هي مدينة يحتفي أهلها بقدرتها على النهوض سبع مرات من تحت الركام. وكأن البطولة تكمن في السعي إلى الموت على أمل قيامة لا بد آتية. قدرة على تقبل الموت كقدر لا فرار منه، معزيًا نفسك بأن تلك المدينة أقوى من الموت.

لكن من قال ذلك؟ وهل كل موت يشبه سابقه؟ الموت كما الحياة صنوف متغيرة. الموت ليس واحدًا ووجعه ليس واحدًا. هو يتخذ صورًا كثيرة ليخدعك.

قد يبتلع المدينة في باطن الأرض، فيوهمك أن الأرض أم تحتضن في بطنها ذلك الجنين، وتغذيه حتى يحين موعد ولادته التالية. وقد يطلق عليها حمم حرب مغلفة بوهم قضية أو مظلومية ما تحرقها لتقيمها لاحقًا من رمادها.

قد يكسرها بسنين من التعذيب المغطى بعجز عن مواجهة فساد، ويقنعك بأنك أصل المشكلة ويثقل ضميرك بوطأة هذا العجز. قد يقتلها بداخلك ببساطة حين يقنعك بأنها صغيرة ومحدودة وأن العالم خارج أسوارها أرحب وأجمل وأنت تصدق وتهجرها غير آسف. لكن من قال إن علينا أن نصدق الموت حين يطلق أوهامه؟ من قال أن لا حياة لتلك المدينة إلا بموتها؟ من قرر أن قدرها مكتوب في تكراره؟ أم أننا نرغب في التصديق لنخفف عن أنفسنا إحساسًا بالذنب لعجزنا عن منع تكرار ذلك القدر. 

هي مدينة الآبار الكثيرة* ولعل في اسمها حُفر قدرها أيضًا. فمن سماها قد يكون فهم باكرًا أن عمق آبارها وكثرتها ليس مصدرًا للماء العذب فحسب، تقدمه لمن ارتضى سُكنَاها. هو الطُّعم الذي تصطاد به من يعشقها فترميه في لُجاها، وهو يقبل بأن يموت من دون أي مقاومة اختناقًا بحبها، عاجزًا عن الفكاك منه.

كثيرون ينتظرون هذا القدر.

كثيرون فهموا أن هذه المدينة ستبتلعهم يومًا ما. فجلسوا بهدوء ينتظرون الساعة. لكن أحدًا لم يتوقع أن يكون ابتلاع البئر لهم عبر ريح عاتية ترتفع في السماء في يوم صيفي ثم تتقدم ناسفة كل ما يقف في طريقها، ومن يقف. تشظت المدينة واختلط زجاجها وحجارتها بدماء ناسها. أولئك المنتظرون على شرفاتهم ينظرون إلى بحرها الفيروزي رأوا تلك الموجة تتقدم منهم ماسحة ما يقف في طريقها.

لعل أحدهم وقف مذهولًا على شرفة حيه القديم ينتظرها أن تقترب. ربما اعتقد أن بحر المدينة سيبتلعه فاستسلم له.

كنه لم يفهم أن المدينة كانت تلفظ نفسها الأخير. هي كانت تحتضر منذ سنوات. منذ أن نهشت الحرب روحها ولم تستطع استرجاعها. منذ أن طردت من أحبوها… منذ أن قررت أن تصبح عبدة للمظاهر الخداعة. منذ أن فقدت الأمل بأن تحيا كأي مدينة بأرواح أبنائها وآمالهم. منذ أن غابت تلك الآمال وأصبح سقف طموحات أي ابن لها أن تمر عليه الأيام من دون ألم، من دون فقد لأحبائه وأبنائه.. بلا سبب واضح.

حينها تحول هؤلاء الأبناء إلى نوعين: نوع قرر أن ينتظر حتفه فيموت مع مدينته المحتضرة، ونوع آخر قرر أن يقتل المدينة في داخله بأن يهجرها إلى غير رجعة. لكن الاثنين لم يتوقعا أن يكون موت المدينة في الرابع من آب/ أغسطس بانفجار أشعله السوس الذي نخر عظامها فشظاها ملايين القطع. في ذلك اليوم مات من لا يستحق الموت، وتحولت المدينة إلى هيكل من العظام المبعثرة.

أما من هجرها لقدرها مؤثرًا قتلها في قلبه، فبات ينظر بعينيه الفارغتين إلى ماء البئر يرتفع رويدًا رويدًا مغرقًا جسده منتظرًا أن تغشاه ظلمة الاختناق.

* بيروت أو «بيريت» باللغة الفينيقية تعني «الآبار»