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأدنى والشرق الأوسط باللجنة الدولية، زيارته لمخيم الهول بأنه «تجربة مروعة للغاية».

وقال: «كانت آخر زيارة لي هناك في شهر آذار/مارس، وهي الزيارة الرابعة في غضون سنوات عديدة. رأيت وضعًا أسوأ بكثير من ذي قبل».

ومخيم الهول موجود منذ التسعينيات وأصبح آنذاك موطنًا لنحو عشرة آلاف عراقي بعد حرب الخليج. وبعضهم لا يزال هناك.

والمخيم ما هو إلا صحراء وخيام تمتد على مرمى البصر. والآن، يؤوي المخيم نحو 60 ألف شخص من أكثر من 60 بلدًا، معظمهم من العراق وسورية، فيما تشكل النساء والأطفال نسبة 90 في المائة. وتشير التقديرات إلى أن هناك حوالي 40 ألف طفل ينشأون في هذه الظروف البائسة والخطيرة.

ويسود شعور باليأس بين آلاف الأشخاص العالقين هناك، وجميعهم يتطلع إلى أمل في المستقبل.

ويصف كاربوني حال المخيم قبل عامين: «أول زيارة لي كانت في عام 2019 عندما بدأ الأشخاص الفارون من القتال العنيف في الباغوز في الوصول إلى المخيم. كانت المعاناة مروعة. فقد وصل إلى المخيم آلاف النساء والأطفال، يعلوهم الغبار ويعانون من الجوع والبرد والصدمة، بعد أن قطع الكثير منهم مئات الكيلومترات. كان هناك أشخاص مصابون بجروح جديدة من جراء الأسلحة المتفجرة، والعديد من الأشخاص الذين بُترت أطرافهم وأشخاص مصابون بجروح من الواضح أنها لم تخضع لأي علاج منذ شهور. وفي تلك الأسابيع الأولى، كان نحو نصف المرضى الذين خضعوا للعلاج في مستشفانا الميداني من الأطفال. ولقي الكثير منهم حتفهم متأثرين بجراحهم المروعة فور وصولهم إلى المخيم. أما من بقي منهم على قيد الحياة، فلا يزال معظمهم قابعًا هناك بعد مرور ثلاث سنوات».

وتقدم اللجنة الدولية خارطة عمل إزاء هذه المعاناة الإنسانية، لا سيما أن إنهاءها ليس ضربًا من المستحيل. ويوفر القانون الدولي إطارًا للمساعدة في حل هذه المشكلة. ويمكن للدول أن تستفيد من بعضها البعض. ويمكن، بل وينبغي، تبادل المعلومات بشأن الممارسات الجيدة.

وهناك أمثلة إيجابية بالفعل على عمليات الإعادة إلى الوطن. فهناك دول أعادت أمهات وأطفالًا إلى أرض الوطن، وحافظت على الروابط بين أفراد الأسر كما يقتضي القانون الدولي. وهناك دول تبذل جهودًا لتوخي المعاملة الإنسانية عند محاكمة الأشخاص أو إعادة إدماجهم في مجتمعاتهم ومتابعة حالاتهم.

نُشر هذا الموضوع في عدد مجلة الإنساني رقم 68 الصادر في ربيع/ صيف 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. لتصفح العدد كاملًا، انقر هنا