من جسد أمهاتنا نبدأ رحلتنا الأولى إلى هذا العالم، وفي مراحل حياتنا المتعددة يبقى حضور المرأة هو ما يجعل البيت وطنًا. ولأن المرأة هي الوطن سألنا نساء عن شعورهن حيال تركهن لأوطانهن وبيوتهن. لأن رحلاتهن غالبًا ما يتم اختزالها في ثلاث مراحل هي ترك الوطن ورحلة الفرار والوصول إلى بيت جديد، لا يفي هذا التبسيط التجربة حقها. وهو ليس كافيًا لإخبارنا عما اضطرت تلك أولئك النساء لتركه وراءئهن أو لحمله معهن إلى مستقرهن الأخير. فقصصهن أكبر وأعمق… 

نهلة من سورية

«أنا نهلة إمام. بنت عم عادل إمام»

هكذا تُعرِّف نهلة نفسها حتى يعرف الجميع اسمها ولا ينسوه، كون اسمها الأخير يتشابه مع اسم الممثل المصري الشهير، مما يثير ضحك أي شخص يقابلها. محطتها الحالية كان من المفترض أن تستمر خمسة عشر يومًا فقط، ولكنها امتدت لأكثر من ست سنوات! «ست سنوات عشت أول شهورها مرتاحة البال ومتجاهلة للوضع الحالي، فكنت أخرج كل يوم أتجول في البلد الجديد كسائحة مع أبنائي حتى يتأقلموا على هذا الوضع الجديد. لكن بمرور الوقت أدركت أني في رحلة سياحة طويلة الأمد. وجدت أن حال أبناء وطني ليست ميسورة كحالي. فأحسست أنني مسؤولة عن كل امرأة سورية في مجتمعي الجديد. فجعلت من بيتي هنا ورشة عمل لطبخ أشهى أكل، وتوفير حياة أسهل لتلك لأولئك السيدات. بيتي الحالي مليء بحب الناس. منزلي في سورية كان شبيهًا بالمتحف. وهذا أمر متوقع لأنني درست الديكور. منزل جميل أغير شكله أنا وأطفالي كلما مللنا من لون الحائط أو ترتيب الأثاث ولا يخلُوا من الزرع».

عبلة من السودان

إعراض عبلة عن المشاركة في الأحاديث فسره البعض بضعف سمعها، لكنه في الواقع بسبب لسانها المثقل بالشوق العارم لأبنائها الغائبين. شووٌقٌ لا تسعه الكلمات. وإن أصبحت الكلمات بلا جدوى يصبح الصمت أفضل. «الكلام يوجعني. كنت أعيش في بيتٍ كبيرٍ وأحب أن أزرع كثيرًا. كان عندي الكثير من شجر نخيل البلح في الساحة. أسعد لحظاتي كانت وأنا أسقي الزرع في بيتي صباح كل يوم. أفتقد وردي الأحمر والأصفر والبنفسجي. وأفتقد أولادي. تركت السودان معهم، ولكنهم الآن يعيشون مع عمِّهم في السودان. يمكنني محادثتهم بين الحين والآخر ليؤنسوا وحشتي. أنا وحيدة حتى ولو كنت في بيت أختي. بعد مغادرة أولادي عشت في بيت أختي لإحساسي بالخوف وعدم الأمان. لا زلت أخاف الوحدة. لا أعلم إن كنت سأرى أبنائي مرة أخرى أم لا. ولا أعرف مصير والدهم ولا مصير اإبني الكبير. لا أعرف إن كانوا أحياءً أو أمواتًا. أشعر أن حظي سيئء طوال حياتي. سواء في السودان أو هنا. تخيلت أن حياتي ستكون هنا أفضل، ولكن الحياة لا تبتسم لي».

إجلال من اليمن

لو تركت منزلك اليوم بلا رجعة… ماذا ستحزم في حقيبتك؟ سؤال لن تتمكن إجلال اليمنية من الرد عليه لأنها عندما تركت منزلها في العام 2014 لم تكن تدري أنها ستكون المرة الأخيرة. «تركت منزلي لاستكمال دراستي في الخارج. كنت أسافر وأرجع كل 3 شهور. ولكن تلك المرة اندلعت الحرب بمجرد أن سافرت». تذكر إجلال حياتها في مدينة إب التي يطلق عليها «اللواء الأخضر» لطبيعتها الخضراء وانتشار الأنهار والشلالات. قد تكون أثمن ذكرياتها في بيتها هيو ذكرى زفافها وزوجها الذي تعرفت عليه في الطفولة. الآن إجلال أم لطفلتين في السادسة والثالثة، ولكنها تفضل عدم ذكر اليمن لبناتها في هذه السن الصغيرة. تقول إجلال «يطرحون الكثير من الأسئلة التي لن أتمكن من الإجابة عنها، أبسطها: ماذا يوجد في اليمن؟ ولن أستطيع إخبارهما أنه لا يوجد هناك الآن سوى النزاعات»، بعد اليمن، تنقلت إجلال أكثر من مرة من بيت لآخر، ولهذا السبب قررت أن تُعلم بناتها عدم التعلق بمكان، فالبيت بالنسبة إليهن هو وجود الأب والأم حولهما. كما فقدت إجلال تعلقها بوطنها كمكان، وإن سألتها اليوم: ماذا قد تأخذين معك من اليمن للمرة الأخيرة سترد: أمـــي.

عايدة من السودان

أريد أن أحكي قصتي لكل العالم. نحن النساء تحملنا تبعات كل شيء. من شدة الخوف أجذب ابنتي الوحيدة في حضني في غرفتنا لأحميها من العالم. خصوصًا بعد تعرضي للاعتداء. أخاف على ابنتي من كل الناس… لقد أصبحت الحياة أصعب، الشغل أصعب… لقد كان منزلنا مكان اجتماع الكل حول شجرة الدوم. لكن لا يهم المنزل الآن، المهم الآن هو أمان أبنائي. أنا أخاف عليهم من كل شيء. إن تأخر أحدهم في عمله لا أستطيع النوم. تراودني كل الأفكار السيئة. لا يمكن أن تسوء الأمور أكثر من هذا. ولهذا السبب أريد أن أحكي قصتي للجميع».

إلهام من اليمن 

«أعيش في بيت كله صناديق. كل ذكرياتي وكتبي التي أحبها في صناديق، وهذا هو ملخص حياتي».

إلهام أمٌ لطفلتين هما دافعها الوحيد لتستكمل حياتها خارج الصناديق. أوقفت الحرب الحياة في اليمن وخارجه. فتوقفت منحة إلهام للحصول على شهادة الدكتوراه خارج البلاد. حتى وإن كانت إلهام لم تقع تحت وطـأة النزاع في اليمن إلا أن مخططات حياتها لم تكلل بالنجاح. «زملائي أصبحوا أساتذة ولكن لا بأس في الغد القريب سأناقش رسالتي وتتحسن رحلتي».

«أمي توفيت في منزلي هنا، وليس على سريرها الذي تحبه، قبو منزلي في اليمن أصبح للاإختباء بدلًا من مخازن للمحلات التجارية، كل شيء يتغير إلا موقفي من الدراسة الذي ما زال عالقًا بسبب النزاع في اليمن».

سلوى من السودان 

«الحمد لله» كلمة لم تفارق لسان سلوى وهي تسترجع شريط الذكريات لتقارن بين حالها قبل ترك وطنها وحالها اليوم. لا يسعك إلا أن تلاحظ قدرتها المذهلة على لمِّ شمل أسرتها الكبيرة والتي تضم أختيها وأولادهن العشرة. في بلدها، عملت سلوى خارج البيت كتاجرة ماهرة وميسورة الحال، وداخل البيت كدعامة وسند لأخواتها الثلاثة. في الغربة لم تضعف قوتها. ولا زالت مصدر السند والدعم لأخواتها رغم فقدها لبيتها الكبير وتجارتها الناجحة. 

«عندما اضطررت لترك منزلي بسرعة لم أجد الوقت لبيع أثاث البيت، لكني كنت قلقة للغاية على الطيور التي أرعاها، فذهبت للجيران الذين أثق بهم ووزعت الطيور عليهم ليرعوها، لم أستطع أن أتركها بلا رعاية، هذه روح». تشتاق سلوى لمنزلها الفسيح وحياتها السابقة لكنها تقول «إأن الحياة لا قيمة لها إن فقدت إحدى أخواتي».

أخبرتنا أيضًا عن أمنيتها الوحيدة «فقط الصحة والعمر الطويل لأرعى أخواتي. أحيانًا أشعر أن قلبي سينفجر من دموعي المحبوسة، ولكن يجب أن أظهر قوية حتى لا يرى الآخرون ضعفي ويستغلونني».  

«الست بيت» مشروع فوتوغرفيا أجرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أجل إلقاء الضوء على نضالات النساء اللاجئات وكفاحهن المستمر لدعم أسرهن. وقد نشرنا هذا المشروع في البداية على موقع خاص باللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأعدنا نشره في عدد مجلة «الإنساني» رقم 65 الصادر في ربيع/ صيف 2019. انقر هنا للاطلاع على محتويات هذا العدد.

كتب النص وأجرى الحوارات صفاء مجدي، وسلمى عودة، وميرنا نعمان وهن موظفات بقسم الإعلام الرقمي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر. تولت ميرنا كذلك التصميم. أما الفوتوغرافيا فكانت للمصورة المصرية هبة خميــــــــس، التي حازت العام الماضي جائزة الصورة الصحفية العالمية (World Press Photo) عن قصتها «الجمال الممنوع» عن ظاهرة كي أثداء الفتيات في الكاميرون مخافة تعرضهن للاغتصاب.