كعادتها، تسلبُ أصوات المدافع والطائرات الانتباه، وتتصدَّر مشاهد الدماء والضحايا شاشات التلفزة وصفحات الجرائد الملقاة على جوانب الطرقات، وهي الصور والأصوات المرافقة لكلمة «سورية» منذ عشر سنوات، وعلى الأغلب، ستبقى -هذه الصور والأصوات – في العام العاشر من الدوَّامة التي تعيشها البلاد منذ العام 2011.

دوَّامة؟ نعم ربما الكلمة الأكثر توصيفًا لحالة السوريين، والأقل تحزُّبًا وتسييسًا، فكل «بعضٍ» من السوريين يحبُّ أن يسمِّيها وفق ما يراه (أزمة، ثورة، حرب أهلية، حرب، مؤامرة، انتفاضة، صراع…).

بغض النظر عن التسمية، الواقع المُعاش هو الأهم بالنسبة للسوريين، لا سيما أولئك الذين يُعايشون تفاصيل وظروف الحرب الاستثنائية بشكل لحظي.

«سورية على غوغل»

انتهت الحرب «بشكلها التقليدي» في كثير من المناطق والمدن السورية، الحرب التي نقصدُ بها جبهات قتال ومعارك وأصوات سيارات الإسعاف التي تحمل الجرحى والمصابين، والبنادق الملطّخة بالدماء، وإن كانت لا تزال مستعرة في أجزاء من الشمال السوري، مع هدوء متقطّع، يُسمَّى مجازًا بـ«هدنة» أو وقف لإطلاق النار.

الحرب بالنسبة لوسائل الإعلام والسياسيين وقادة دول الجوار في طريقها نحو النهاية، والنهاية بالنسبة إليهم هي توقف مجنزرات الدبابات عن الدوران، وارتفاع فوَّهات البنادق نحو السماء.

الحرب بالنسبة للمراسلين الميدانيين وكثير من الصحفيين الأجانب الذين يودُّون زيارة سورية، هي خطوط النار، ومناطق الدمار، وصورة «كلاسيكية» مُحبَّبة لجلِّ هؤلاء الصحفيين، «صورة عامودية تصلح لكي تكون (ستوري) على أنستغرام» يظهر فيها الصحفي مرتديًا درعًا وخوذة، لا داعي لهما، وفي الخلفية أكوام متراكمة من المنازل المدمَّرة، ينظرُ إلى أفقها هذا الصحفي، وتبدو الصورة ملتقطة بوضعية «غير المنتبه».

الحرب بالنسبة للدول الكبرى، هي الصراع على النفوذ، والنفط، والمياه، والثروات الباطنية، والتوازن الاستراتيجي، ودعم أطراف معينة على حساب أطراف أخرى.

والحرب بالنسبة للمقاتلين هي لحظة الاستيقاظ المفاجئ، من أجل هجوم جديد، أو هروب جديد، والهرولة بين الأنفاق والخنادق، وتذخير الأسلحة مرة أخرى.

والحرب بالنسبة لغير السوريين، هي تغيُّر الخطوط المرسومة بين مناطق سيطرة كل طرف، أو أوضاع اللاجئين العابرين للموت عبر أمواج البحر، أو الواقفين على رؤوس أصابعهم عند حدود الأسلاك الشائكة التي تفصلهم عن عوالم أخرى.

والحرب بالنسبة لـ«غوغل» حين نرفقها بكلمة سورية، هي والدٌ مُنحني الظهر، يحملُ بين يديه ابنه المصاب، وتُحيط به ناطحات سحاب من الدمار والأبنية التي تهاوت شرفاتها وجُدرانها.

كلُّ ما سبق ذكره هو جانب من جوانب الحرب.. لكن أحدًا لم يسأل، ما هي الحرب بالنسبة لي.. بالنسبة لوالدتي.. لوالدي الستِّيني.. لصديقتي الثلاثينية.. لبائع القهوة في حارتنا.. لسائق سيارة الأجرة.. لطالب جامعي.. لأمٍّ حديثة الولادة، ترعى ابنتها وترضعها وتحاول أن تشعرها بالدفء.. لأولئك الذين عايشوا الحرب طيلة عشر سنوات، واليوم يُجاورونها.

هكذا تبدو الحياة بجوار الحرب

15 آذار، 2020، الحياة في دمشق من الأعلى تبدو روتينية، السيارات تسيرُ في الشوارع، الازدحام في الطرقات والأسواق، الطلاب والموظفون يتوجَّهون إلى مدارسهم ووظائفهم، شرطة مرور في مركز المدينة، وحواجز تفتيش توقف السيارات بشكل روتيني.. تبدو الحرب في هذه المدينة قد حطّت أوزارها، لكنها لم تنتهِ..

نقتربُ أكثر من شفاه الناس المتمتمة في الشارع، نرى حديثها عن «ما بعد الحرب» أو «حرب ما بعد الحرب».. يسمُّونها على نشرات الأخبار الرسمية بـ«الحرب الاقتصادية» والواقع المعيشي الذي أثقل كاهل الناس.

رغم بقاء الكثير من الحفر التي خلَّفتها القذائف في شوارع دمشق، ووضوح أطلال المنازل المدمرة في الغوطة الشرقية المجاورة للعاصمة، إلا أن هذه الأحاديث غابت تمامًا عن طاولات الدمشقيين، وحلّت مكانها أحاديثٌ باتت اليوم أكثر أهمية.

التزوُّد بالوقود، والحصول على جرَّة الغاز، وارتفاعُ الأسعار، وانهيار قيمة الليرة، هي عناوين تطغى على أي حديث سوري، وتفوق بمراحل الحديث عن الأوضاع الميدانية، واللقاءات السياسية، وحتى الكلام عن فيروس كورونا المستجد القاتل والذي يجده كثيرٌ من السوريين، أنه قاتل رحيم، أو على الأقل أرحم من «الحرب» التي مرُّوا ويمرُّون بها.

ICRC

انتهى فصلٌ من الحزنِ.. وبدأ فصلٌ آخر

بدأ الكثير من السوريين يتحسَّسون أنفسهم بعد أن توقف «غثيان المعركة».. كلٌّ منهم يسأل نفسه ماذا خسرت؟ .. عملًا؟ منزلًا؟ ابنًا أو ابنةً؟ يدًا؟ مالًا؟

جميعهم يسألون ماذا فقدنا في هذه الحرب، ولا أحد يسأل: ماذا كسبت.. هنا تتضح الصورة بشكل جلي بأننا في الحرب «جميعنا خاسرون»..

حين أسألُ نفسي عن خسارتي في هذه الحرب.. لا أجدُ إجابة أكثر دقة من أنني «خسرتُ نفسي»..

عشرُ سنوات من شبابي بين العشرين والثلاثين، تناثرت وهي تهرول وراء النجاة من هذه «الدوَّامة».

هل نجونا؟

يهنِّئني أحد الصحفيين الأجانب الذي زار سورية مؤخرًا، بأنني «نجوتُ» من هذه الحرب بأقل الخسائر الممكنة.. صحيح أننا نزحنا عدة مرات، وخسرنا الكثير من الأقارب والأصدقاء والأعمال.. لكن لم تصبنا شظية بشكل مباشر في أجسادنا، وبقيت دائرتي المقربة على قيد الحياة..

بوجهة نظر هذا الصحفي الذي عاين الكثير من مناطق الحروب والنزاعات في العالم.. البقاء على قيد الحياة هو نجاة في الحروب..

بكل الأحوال، هذا شأنه، أما بالنسبة لي، فلا أعتبرُ نفسي ناجيًا، بل أحيانًا، أعتبرُ أولئك الذين رحلوا في السنوات الأولى من «الدوَّامة» هم المحظوظون، الذين تركوا لنا عبء فراقهم واشتياقهم، وثقل السنوات المتلاحقة من الحرب.

بعد زيارات متكررة لطبيبة نفسية متخصصة، أخبرتني بالتشخيص الذي أعاني منه «اضطراب ما بعد الصدمة»، وشرحت لي كم هو أمرٌ طبيعي، أن يمرَّ أي شخص خارج من الحرب بهذا الاضطراب، لكن الأمرَ غير الطبيعي، أنها كانت صريحة للغاية، وأخبرتني بأن آثار هذا الاضطراب تتطلب ضعف السنوات التي مررتُ بها، أي أنه سيصاحبني بدرجات متفاوتة لمدة عشرين سنة إضافية!

الآثار النفسية للحرب، هي الندبات الخفية التي تتركها، هي شعرة الشيب المبكرة، والتجاعيد التي تنمو على وجوه الشباب وحول عيونهم، وهي انحناءة الظهر المبكرة، والتمتمة الدائمة في الشارع، والعيون المعصورة كلَّ مساء، والأحلام التي تبدو أنها أكثر واقعية من الكابوس المُعاش.

مذكرات عشر سنوات

لا يُمكنني أن أتذكَّر أي حادثة جرت قبل العام 2011، أو لأكون دقيقًا، أجدُ صعوبة استثنائية في عصر تلافيف دماغي لتذكر تفاصيل قبل الحرب.. يبدو أن ما جرى خلال السنوات الماضية كان كفيلًا بملء «الهارد ديسك» الخاص بذاكرتي، حتى بتُّ أتخيَّل أن حياتي كلها كانت خلال الحرب.

متعبٌ ومجهدٌ تذكر أيام ما قبل الدماء والفقد والموت والسفر، وربما هي محاولة دفاعية من الدماغ بعدم التذكر، حتى لا يقع بفخ المُقارنة، ويفضل الاسترخاء أو الاستسلام للواقع دون أن يدخل بأي جولة خاسرة مع الماضي أو المستقبل.

لتركيز على الحاضر، أو التركيز على متطلبات اليوم.. مرة أخرى.. دفء، وغاز ووقود وحاجات أساسية نسعى إليها هرولة لتأمينها قبل فواتها أو فواتنا!

صور عالقة في ذاكرتي
صورتان من مخيَّم اليرموك

الصورة الأولى، نهاري خارجي، لقطة عامَّة، لسحب دخان سوداء تتصاعد من سماء منطقة مخيم اليرموك جنوبي دمشق، وتظهرُ جليًّا أسقفُ المنازل الساجدة خشوعًا للحرب، والأبنية المعلّقة بين السماء والأرض.

يُسمع في الأرجاء أصوات رصاص متقطِّع، وصوت انفجارات بين أوقات متباعدة أكثر، وحرائق مُبعثرة في كل مكان، داخل المنازل، وفي السيارات، وعلى جانبي الطرقات.

رائحة البارود هذه ليست غريبة، مألوفة جدًّا، وتعرفُ طريقها سريعًا إلى رئتيَّ، لتنضم إلى عشرات الطبقات من روائح البارود والنار، الراسخة في كريَّات دمي وذاكرتي.

الصورة الثانية: نهاري داخلي، لقطة قريبة:

أتحسَّس الطريق إلى درج متهاوٍ، أنهكته الحرب حتى استراح على بعضه، ومع ذلك لا زالت لديه القدرة على حملي باتجاه أحد المنازل المفتوحة على بعضها بشكل كامل، والمتكوِّمة على نفسها بشكل كاملٍ أيضًا، أتركُ صديقي على الشرفة المفتوحة على المشهد العام، يسقي عطش كاميرته للدمار اللامتناهي على مدِّ النظر، وأسقي شغفي بالتفاصيل، فأرفع قدمي بحذر فوق الأغراض، قبل أن تتعثَّر عيني بـ«ألبوم صور»، فتتعلق به دون أن آبه لصراخ صديقي المصوِّر بأن نُسرع في الخروج قبل أن يهوي المنزل بما فيه.

أصارع ذاتي، بين رغبة مهولة في فتح الدفتر ومشاهدة صور ما قبل الحرب، وبين احترام خصوصيَّة عائلة كانت تعيشُ هنا، مع تفاصيلها وذكرياتها..

أستسلم لنزوتي، وتراودني رغبتي بالنظر، فأسمح لعيني «بنظرة واحدة» لصورة مفتوحة كالجرح النازف في المخيم، ولا أسمح ليدي بفتح المزيد بعد أن وجدت امرأة خمسينية تنظرُ إليَّ، وكأنها تعاتبني وتزجرني بأن أتركها حبيسة الزمن الجميل، وكأنها تنطقُ فعلًا بألا ألمس شيئًا من ماضيها..

لا أدري إذا ما كانت هذه المرأة على قيد الحرب حتى الآن، لكنَّ في داخل كل منزل في مخيم اليرموك، وكل دار طحنتها آلات الحرب، شريط صور يحكي الكثير مما نعجز عن نسجه بكلمات الآن..الرقم واحد في الحرب!

واحد.. هو رقم كبير جدًّا، جدًّا، عندما نتحدَّث عن الضحايا.. تخيَّل هذا الواحد أن يكون صديقاُ مقرَّبًا.. شقيقًا.. ربما والدة أو والدًا..

واحد، هو رقم كبير، حين نتحدث عن جريح، عن مسافر، عن مُصاب بداء الحرب..

متى تنتهي الحرب؟

تنتهي الحرب حين يسألنا أطفالنا يومًا ما باستغراب.. ماذا يعني حرب؟

ظهر هذا المقال في العدد 67 من مجلة الإنساني.