مشهد الأطفال الذي يبدون كهياكل عظمية لا يفارق المخيلة. غير أن رحلتنا لتقديم المساعدات إلى مدينة مضايا السورية في أوج شتاء كانون الأول/يناير 2016 حفرت في ذاكرتي مشاهد أكثر قتامة:

الأطفال في الشوارع تعتريهم علامات سوء التغذية الشديد لدرجة أنهم بالكاد لاحظوا وصولنا.

قبو غارق في الظلام يعج بأطفال تبرز عظام وجوههم، ومسنين أصاب الشلل أركانهم. الكل يعاني من البرد والمرض والجوع. أجساد هزيلة ترقد على بطانيات زرقاء اللون تفترش أرضية عيادة مؤقتة أقيمت تحت الأرض، احتماءً من القصف الجوي.

لقد لاقت سورية من الويلات بفعل النزاع المستمر منذ ثماني سنوات ما جعلها تترنح. فما من عائلة في البلاد إلا وفقدت فردًا من أفرادها، ولم تنج عائلة من دون أن يطالها ضرر؛ إما بالنزوح، أو الإصابة، أو الاختفاء. ولحق ضرر بالغ بكثير من المنازل والمستشفيات والمدارس ومرافق المياه والكهرباء، أو دُمرت تمامًا.

سورية بحاجة إلى مساعدة الآن. أعلم ذلك علم اليقين. وطوال السنوات الثماني الماضية، قضيت معظمها بصفتي رئيس بعثة اللجنة الدولية في سورية، رأيت البلاد تنزلق من سلام هانئ إلى آتون الدمار والهلاك.

واشتعال حرب واسعة النطاق مُجددًا أمر ممكن، إن لم يكن مُرجّحًا، ما لم يحدث تقدم سياسي كبير، وما لم توضع خطة لإعادة بناء ما تحطم، سواء كان البنايات أو الناس. ولا بد من أن تكون هناك إجابات شافية لحالات مئات الآلاف الذين ذهبوا في عداد المفقودين، ولا بد أن يلتئم شمل العائلات التي تفرّق أفرادها، ويجب أن يحصل أولئك الذين يعانون جراحًا نفسية على دعم قبل أن يبدأوا رحلتهم نحو التعافي.

خلاصة القول، على الشعب السوري أن يجد طريقة للتعايش. وبصفتنا عاملين في مجال الإغاثة، بإمكاننا تقديم يد العون على المدى القصير والبعيد، وآمل أن يقدم المجتمع الدولي الالتزامات الضرورية لإحلال سلام طويل الأمد.

أشعر أن الجرح الذي أصاب مضايا قد حفر أخدودًا في عقلي. في أثناء الزيارة، همست أم لستة أطفال في أذني قائلة: “لقد فقدت ابني الأكبر للتو، كان في السابعة عشرة. أرجوكِ ساعديني ليظل الخمسة الباقين على قيد الحياة”. 

اقتربت امرأة أخرى مني وقالت وعلى وجهها ابتسامة: “هل تعلمين ماذا فعلتم بنا أنتم القادمون من الخارج؟ بتحدثكم إلينا وتذكّرنا، أعدتم إلينا شيئًا آخر؛ إنه كرامتنا. شكرًا لكم”.

كانت دمشق مدينة حديثة وجميلة ونابضة بالحياة عندما توليت رئاسة بعثة اللجنة الدولية فيها في 2009. ولم يكن يخطر على بال أحد أن سورية ستقع في مستنقع البؤس هذا. في منتصف شهر آذار/مارس عام 2011، اندلع العنف في بلدة تدعى درعا، التي تبعد عن العاصمة مسيرة ساعة. وبعد عام واحد اجتاح القتال أرجاء البلاد.

نظرة إلى الدمار الذي طال سورية (24 كانون الثاني 2018). تصوير: على يوسف/ اللجنة الدولية.

ومشاهد الدمار وأعداد الذين أزهقت أرواحهم وأصيبوا ونزحوا تمزق نياط القلب؛ أراض زراعية أصبحت جبهات قتال، وأصبحت حبات الزيتون غذاءً رئيسيًا مُعتادًا. ونزح ملايين الناس، نحو نصف سكان سورية. الملايين!

أما بالنسبة للأطفال، فقد أصبحت المدرسة ذكرى بعيدة. وقد استُبدل بدروس الرياضيات والتاريخ والعلوم دروسٌ فرضتها الحرب: الهرب، الاختباء، الحزن، البقاء على قيد الحياة. عدد كبير من الأطفال ممن هم دون الثامنة لم تُفتح أعينهم على شيء آخر سوى الحرب.

وأدت سنوات القتال إلى جعل بعض الخدمات الحيوية بالبلاد في وضع بالغ الهشاشة، بما في ذلك المدارس والمرافق الصحية وأنظمة الإمداد بالكهرباء وقنوات الري وخدمات المياه. وبات أكثر من 11,5 مليون شخص في حاجة إلى مساعدة، ويعيشون الآن في ظروف قاسية.

وحتى المناطق التي بها بنايات سكنية أو منازل أو متاجر لا تزال قائمة، فهي في الغالب لا تخلو من مخلفات الحرب القابلة للانفجار، الأمر الذي يضع العائلات ولا سيما الأطفال تحت تهديد خطر شديد. ولا بد من التحرك فورًا للتخلص من مخلفات الحرب هذه بشكل آمن، بما فيها تلك التي تلوّث الحقول الزراعية.

حلب. ألا يذكركم الاسم بدمار ومعاناة تعجز الكلمات عن وصفهما؟ إنه يذكرني أنا.

في نهاية عام 2016، لم تخْلُ سماء حلب من القذائف للحظة واحدة، وكانت قذائف الهاون تمطر الأحياء السكنية. وأسفرت المعركة عن تحويل المدينة إلى أشلاء وسلبتها روحها.

في درجات برودة بلغت حد التجمد، عبرت فرق اللجنة الدولية والهلال الأحمر العربي السوري الخطوط الأمامية للقتال لتخوض وسط أكوام من الأنقاض. ترجلنا من السيارة لنلوّح بعلم الصليب الأحمر، لكي يعلم الجميع من نحن.

عندها وقعت عيناي على أحد أكثر المشاهد التي اهتزت لها مشاعري: آلاف الأشخاص، معظمهم من النساء والأطفال، في انتظار أن يتم إجلاؤهم. كثير منهم كانوا يرتدون أسمالًا بالية، وتنوء ظهورهم بحقائب قديمة مهلهلة. وملامح الإنهاك والخوف والقلق والأمل كانت محفورة في وجوههم. الدمار يخيم على كل شيء.

كان هناك الكثير من الأطفال، ولا أظن أن أحدًا منهم كان يرتدي ملابس تقيه برد الشتاء. كانوا صامتين، لم يُصدروا أي صوت، ولم تجد الابتسامة سبيلًا إلى وجه أحدهم. كانت وجههم خالية من أي تعبير.

هذه هي الصورة التي تتبدى أمامك عندما يُعمِل العنف مخالبه في شرايين الحياة. ولهذا السبب لا بد لسورية من أن تعيد بناء نفسها؛ بناياتها وأرواح شعبها.

مضايا، حلب، الموت، الدمار – هذه ذكريات يجب ألا تعيشها سورية مُجددًا.

شغلت «ماريان غاسير» منصب رئيس بعثة اللجنة الدولية في سورية خلال الفترة 2009-2013 ثم الفترة 2015-2019.
وقد نُشر هذا المقال على موقع «دويتشه فيله». 

نشرنا في السنوات الأخيرة عدة مساهمات حول النزاع في سورية والوضع الإنساني للسكان المدنيين في البلاد، انظر مثلا:

نيكولاس هاوتون، عندما صمت الأطفال… قصة ما حدث في عملية إجلاء المدنيين من حلب

لنا عزام علي، النزاع في سورية وعواقبه على الصحة النفسية للّاجئين

أندى الخطيب، في حمص.. امتلكتُ الحقيقة

عامر فؤاد عامر، الموسيقى ترفع راية العصيان ضد الحرب في سورية

إبراهيم دراجي، التغريبة السورية…عندما يتحول نصف الشعب إلى نازحين

ماهر المونس، نصف مدينة، نصف حرب، نصف حياة…يوميات قذائف تدك مدن سورية

فراس محمد، أزمات شحنت العين والعاطفة.. الحرب والصراع كما تعكسهما مرآة السينما السورية