هل سأرى العراق مرة أخرى؟

بلا رتوش

هل سأرى العراق مرة أخرى؟

تصوير: دعاء السعدي

أغادر العراق بعد عامين مفعمين بالحياة، لكن العراق لن يغادرني أبدًا. سيظل هذا البلد متربعًا على عرش ذاكرتي، مستأثرًا بنصيب الأسد من تفاصيل كثيرة رسمت شخصيتي وشكلت نفسيتي.

لقد أعاد هذا الوطن الاستثنائي تشكيل جزء أصيل من هويتي، وعمّق انتمائي لهذه المنطقة، ورسّخ في وجداني عشقًا أبديًا لحضارة تمتد جذورها لآلاف السنين عبر العصور؛ هناك، حيث خطّت البشرية أولى كلماتها، واكتشفت سر الزراعة، ليتغير وجه التاريخ، والعلم، والفلسفة، وكل شيء إلى الأبد.

يوم وصلت إلى العراق لأول مرة، تطلعت من نافذة الطائرة، فلمحتُ دجلة والفرات يتعانقان كشريانين يغذيان قلب الأرض وروحها. في تلك اللحظة، تملّكني إحساس يعجز اللسان عن تفسيره: مزيج مهيب من الرهبة والغموض، يختلط بدفء الحب وحنين جارف إلى الماضي البعيد وحنين إلى وطني اليمن الذي اختطفته الحرب، ومزقته اجتماعياً واقتصاديًا وانسانيًا.

لحظاتي الأولى وأنا أهبط في العراق كانت مغايرة لكل رحلاتي؛ لم تكن الطائرة وحدها هي التي تهبط، بل هبط قلبي معها وسيل دافق من المشاعر، واستقرت مشاعري كلها على هذه الأرض. لم تكن أرض الرافدين غريبة على إنسان ينتمي إلى ذات المنطقة، ويحمل في عروقه إرث حضارة ممتدة هي الأخرى لآلاف السنين؛ حضارة اليمن، من سبأ إلى حِمير. لقد كان اللقاء بمثابة عناق أخوي بين مجد “مأرب اليمن” وعراقة “بابل العراق”.

لقاء حضارتين

وصلت العراق في 17 أيلول/سبتمبر 2024 في مهمة رسمية مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر كمنسق لقسم الإعلام والنشر، لكن العراق لم يكن لي مجرد محطة عمل عابرة أو أرقام وتقارير، بل كان تجربة إنسانية، واجتماعية، وثقافية، وفنية فريدة من نوعها. سافرتُ على جناح وظيفتي إلى مناطق كثيرة فيه؛ من عمق الجنوب وسحر الأهوار في الناصرية، إلى الأنبار، وعراقة الموصل، وصولًا إلى جمال الجبال في أربيل والسليمانية، وغيرها من الأماكن التي تركت في نفسي أثرًا لا يمحى وبعدًا إنسانياً لا ينسى.

قابلتُ في زياراتي أناسًا من كل أطياف المجتمع وفئاته؛ من السائق البسيط والعامل الكادح، إلى الطبيب والمثقف. رأيتُ بأم عيني كيف صُقلت شخصية الإنسان العراقي وتجذرت، لتتشكل من مزيج نادٍر من الألم والصبر، وحب الحياة المتجدد الذي ينبعث من تحت الرماد والمعاناة.

قد يقول البعض إن هذا مجرد كلام إنشائي أو فيض من عاطفة عابرة، لكنها الحقيقة التي عشتها وتنفستها. ولن أجد نفسي مجبرًا على تبرير حبي لهذا البلد، وتعلّقي الأبدي بأرضه وشعبه وثقافته وفنه. في إحدى زياراتي لمدينة السليمانية، دخلت إلى مقهىً بسيط وهادئ لأرتشف كوباً من القهوة. وعندما هممتُ بالرحيل وأردتُ دفع الحساب، فاجأني صاحب المقهى بابتسامة دافئة وهو يقول: “لن آخذ منك شيئاً، أنت ضيفي اليوم!”. كان رجلاً وقوراً، خطّ الشيب ملامحه وتكللت لحيته ببياضٍ يحمل طيبة السنين وحب العطاء. هذه اللفتة الكريمة لم تكن إلا فصلاً واحداً من قصصٍ ومواقف عديدة عشتها، وتذوقتُ فيها دفء العراق وكرم أهله.

لقد توغلت خلال عملي في عمق المأساة الإنسانية، فقابلتُ أمهات وآباء فقدوا أحبتهم وفلذات أكبادهم بسبب الحروب المتعاقبة، وجلستُ مع أطفال وشباب بُترت أطرافهم جراء مخلفات الأسلحة والتلوث الذي تركته الصراعات. وفي وسط هذا الركام، كانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تحاول بشتى الطرق والبرامج الإنسانية بلسمة هذه الجراح، ومد يد العون والمساندة لهؤلاء الأشخاص بقدر المستطاع، لتعيد لهم بصيصًا من الأمل بغدٍ أفضل.

عندما تختلط الانسانية بالفن

لم تكن العراق بالنسبة لي مجرد تجربة مهنية عابرة، بل كانت مخاضًا لإعادة اكتشاف نفسي عبر تجربة إنسانية وثقافية وفنية فريدة؛ فالفن، في جوهره، هو الذي يصقل الإنسانية ويهذبها.

لقد اكتشفتُ العراق الحقيقي من خلال عبق فنه الأصيل وموسيقاه التي تشبه شجن أرضه. نعم، كنت قد استمعتُ إلى الطرب العراقي قبل أن تطأ قدمي هذه الأرض، لكنني لم أكن ملمًا ولو بجزء بسيط من هذا التراث الفني الباذخ والعميق والمتشعب والفريد من نوعه. هنا، عشت الأغنية وتنفست مقامها؛ استمعتُ إلى الكثير من الموسيقى، وتعرفتُ عن قرب على قامات الفن العراقي الذين صاغوا وجدان الأمة. تنقلت روحي بين صوت “سعدون جابر” الدافئ، وشجن “حسين نعمة”، وعذوبة “عفيفة إسكندر”، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تمحى في تاريخ الإبداع العربي.

وجدتُ نفسي أردد معهم بقلبٍ مأخوذ: “يا حلو يا أسمر غنى بك السمرُ”؛ تلك الأغنية التي غنّت لكل سُمر هذه الأرض وطيبتهم. ثم استبدّت بي الغربة والشوق مع لحن “أنا يا طير ضيعني زماني”. كانت كل نغمة وكل بيت شعر كأنهما يرويان قصة شعبٍ يداوي جراحه بالغناء والموسيقى، ويصنع من الوجع لحناً للخلود والأمل. وفي غمرة ذلك الشجن، تذكرتُ اليمن؛ تذكرتُ روعة فنّه، فغنيتُ مع الفنان أحمد بن أحمد قاسم:

قُمريٌّ تغنّى على الأغصانِ يشدو

يشكو من البَينِ والهجرانِ

ما يعرفُ النومَ في الأجفانِ…

حقاً، إن الفن إنسانيُّ المذهب، عابرٌ للحدود، وموحّدٌ للأمة؛ فعلى عتباته تختفي الفوارق، وتتحد القلوب في الألم والأمل. وهنا.. تستوقفني دائمًا الأغنية الرمزية الخالدة: “يظل عالي العراق وعاليه أسواره”، فأبتسم، وأقول لنفسي بيقينٍ تام: سيظل حب هذا البلد عصيًا على النسيان، محفورًا داخل حدود قلبي.. إلى الأبد مثل حبي لليمن.

قد يقول البعض أن “الحضارات تمرض لكنها لا تموت”، وما من أرض ينطبق عليها هذا القول كالعراق. إن من ليس له ماضٍ ليس له حاضر، والعراق الأصيل بشعبه هو خير دليل وشاهد حي على عظمة الماضي، وصمود الحاضر، وإشراق المستقبل. سأرحل وجسدي يبتعد، لكن روحي ستبقى معلقة ببلاد الرافدين، متسائلًا مع كل نبضة: هل سأرى العراق مرة أخرى؟

شارك هذا المقال

تعليقات

لا توجد تعليقات الآن.

اترك تعليقًا