في وقت تشهد فيه المنطقة العربية بؤر حروب وصراعات تتسبب في حالة من عدم الاستقرار والانقسامات الداخلية، بالإضافة للتكلفة الإنسانية الكبيرة، جاء تفشي فيروس كوفيد-19 ليلقي بمزيد من المخاطر التي تهدد دول المنطقة.

يعاني القطاع الصحي في عدد من الدول العربية، التي تشهد نزاعات مسلحة، من واقع كارثي. ففي اليمن دمرت الحرب المستعرة هناك البنية الأساسية الصحية. وتذكر تقديرات أنه منذ العام 2015، كان هناك 142 هجومًا على المستشفيات والمرافق الطبية في جميع أنحاء اليمن. وبات نصف المراكز الصحية يعمل بكامل طاقته؛ بأدوية ومعدات محدودة مع غياب العاملين الصحيين المؤهلين.

أضف إلى هذا، وجود عدد كبير من الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة كسوء التغذية وتفشي الكوليرا، في حين أن أكثر من 17 مليون شخص في اليمن لا يستطيعون الحصول على مياه نظيفة بسبب انهيار شبكات المياه والصرف الصحي. وأصبح غسل وتطهير اليدين أمرًا صعبًا. كما أنه لا يمكن الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي أو العزل الذاتي في خيام الإيواء التي يعيش فيها مئات الآلاف من اليمنيين.

أما في ليبيا، التي تمتعت في السابق بأوضاع صحية جيدة، فإن القطاع الطبي تعرض للدمار والتدهور بفعل سنوات الحرب القاسية التي استهدف فيها أطراف الصراع المنشآت الطبية، ومخازن الأدوية، فأحدث ذلك نقصًا في المعدات الطبية والأدوية الأساسية، ولم تعد المستشفيات والمرافق الطبية قادرة على توفير الرعاية اللازمة للمواطنين.

وعن سورية، قالت منظمة الصحة العالمية إنها أكثر دولة عرضة لتفشي فيروس كورونا مع وجود أكثر من ثلاثة ملايين محاصرين في ظروف بالغة الصعوبة، في ظل نقص الماء والغذاء. كما أن المستشفيات غير قادرة على استقبال أي مصابين.

أدى كل ذلك إلى عجز القدرات عن الاستجابة لأي وباء كارثي، حيث أصبحت تلك الدول أرضًا خصبةً تنتظر تفشي الجائحة، فالخطوات التجهيزية لمواجهة هذه الأزمة التي تتخذها البلدان الأخرى يستحيل تطبيقها في بلدان تعاني من تدهور الخدمات في ظل الصراع.

ولكن على الرغم من كل ذلك قد تخلق الكوارث والأزمات حاجات مشتركة بين أطراف الصراع لوقف العنف والقتال؛ أي يمكن للأزمات المفاجئة أن تكسر أنماط السلوك الراسخة وتحولها من سلوكيات عدائية إلى سلوكيات تعاونية. ومن هنا جاء التساؤل هل يمكن أن تكون جائحة كورونا مدخلًا للسلام بعد سنوات من الحرب؟

الصحة جسرًا للسلام

ظهر مصطلح الصحة كجسر للسلام في ثمانينيات القرن الماضي إيمانًا بأن الصحة قد تكون جسرًا للسلام والتضامن بين الأطراف المتنازعة، فالاستثمار في الصحة هو الاستثمار في السلام، ومن الممكن أن يؤدي إلى تقليل خطر النزاع وكذلك التخفيف من أثره، حيث يشير هذا المصطلح إلى أن: الصحة والسلام مفهومان مترابطان للغاية، فالمبدأ الأول للصحة هو الحياة، أما الحرب فهي تهديد مباشر للحياة.

ويشير مفهوم الصحة إلى حالة من الرفاه البدني والنفسي والاجتماعي الكامل، أي يشترط وجود مجتمع كامل بأفراده كشرط لتحقيق حالة صحية مقبولة، إلى جانب ذلك تطور تعريف السلام من مجرد غياب الحرب إلى مفهوم السلام الإيجابي الذي يشمل غياب العنف الهيكلي داخل المجتمع، أي الخروج عن الصورة النمطية السائدة المتعارف عليها والتي تقوم على أن السلام هو فقط منع الحرب، إلى أهمية وجود حياة كريمة خالية من الأمراض والتلوث والتي يحتاجها كل فرد ليصل لحالة السلام الإيجابي، أي إيجاد سلوك إيجابي من شأنه أن يساعد على تقوية النسيج البنيوي، وهو ما يتمثل في الصحة.

كما أن الهدف من الصحة العامة هو الوقاية من الأمراض والوفيات التي يمكن تجنبها، ولكن في النزاعات المسلحة لا يمكن للصحة العامة أن تكون فعالة إلا بقدر ضمان أمن الضحايا. وفي هذا التعريف «الصحة كجسر للسلام» تشير منظمة الصحة العالمية إلى أهمية وقف العنف ودعم الهياكل والأنشطة التي تميل إلى تعزيز وتوطيد السلام، أي اتخاذ التدابير والإجراءات التي يمكن أن تمنع حدوث النزاعات ودعم التدابير أثناء النزاع التي يمكن أن تسهل عملية السلام، بما يعني أن إنهاء الحرب هو الخطوة الأولى نحو الصحة والرفاهية.

الحرب كمشكلة صحية

وفي السياق ذاته، تؤثر الحروب في صحة الإنسان من خلال التعرض للعنف المباشر للقنابل وتبادل إطلاق النار، وتعطيل النظم الاقتصادية التي تطالها عمليات عسكرية، وانهيار البنى التحتية، والمؤسسات الاجتماعية، وعدم قدرة الأفراد على تلبية احتياجاتهم، إلى جانب وجود عبء كبير على الأنظمة الصحية التي لا تعمل بكامل طاقتها بسبب تزايد الإصابات الجسدية المباشرة الناجمة عن النزاع المسلح، مع وجود الأمراض المزمنة والأوبئة التي خلفتها النزاعات.

كل ذلك أدى إلى تأطير الحرب على أنها مشكلة صحية عامة، وهذا يسلط الضوء على أن الصحة يمكنها أن تلعب دورًا هامًّا كمدخل لحل تلك الصراعات والوقاية من التدمير والتخفيف من أثر تلك الحروب، وذلك من خلال تجاوز الخلافات البشرية والتركيز على الأهداف المشتركة لأطراف الصراع، أي إمكانية التعاون بينهم، فكل طرف من أطراف النزاع يسعى طوال مدة الصراع لأن يظهر بأنه الطرف الذي يحافظ على أفراده وفي تلك الظروف التي تنتشر فيها الأوبئة يظهر الطرف الرافض لوقف القتال بأنه مجرد من إنسانيته، لذا في بعض الأحيان تكون الصحة العامة أولوية لوقف القتال لإثبات «حسن النية» مما يساهم في خلق فرصة لبناء إطار تفاوضي.

وهذا ما حدث في الثمانينيات عندما وضعت «منظمة الصحة للبلدان الأمريكية» – وهي منظمة قديمة تأسست أوائل القرن العشرين وتضم في عضويتها دولًا من أميركا اللاتينية – إستراتيجية الصحة كجسر للسلام، وذلك من أجل توحيد جهود الأطراف المتصارعة من أجل مكافحة فيروس شلل الأطفال الذي كان منتشرًا بصورة كبيرة في تلك الفترة.

Nagorno-Karabakh conflict/LAMON, BERTRAND/ICRC

أيام الهدوء

ففي ذروة الصراع الأهلي في السلفادور، جرى التفاوض على هدنة لمدة يوم واحد للتحصين ضد شلل الأطفال والأمراض الأخرى كالسعال الديكي، والتيتانوس، والحصبة، ولكن قبل تلك الهدنة كان هناك تفاوض من أجل تطبيق اتفاقيات لوقف إطلاق النار بين الأطراف المتنازعة أولًا والممثلين في الحكومة والمتمردين، واستغرق ذلك عدة أشهر من أجل موافقة الأطراف على وقف إطلاق النار وبتدخل عدد من المنظمات كاليونيسيف واللجنة الدولية الصليب الأحمر والكنيسة الكاثوليكية، وبعد ذلك جرت الموافقة على تطبيق عدة أيام سميت بـ«أيام الهدوء» لتطعيم الأطفال ضد الفيروس وذلك بالتعاون مع الأطراف المتصارعة.

وجرى إقناع جميع السكان عن طريق الأطباء والعاملين الصحيين بضرورة تطعيم أطفالهم من أجل السيطرة على انتشار الفيروس، وبناء على تلك التجربة تم الاتفاق بين الأطراف المتصارعة على تطبيق ثلاثة أيام من الهدوء كل عام، وتم ذلك منذ العام 1985 إلى العام 1991 لتحصين كل طفل في السلفادور ضد فيروس شلل الأطفال والأمراض الأخرى، حتى تحقق السلام في أوائل التسعينيات.

وبناء على تلك التجربة ساهم شلل الأطفال في عملية السلام حيث ساعدت أيام الهدوء التي يتم فيها تحصين وتطعيم الأطفال كل عام في توحيد الجهود ورفع مستوى الثقة بين الأطراف المتصارعة، والذي بدأ بوقف إطلاق النار كخطوة أساسية لتوحيد جهود السلام.

والآن مع بدء تطبيق قرارات وقف إطلاق النار في كلٍّ من اليمن وليبيا من أجل توحيد الجهود لمكافحة جائحة كورونا، يمكن استغلال ذلك القرار كهدنة لفرض السلام داخل تلك البلاد، فالحرب داخل دول النزاع في المنطقة العربية يمكن إعادة تعريفها في ظل تفشي جائحة كورونا كمشكلة صحية عامة بدلًا من كونها مشكلة سياسية بحتة، أي أن الحرب يمكن شنها بطرق قائمة على القواعد الإنسانية وهو المفهوم الذي تحاول دائمًا اللجنة الدولية للصليب الأحمر نشره؛ أي أهمية الحفاظ على قدر من الإنسانية في خضم الحروب، ومن هنا جاء استخدام المجال الصحي كأداة لتحويل النزاعات باعتباره العامل المشترك بين الأطراف المتنازعة.

وهذا يعني إمكانية استخدام جائحة كورونا باعتبارها عدوًّا مشتركًا كي تسهل الحوار بين هذه الأطراف، حتى لو كان توقف إطلاق النار مؤقتًا يمكن أن يتبعه مفاوضات تؤدي إلى سلام دائم، فالكل أمام تلك الجائحة متساوٍ، ولا يوجد طرف أقوى وطرف ضعيف، فالكل غير آمن ومعرض للإصابة، والجلوس على طاولة مفاوضات واحدة سيمكن كل طرف من التعبير عن اهتماماته وأهدافه، حيث سيتم التركيز على الأجزاء والقضايا المتداخلة والمشتركة بين الطرفين والتي تسمح بحدوث اتفاق مع الاحتفاظ بأي قضايا أخرى محل اختلاف في المفاوضات المستقبلية لأن الهدف في ذلك الوقت هو كسر الجمود والمضي قدمًا والتركيز على حل القضايا المركزية بشكل منتج، بدلًا من ضياع الوقت حول القضايا محل الخلاف.

مراجع

• Amirah, H. (2020). Coronavirus in Arab countries: passing storm, opportunity for change or regional catastrophe?. Retrieved 14 May 2020.

• Scott, R. (2020). Could coronavirus lead to a “positive peace”? .UNDP. Retrieved 11 May 2020.

Health as Bridge for Peace (HBP). (2020). Retrieved 15 May 2020.

• Gutlove, Paula, and Gordon Thompson. “Health as a Bridge for Peace: Achievements, Challenges, and Opportunities for Action by WHO.” Working Paper, World Health Organization, Department for Health Action in Crises. 2006.

ظهر هذا المقال في العدد 67 من مجلة الإنساني، ضمن ملف العدد الرئيس عن «جائحة كوفيد-19 في العالم العربي.»