شهد العقد الماضي عنفًا أهليًّا وقتالًا داميًا في العديد من أقطار الشرق الأوسط العربية، إذ اندلعت نزاعات مسلحة في كل من سورية واليمن وليبيا، لتشهد الدول الثلاث مقتل الآلاف وإصابة ونزوح الملايين من سكانها.

وأثرت النزاعات العسكرية في هذه الأقطار في دول أخرى بالشرق الأوسط؛ تراوح بين تأثير مباشر سياسي واقتصادي نتيجة الجوار والحدود المشتركة لدول الصراع كما هي الحال في لبنان والأردن والعراق، ودول ثالثة شهدت تغييرات سياسية عاصفة أدت إلى مواجهات محدودة وأعمال عنف مسلح ممتد تعلو وتخفت وتيرته عبر عقد كامل، كما هي الحال في مصر وتونس، وإما دول رابعة تأثرت بموجة التغيير بشكل عام، وبالرغبة في تحقيق الحراك السياسي والاجتماعي، لتشهد بدورها عنفًا محدودًا للغاية، لكنه مؤثر ومصاحب لتغييرات محلية كبرى.

وغني عن البيان أن الأحوال العامة في الشرق الأوسط لم تكن هادئة أو مستقرة منذ عقود طويلة، فأتت رياح التغيير السياسي – على تباين شدتها – لتضيف مزيدًا من التحديات والأعباء على كاهل شعوب المنطقة، بدرجات متفاوتة.

حصاد مر

حصدت عشر سنوات من العنف في الدول العربية أرواح مئات الآلاف من البشر، فعقب خمس سنوات من اندلاع الحرب الأهلية في سورية، قدر ستفان دي مستورا – مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية لسوريا – أعداد القتلى بنحو أربعمائة ألف قتيل، إلا أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة أعلنت أنها قد توقفت عن حصر أعداد القتلى في سوريا، وذلك في مطلع عام 2014 نظرًا لصعوبة الأمر وعدم قدرة مراقبيها على حصر الأعداد في مناطق القتال بسوريا. وتقول تقديرات غير رسمية إن نحو نصف مليون شخص قد فقدوا حياتهم بسبب القتال.

أما في اليمن التي بدأت تشهد اضطرابات عنيفة منذ العام 2011، تصاعدت إلى اندلاع حرب أهلية في عام 2015، فقد قدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عدد القتلى – حتى كانون الأول/ ديسمبر 2020 – بأنه يتجاوز الربع مليون قتيل، أكثر من نصفهم فقدوا حياتهم بسبب نقص الغذاء والعلاج. هذا إضافة إلى أكثر من أربعة وعشرين مليون شخص – يمثلون ثمانين بالمائة من إجمالي سكان البلاد – بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، فيما وصفته الأمم المتحدة بأقسى أزمة إنسانية يشهدها العالم على مدى الست سنوات المنصرمة.

وفي دول عربية أخرى، هناك آلاف ممن قضوا نحبهم. فقد هؤلاء حيواتهم جراء الأعمال القتالية، تحت قصف المدن، وبسبب نقص الغذاء والدواء. ظل نزيف الدم يؤرق الجميع، ويطرح تلك الأسئلة المؤلمة عن هذه التكلفة البشرية المهولة.

العراق، 2017. رويترز

الحلقة الأضعف

خلال عشرية الحروب والاضطرابات العربية، مثل النساء والأطفال كالمعتاد الحلقة الأضعف بين الضحايا على اختلاف أجناسهم وأعمارهم، وأصبح خطف النساء وتعرضهن للعنف البدني والجنسي مباراة لكسر طرف ضد طرف في دول عدة.

كما تعرضت النساء الناشطات بشكل عام لموجات من التخويف والتهديد والتحرش البدني والتعدي الجسدي لإرغامهن على الابتعاد عن المشهد السياسي، بحيث أصبحت ممارسات العنف الجنسي، أو حتى التلويح والتهديد بها وسيلة متكررة لإبعاد النساء عن ممارسة الأنشطة السياسية، أو حتى التعبير عن آرائهن في المجال العام في سياق التظاهرات والتجمعات سواء الشعبية أو النخبوية.

وأصبح الخوف من امتهان النساء سببًا في منع الأسر العربية واعتراضها على مشاركة بناتها ونسائها في الحراك السياسي خوفًا من الانتهاكات التي قد يتعرضن لها كعقاب على نشاطهن السياسي.

كما وجدت الأمهات أنفسهن يصارعن الموت والدمار، ويدافعن عن أنفسهن وعن أطفالهن في سجون ومعتقلات الأطراف المتحاربة وتحت قصف الطائرات الحربية، وفي معسكرات اللجوء، أو ضد أمواج البحر المتوسط العاتية، على متن زوارق متهالكة تسعى للوصول إلى ملاذ آمن في أوروبا، ضمن تصور يائس لطريق النجاة اضطر له النساء والرجال على حد سواء في ظل ظروف شديدة القسوة والعنف والعوز عايشها هؤلاء اللاجئون في أوطانهم الأصلية، دون أي أمل في مستقبل أفضل قريبًا كان أم بعيدًا.

والحق أن المرء ليتساءل عن الحالة الصحية والنفسية والعقلية والتعليمية لطفل ولد في سجن أو معتقل أو مخيم لجوء وقد قارب عمره اليوم عامه العاشر دون أمل في غد أفضل.

وشهدت أحداث الحروب العربية وتبعاتها استهداف مئات الآلاف من المدنيين وفقًا لهويتهم العرقية أو الدينية أو الطائفية، فتعرضت طوائف لعمليات تهجير قسري وتدمير دور العبادة والرموز الثقافية، وتعرضت النساء لجرائم حرب مروعة ممثلة في أعمال العنف الجنسي ضدهن.

لقد وجدت أطرافًا محاربة في الطائفية ورقة رابحة ليس فقط لتحقيق أهدافها، ولكن أيضًا لوصم الخصم وتشويهه في ظل ترويع المدنيين الذين طالهم نصيب أكبر من الأذى بفعل انتمائهم لأقليات كان قدرها أن تطحن بين مطرقة فصيل وسندان فصيل آخر.

043_dpa-pa_61275617 B

لاجئون سوريون لحظة وصولهم إلى ميناء بيريوس في اليونان، 2015. تصوير: Robert Geiss/ DP.

الفرار من الموت

شهد شرق البحر المتوسط موجة اللجوء الأكبر في العصر الحديث وبعد مرور مائة عام على أزمة مشابهة إبان الحرب العالمية الأولى؛ عندما طرق أبواب أوروبا مئات الآلاف من اللاجئين السوريين وأبناء القرن الأفريقي وغيرهم ممن ظنوا أن معسكرات اللجوء على أطراف أوروبا في تركيا واليونان والبلقان أفضل لهم من البقاء تحت رحمة الأطراف المتقاتلة في بلادهم.

ويقدر عدد النازحين داخل سوريا وحدها منذ العام 2013 بنحو ستة ملايين شخص ويماثلهم العدد نفسه ممن فروا إلى خارجها. ولم تقع تبعات فرار المدنيين السوريين على اللاجئين وحدهم، حيث تواجه دول عربية مثل لبنان والأردن عبء تقديم الدعم لمئات الآلاف من اللاجئين الذين هم بحاجة إلى الإعاشة والغذاء والعلاج والتعليم والخدمات المختلفة. ولا يخفى أن الدول المستقبلة المذكورة نفسها لديها من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ما تئن بسببه، فإذا باختبار إنساني وأخلاقي شديد الحساسية يضاف إلى كاهلها المنهك أصلًا.

وتظل الأسئلة المطروحة حول وجوب إغاثة اللاجئ في مقابل تقنين طموح المهاجر تخيم على معسكرات اللجوء إلى أوروبا والعالم الغربي بشكل عام، لتلقي التشكك والاتهامات على الفارين باتجاه الشمال، لتصفهم بأنهم منتهزو فرص، بينما يصرون هم على كونهم لاجئين يفرون بحياتهم وأبنائهم من أتون الصراعات في بلادهم. مما جعل موجات اللجوء تلك سببًا ومبررًا لإعادة النظر في تعريفات اللجوء الإنساني والسياسي، وكذلك في قوانين اللجوء ومشروعية الهجرة.

آلام الأرواح والأجساد

تسبب العنف المستمر في دول الحروب العربية بمختلف درجاته في الإعاقة البدنية والنفسية والعقلية للآلاف من البشر في منطقة تعد معدلات الإعاقة بين سكانها ضمن الأعلى عالميًّا. وأصبح الكثير من سكان هذه الدول المضطربة متعايشين مع إعاقاتهم دون أمل قريب في إعادة التأهيل أو حتى تمكينهم من التعليم أو التوظيف أو حتى العلاج في ظل ظروف أمنية واقتصادية وصحية متردية.

وأتت تلك الإعاقات البدنية والعقلية لتزيد الحياة صعوبة سواء في ظل مدن وقرى مهدمة أو في معسكرات اللاجئين التي لا تمتلك تجهيزات أو خبرات لإدماج أو تمكين ذوي الإعاقة باختلاف احتياجاتهم البدنية والنفسية والعقلية.

ICRC

أتى وباء كوفيد-19 في العام 2020 ليضيف تحديات صحية مرعبة للملايين ممن يعيشون في قرى ومدن تكافح للوصول إلى الماء النظيف أو تنتظر جهود الإغاثة والقوافل الطبية الزائرة لترى طبيبًا كل بضعة أسابيع وربما أكثر. وأصبح الخوف من القاتل المجهول عبئًا جديدًا مضافًا لحياة تلك الشعوب المتعبة التي تعاني الفقر والنزوح والعنف وضعف الخدمات الصحية ونقص الغذاء والدواء.

حتى إن الشعوب التي تعاني تلك الأزمات الطاحنة أصبحت تتجاهل الفيروس في حياتها اليومية، ربما لشعورهم بأن لديهم ما يكفي من التحديات الملموسة والمرئية دون ذلك القاتل الغامض الذي يمكن تجاهله ولو إلى حين.

أضيفت الفيروسات القاتلة إلى قائمة التهديدات التي تجعل حياة العديدين من سكان المنطقة جحيمًا، دون أمل في لقاح أو علاج أو حتى سبل وقاية تقلل احتمالات الإصابة بالمرض.

تراث محاصر

ولم تقتصر تكلفة الحروب العربية على حاضر ومستقبل شعوب المنطقة فقط، وإنما طالت ماضيهم وتاريخهم، فلم تسلم المواقع الأثرية وعيون التراث العالمي في الدول العربية من تبعات موجات العنف المستمرة منذ عقد كامل من الزمن. وتمتد المأساة من صنعاء وتعز اليمنيتين حتى الموصل العراقية وكذلك حلب وتدمر السوريتين؛ إذ طالهم جميعًا التخريب عمدًا وإهمالًا على حد سواء.

وحتى في المواقع التي شهدت عنفًا بصورة أقل، نجد أن المتحف المصري والمجمع العلمي بالقاهرة، وكذلك متحف ملوي بصعيد مصر قد وقعت في أيدي المخربين أحيانًا وتحت أيدي اللصوص في أحيان أخرى، كما تأثرت وتضررت بعض المتاحف والمواقع الأثرية بفعل أحداث عنف ومنها متحف باردو بتونس ومتحف الفن الإسلامي بمصر.

هذا بالإضافة إلى أن الانفلات الأمني قد مكن لصوص ومهربي الآثار من التنقيب والإتجار والتهريب، في ظل غياب أو انشغال الأمن بالأوضاع المحلية المضطربة حتى وجدنا التراث الإنساني من القطع الأثرية الثمينة والنادرة معروضًا للبيع على صفحات التواصل الاجتماعي، ومواقع التسوق الإلكتروني، دون خجل أو اكتراث لا للقانون، ولا للمعايير الأخلاقية، ولا حتى للملكية الفكرية والتراثية لشعوب الشرق الأوسط.

نُشر هذا الموضوع في عدد مجلة الإنساني رقم 68 الصادر في ربيع/ صيف 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. لتصفح العدد كاملًا، انقر هنا

 

للحصول على نسخة ورقية من المجلة، يمكنكم التواصل مع بعثاتنا في المنطقة العربية، وهم سيزودكم بإذن الله بما تحتاجون إليه من أعداد المجلة الحالية أو السابقة. انقر هنا لمعرفة عناوين وبيانات الاتصال.