تعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق التي تعاني من ندرة المياه، لا سيما وأن عددا من دولها ومناطقها الحضرية ترزح تحت وطأة أزمات ونزاعات عسكرية طويلة الأمد. في اليوم العالمي للمياه [22 آذار/مارس]، نلقي نظرة على واقع الحال في منطقتنا والتحديات الحالية والمتوقعة لتأمين المياه فيها وسبل تخطيها.

تمثل الأزمات والنزاعات المسلحة التي طال أمدها في السياقات الحضرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحديًا متزايدًا للسكان للحصول على المياه العذبة. ويقول خبراء إن المنطقة العربية ستعاني أكثر من غيرها من ندرة المياه بسبب النمو السكاني السريع، والافتقار إلى اتفاقيات المياه العابرة للحدود، والإدارة غير المستدامة للمياه، والتدهور البيئي الواسع النطاق خاصة بسبب النزاع المسلح.

وتحظى المياه بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، فالمادة 54 من البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف لعام 1949 تنص على أنه “يحظر مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين ومثالها المواد الغذائية والمناطق الزراعية التي تنتجها والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها وأشغال الري.”

أضرار مباشرة للنزاعات

يعتمد سكان الحضر بشكل كبير على الخدمات الأساسية لتلبية احتياجاتهم، وبالتالي فهم عرضة لأي تقلبات قد تحدث للخدمات الأساسية جراء النزاعات.

وتشمل الخدمات الأساسية تلك الخدمات الحيوية لضمان معيشة السكان المدنيين، بما في ذلك الكهرباء والصحة والمياه ومعالجة مياه الصرف الصحي والتخلص من النفايات الصلبة. وهذه الخدمات وإدارتها مرتبطة ببعضها البعض ما يجعل أي أذى يصيب أحد القطاعات ينعكس على القطاعات الأخرى.

وتعتمد هذه القطاعات على ثلاثة عناصر: العنصر البشري، والبنية التحتية، ومواد الطاقة لتشغيلها. وغالبا ما يؤدي القتال إلى التسبب بأضرار في هذه البنى التحتية بالإضافة إلى خسارة العنصر البشري الذي يديرها بفعل الإصابة أو النزوح كما أن المواد الأساسية لتشغيلها يمكن أن تصبح غير متوفرة.

في البلدان التي تعاني من نزاعات طويلة الأمد، يكون الأطفال دون سن الخامسة أكثر عرضة للوفاة من أمراض الإسهال المرتبطة بالمياه والصرف الصحي غير المأمونة بأكثر من 20 مرة من العنف في النزاع.

ففي اليمن مثلا أسفر الدمار الذي طال شبكات الصرف الصحي ومحطات معالجة المياه في ربوع البلاد عن سرعة انتشار وباء الكوليرا. وفي غزة فإن أكثر من ربع إجمالي الأمراض المسجلة في القطاع سببها رداءة المياه وصعوبة الوصول إليها وفقاً لدراسة أجرتها مؤسسة “راند” الأميركية.

أما في سورية فما يزال نقص المياه أحد الشواغل الرئيسية للسكان المدنيين في مناطق عدة.

ففي دير الزور، امتد الدمار إلى شبكة إمداد المياه، وتعطلت معظم محطات وشبكات المعالجة. وفي الرقة، يحصل السكان على المياه مرة واحدة في الأسبوع من محطة المياه الرئيسية. وتلجأ الأسر غالبًا في المناطق الريفية إلى ملء شاحناتهم الشخصية مباشرة من نهر الفرات لتعويض نقص المياه من المحطة الرئيسية.

يحكي حامد، 34 عامًا، وهو عامل في إحدى محطات المياه في حلب، عن أجواء القتال في العام 2012. في تلك الفترة حاول حامد وزملاؤه جاهدين أن يبقوا المحطة عاملة برغم ظروف القتال.

يقول ” في إحدى فترات القتال العنيف، كنا محاصرين لأيام متتالية. حافظت أنا وزملائي في العمل على وجود مستمر في المحطة. وعملنا في نوبات عمل لمدة أسبوع في محطتين للمياه فكنا نعبر الخطوط الأمامية بشكل أسبوعي بالتنسيق مع الشركاء والجهات الإنسانية على الأرض. لم تكن عملية العبور تسير بشكل سلس دائمًا وقد أصبت في إحدى المرات. واجهنا لحظات مروعة شعرنا فيها أننا جزء من فيلم رعب!”

أسباب متعددة للأزمة

هناك عدة عوامل تفاقم من أزمة المياه في المنطقة العربية، كالاستخدام غير المستدام للموارد الطبيعية والتدهور البيئي الواسع الانتشار، والتعرض الكبير لتغير المناخ في ظل وعي بيئي منخفض، مع تقادم البنية التحتية للمياه والصرف الصحي.

علاوة على ذلك، يبدو الأمر الأكثر وضوحًا اليوم هو توفير خدمات المياه والصرف الصحي يتدهور نتيجة الصراع والعنف.

يقول إيغور ملغراتي، المستشار الاقليمي لقضايا المياه والسكن في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، “يمكن لهذه الخدمات أن تتدهور بسبب التأثيرات المباشرة للنزاع (كتدمير البنية التحتية) أو التأثيرات غير المباشرة (التآكل المستمر للقدرة على تشغيل وصيانة الخدمات) على مزود خدمة المياه والصرف الصحي والبنية التحتية التي تعمل بها. ويصبح الأمر أكثر تأثيرا في المدن، حيث تعتمد المجتمعات على مجموعة معقدة ومترابطة من الخدمات.”

كما يمكن أن تشكل العقوبات والحظر وأشكال القيود الأخرى عائقًا كبيرًا أمام استيراد المواد التي يمكن اعتبارها “مواد ذات استخدام مزدوج” ولكنها ضرورية للتوصيل الآمن لخدمات المياه والصرف الصحي مثل البترول والكلور.

الشراكة كحل

من المهم أن يعتمد المجتمع الحضري في مواجهة الأزمات على بنية تحتية مرنة مع إدارة موارد المياه، النادرة أصلا، على نحو مستدام. إذ يؤثر الفراغ في إدارة المياه والبيئة خلال الأزمات الممتدة على كمية ونوعية المياه لمقدمي خدمات المياه والصرف الصحي وغالبًا ما ينعكس ذلك مباشرة على شكل تدهور سريع في جودة المياه.

كما تتعرض المياه الجوفية للتهديد بشكل خاص بسبب الاستغلال المفرط الناجم عن غياب تطبيق القوانين التنظيمية أو بسبب الزيادة السريعة في حفر الآبار كجزء من الاستجابة للطوارئ. ويؤدي ذلك إلى انخفاض سريع في مستويات المياه، وزيادة في تركيزات الملح. وفي المناطق الساحلية، يمكن أن يؤدي إلى تسرب المياه المالحة باتجاه المياه الجوفية.

وفي غياب التنظيم أو المراقبة أو البيانات المناسبة، يواجه مقدمو الخدمات شكوكًا حول تخزين المياه الجوفية، مما يجعل من الصعب التنبؤ بمستويات المياه الجوفية وقياس مدى الخطر الذي يهددها.

وتحدد منظمات دولية قائمة بسياسات ينبغي اتباعها لمواجهة انخفاض الموارد المائية وقت الأزمات. ومن ضمن هذه السياسات العمل مع مقدمي الخدمات لإعادة تأهيل الآبار القائمة بدلاً من حفر آبار طوارئ جديدة، وتحسين إدارة مياه الأمطار، والعمل على تقليل مستويات التلوث من خلال معالجة مياه الصرف الصحي.

يقول مالغراتي “فهم الخدمات الأساسية الحضرية والترابط في ما بينها بعناية ومقدماً مهم لتجنب الانقطاع المطول للخدمات الأساسية ما يعني أن يكون النهج المتبع للخدمات الحضرية مزيجًا من تدابير الوقاية والاستجابة والحماية.”