تحمل مخيمات النزوح العراقي في طياتها مصاعب وآلامًا وتحديات، لكنها من ناحية أخرى، تعج بمواهب وآمال تحاول جاهدة الكشف عن نفسها وإيصال صوتها للعالم. قابلنا موهبة عراقية شابة هي الفتاة زهراء التي لم تمنعها حياة النزوح وقسوتها من ممارسة هوايتها في الرسم.

اسمها زهراء، 19 عامًا، نازحة من العاصمة العراقية بغداد. قضت معظم عمرها في النزوح. فقد فرت هي وأسرتها من بغداد قبل عشر سنوات. التحقت بمدرسة ابتدائية في جوارقورنة التابعة لقضاء رانية في إقليم كوردستان، لكنها توقفت عند الصف الرابع الابتدائي، إذ حالت الظروف الاقتصادية لأسرتها بينها وبين استكمال تعليمها.

في بيتها، في ناحية چوارقورنة، التي تبعد مسافة 90 كيلومترًا من أربيل تقطن زهراء مع عائلتها المكونة من تسعة أفراد. يبلغ عدد سكان الناحیة نحو 50 ألفًا، أغلبهم من الأكراد. فبعد سلسلة الأحداث العنيفة التي نكبت بغداد منذ العام 2003، نزح إليها كثير من العراقيين إضافة إلى لاجئين من سورية وإيران.

تشتهر المدينة بمناظرها الطبيعية الجميلة كونها تطل على بحيرة دوكان الواقعة على نهر الزاب الصغير الذي يأتي إلى الإقليم من شمال غربي إيران. الزراعة والصيد وتربية المواشي هي أهم سبل العيش في الإقليم.

لزهراء شقيقين وخمس شقيقات، اثنتين منهن متزوجات، فيما ترملت ثالثتهن. الأب مريض لا يقوى على العمل. لذا يحاول الإخوة العمل وتوفير قوت يومهم. الأخ الأكبر علي يكسب رزقه من العمل في البناء بأجر زهيد، فيما يبيع الأخ الأصغر حسن الآيس كريم الذي تحضره أمه على عربة ذات ثلاث عجلات.

تقول زهراء إن والدها كان يعمل ويعيل الأسرة لكنه توقف عن العمل بسبب المرض. وتضيف «لا يوجد هناك ما يشغلنا. نضطر إلى البقاء في المنزل في أغلب الأحيان ولا نخرج منه. ما يشغلني في أوقات فراغي هو هوايتي الرسم». تتمنى زهراء العودة إلى مقاعد الدراسة.

لكن للأسف تواجه بعقبة السن. يخبرونها أن عمرها «تجاوز الحد المسموح به». «تعرضنا لظروف اقتصادية وعائلية. لهذا لم أتمكن من إكمال دراستي واضطررت إلى ترك الدراسة”، تشرح زهراء «وكل طلباتي للالتحاق مرة أخرى قوبلت بالرفض متحججين بتقدمي في السن، إذ كنت حينها في سن الثامنة عشرة». عندما نزحت زهراء من بغداد التحقت بمدرسة لغة، الدراسة فيها هي اللغة الكردية التي تتقنها الآن.

ترسم زهراء منذ نعومة أظفارها. وقد تركت الرسم لفترة، لكنها عادت لتنمية موهبتها. شاركت في معارض الرسم التي نظمتها مدرستها وقت أن كانت طالبة. وكان هذا متنفسًا كبيرًا لها. الآن تواجه تحدي غياب أي اهتمام بالفن في المدينة التي تعيش فيها.

تقول زهراء «أحب أنواع الرسم إلى قلبي هو الرسم التعبيري، ما لا أستطيع التعبير عنه بالكلمات أعبر عنه بالرسم. أحاول تفريغ الطاقة السلبية عن طريق الرسم. أحب الأطفال أكثر من أي شيء آخر وأطفال أفريقيا على وجه الخصوص. أحب أن أرسمهم وأن أعبر عن المعاناة التي يعيشونها». هي تستعمل القلم الرصاص والفحم أكثر من غيرهما من أدوات الرسم في الوقت الحالي لغلو أسعار الألوان المائية والزيتية.

 

دفتر لرسم القلق

تصفحنا دفاتر الرسومات التي أنجزتها زهراء. تأملنا رسمة لوجه فتاة ووضعت يدا على فمها و أخرى تعصب بها عينيها. تقول زهراء: «هذه الصورة أحبها كثيرًا. كانت لديَّ خطط ولكن لم أتمكن من تنفيذها بعدما تركت الدراسة. رسمت هذه اللوحة للتعبير عن حالة اليأس التي كنت فيها». وأضافت «ما تعنيه اللوحة لا توجد أحلام لتتحقق، أنا محبوسة في البيت لا أستطيع الخروج ولا أستطيع أن أغير من حالتي».

رسمة أخرى تكلمت عنها زهراء، لرجل حزين مسن يدخن سيجارة. تقول زهراء: «هنا رسمت معاناتي، وحينها كنا نمر بظروف قاسية جدًّا ورسمت رجلًا مسنًّا تعبيرًا عما مر بوالدي من ظروف صعبة. أحب أن أرسم التعابير القلقة على وجه أفراد عائلتي». «ضاعت أحلامي بين الحروب» هي عنوان رسمة أخرى، تمثل طفلًا بجناحي فراشة. “هي تعبر عن الأحلام، تقول، ورسمت السلاح في يديه كونه الواقع الذي يعيش فيه ولكن أحلامه هي أن يدرس وأن يعيش طفولته».

لاحظت بعض الصور التي رسمتها زهراء لأطفال أفريقيا: قالت: «أكثر شيء أحبه هو أطفال أفريقيا لأنني أحس بأن معاناتهم أشبه بمعاناتي. إذ يأملون أن يتعلموا وأن يعيشوا طفولتهم، ولكنهم لا يستطيعون إلى ذلك سبيلًا، بسبب عدم توافر المدارس وأكثريتهم مجندون منذ الطفولة ولم يعيشوا طفولتهم. لذلك أحب أن أرسمهم. هي لوحة تعبر عن معاناتي حين تسد جميع الأبواب وحتى الأحلام يجب نسيانها».

نٌشر هذا الموضوع في العدد 69 من مجلة «الإنساني» الصادر في خريف/ شتاء 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. للاطلاع على العدد كاملًا، انقر هنا.

يمكنكم الحصول على عدد مطبوع من المجلة التي توزع مجانًا من خلال بعثاتنا في المنطقة. انقر هنا لمعرفة عناوين البعثات.