بدأت عملي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سورية مع بداية العام الثالث للحرب في بلدي، وكان جزء كبير من عملي يقتضي متابعة وسائل الإعلام المختلفة، ومعرفة ما يجري على امتداد خريطة الحرب السورية التي كانت تزداد تعقيدًا كل يوم. كانت قدرتي على استيعاب ما يحدث تتناسب عكسيًّا مع  كم متابعتي للأخبار. عدة أشهر مرت قبل أن يتحول مسار عملي إلى طبيعة ميدانية تخرجني من مكتبي، تخرجني من قوقعة الخبر العاجل إلى قصص الناس، آلامهم وأوجاعهم، تصحبني إلى أماكن صبغها القتال بلون الدمار وتضعني وكاميرتي أمام أشخاص وسمتهم الحرب بصفات نازحين، ضحايا، مهجرين، عائدين، لأتحدث معهم وعنهم فيما بعد.

أشخاص لن يجدوا طريقهم إلى عنوان الصفحة الأولى من جرائد الغد، ولن يرتجف صوت المذيعة حين ذكر أسمائهم إلا إذا عرفت رصاصة حرب طائشة طريقها إليهم. حينها فقط سيصبحون أبطال الغلاف. أما أنا وفي وسط سعير هذه الحرب فقد وجدت بوصلتي، وجدت أبطالي ووجدت مرساتي التي ستثبتني في بحر الدماء هذا قبل أن يجرفني بعيدًا.

قصص الناس..

لست في موقع تشكيك بالأخبار الواردة، أو بعدم موضوعية هذه الجهة أو ذلك الصحافي، ولكني وبكل ثقة أستطيع القول إن الإعلام «الصديق» أو «العدو»، «المغرض» أو «الشفاف» لم يستطع أن يتحدث بصوت الناس، كل الناس. على كل حال، المهمة ليست بسهلة بل في كثير من الأحيان تكاد تكون مستحيلة. أذكر أنه وبانتقالي من مكان لآخر كانت جعبتي من القصص تزداد، وكان سؤال واحد يطاردني، ماذا لو أن أكثر ما نفتقده في زمن المعلومات هذا، هو الحقيقة؟ وما هي الحقيقة أصلًا؟ سمعت قصصًا ملهمة وأخرى كانت أقرب لأن تكون ضربًا من الجنون. تعرفت على أشخاص صقلتهم الحرب فأظهرت بريق باطنهم، وآخرين شوهتهم الحرب، جسديًّا ونفسيًّا.. وتبقى أفضل قصصي هي تلك التي شهدتها في حمص القديمة.

كنت مع الفرق الأولى التي دخلت المدينة فور تنفيذ الاتفاق لفتح أحياء حمص القديمة. دخلنا المدينة التي بدت للوهلة الأولى كمشهد البداية في فيلم هوليوودي، صمت ودمار هائل وفراغ. يكسر حاجز الصمت صوت ورقة شجر دفعتها الريح، ثم مرور سريع لقطة جائعة. نتابع المسير لنلتقي بمن بقي في منزله وشهد على كل ما حصل في هذه المدينة. استمعت لشهاداتٍ كثيرة، لم يرغب أغلب أصحابها بأن يتحدثوا عن بشاعة ما شاهدوا بل عن جمال صبرهم، فهم الحكاية أصلًا. إلى أن وصلت لزوجين في عمر الثمانين، أخذا من بقايا الطريق أمام منزلهما مجلسًا، وأمامهما ركوة القهوة والفناجين ومذياع صغير تصدح منه أغانٍ، صوت التشويش فيها أعلى من صوت الغناء، فمحطات تقوية البث لم تخضع للصيانة بعد أن دمرتها الحرب. أجلس معهما، أشاركهما فنجان قهوة وأسألهما: لو عادت بكما الأيام، هل كنتما تتركان منزلكما وتغادران حمص القديمة؟ وفور انتهاء سؤالي، سمعت إجابتين وصوتين، أجابني صوت الرجل بحزن «طبعًا، ومن اليوم الأول»، وبصوتٍ أكثر قوة، أجابت السيدة «أكيد لأ، كانت أحلى أيام».. أجابَهما صمتي الطويل وعيناي الحائرتان قائلين: «لم أفهم، أخبراني أكثر»..

وهنا بدأ النقاش بين الزوجين الذي احتد ليتحول لمشهد مشاكسة اعتيادية بين زوجين عجوزين يختلفان على «طبخة اليوم» أو شراء براد جديد، إلا أنهما يتحدثان عن مدينتهما المهدمة.. هذان الشخصان عاشا التجربة ذاتها، تحت سقف واحد، جاعا وبردا معًا، ضحكا وبَكَيَا، تشاجرا وتصالحا مئات المرات، وها هما اليوم يخبراني قصتين مختلفتين، ولكل منهما رأي مختلف في السياسة والحرب. ظننت أني بحديثي معهما سأمتلك الحقيقة كلها… كم كنت ساذجة! 

أفكر بقصة هذين الزوجين، وأتساءل كيف للإعلام أن يخبر بقصتهما، هل سيتحدث عنه أم عنها؟ ويُخيل لي أن صحفيًّا سيمرَ بهما فيختار القصة الأقرب لقلبه ولقلب مؤسسته الإعلامية وقلب جمهوره. ويختم الحديث عن أحدهما ويقول هذه قصة أهل حمص القديمة، قصة أهل حمص، قصة سورية أجمع..

أطفأتُ التلفاز… وتوقفت عن قراءة الجرائد…

هكذا أنهيت علاقتي مع نشرات الأخبار الطويلة واستديوهات التحليل العسكرية والسياسية والجيو-اقتصادية ومقالات الرأي والرأي الآخر والتقارير السرية المسربة عن الجنرال فلان أو السفير علان.. هكذا أنهيت علاقتي مع أخبار الحرب من سورية…

أظن اليوم وبعد سنوات الحرب الثمانية أني امتلكت الحقيقة الوحيدة: «ما من حقيقة مطلقة!»

***

اقرأ أيضا: أندى الخطيب، في دمشق رأيت وجهى الجديد

تعمل أندى الآن موظفة بقسم الإعلام الرقمي بمقر اللجنة الدولية في جنيف. وقد عملت طيلة ثلاث سنوات مسؤولة في قسم الإعلام في بعثة اللجنة الدولية في دمشق.

نُشر هذا المقال في العدد 64 من مجلة «الإنساني» الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 2018 ضمن ملف «الإعلام…توثيق ذاكرة الحرب» الصادر في عدد المجلة الخاص بذكرى مرور عشرين عامًا على انطلاقها