صغيرة هي تلك المكتبة الغريبة المعلقة على الجدار الضيق. غرابتها كمنت في ما تحتويه من كتب مرصوصة تستدعيك لأن تلتقط واحدًا منها. كأنها تناديك باستمرار بلغة تسمعها بغير أذنين. شعور بالإدمان يغشاك كلما تناولت كتابًا ففتحته ثم لم تتمكن من إغلاقه حتى تصل لجلدته الأخيرة. لكن الأغرب أنها لم تكن تنضب. وكلما انتهيت من كتاب استدعاك آخر ثم آخر.

لطالما اعتبرتها نافذة نور وحيدة خلال السنتين العجفاوين اللتين اضطررت فيهما وعائلتي إلى النزوح عن منزلنا المدمر بسبب الحرب، والإقامة في منزل عمي الذي هاجر وعائلته، أيضا بسبب الحرب، على أمل العودة إلى منزلنا حال انتهاء الإصلاحات فيه.

أحاول أن أتذكر لحظات سعيدة في ذلك المنزل البديل فلا تحضرني إلا صورة المكتبة ولحظات كان أهل المنزل ما زالوا يسكنونه. عمي الجالس على سريره وبقربه منضدة احتلتها مجموعة من القواميس والكتب والأوراق وهو يعمل على الانتهاء من مشروع ترجمة لكتاب من الأدب الفرنسي الكلاسيكي؛ جدتي التي استيقظت مع الفجر فأنهت تنظيف المنزل قبل أن يصحو باقي أهل البيت ثم شرعت بتحضير الغداء؛ عمتي التي حذت حذو جدتي ثم حضرت من منزلها مع نرجيلتها استعدادًا لجلسة صباحية مع الجارات؛ ابن عمي يحمل كاميرته ويستعد للنزول لالتقاط صور لآثار التفجير الذي طال حيًّا قريبًا مساء الأمس؛ ابنة عمي الجميلة بشعرها الأسود الطويل تمسك يدي لتأخذني معها في زيارة لصديقة قريبة…

صور تستدعيها الذاكرة من زمن سبق تحول المنزل هذا إلى مكان لجوء. تسبق الإحساس الغامر بين جدرانه بالضيق والغربة. الجدران ذاتها وكذلك الأثاث لم يتغيروا لكن روح المنزل ومعناه بالنسبة إليَّ هما اللذان اختلفا. أصبح أشبه بمحطة قطار طال الانتظار عندها لما هو آتٍ. بل أصبحت أشك بأن الزمن توقف بالنسبة لي عند هذه المحطة ولن يعود إلى الحراك إلا فيما لو تركتها. لكن ليس الزمن وحده هو ما توقف.

فالغربة عن بيتك وأشيائك وحياتك الماضية تنخر في الروح وتترك ندوبًا فيها يصعب تخطيها. إحساس الغربة عن الذات وافتقادها أقوى من افتقاد الأشياء والأماكن. أن تكون موجودًا بالجسد فقط الآن، لكن لكن الحياة بالنسبة إليك تكمن في مكان آخر، في زمن آخر. وما تلك المكتبة الصغيرة إلا نافذة حاولت أن أبقيها مفتوحة على مر هاتيك السنتين علها تساعد على عودة الروح. كل كتاب فيها يحمل جزءًا من حياة أحاول أن أحياها بعيدا عن واقع لا يشبهني، وملجأ يعد بالكثير من المعرفة والانطلاق نحو آفاق رحبة تتخطى جدرانًا باتت ثقيلة على قلبي.

اليوم أبحث مرة أخرى عن تلك المكتبة الصغيرة، عن نافذة تعيد الروح والحياة إليَّ الآن هنا.

نُشر هذا الموضوع في العدد 65 من مجلة «الإنساني» الصادر في ربيع وصيف 2019، للاطلاع على محتويات العدد انقر هنا ولتصفح العدد إلكترونيا انقر هنا 

اقرأ أيضا: 

بلا رتوش: منازل برائحة الذكريات