هذا واحد من أقسى الأعداد التي أنجزناها في مجلة “الإنساني” طيلة اثنين وعشرين عامًا من عمر المجلة.

ففي فترة الإعداد، كنا في معمعة رصد أرقام يومية للوفيات والإصابات والصراعات الناجمة عن فيروس قلب حياة البشر في جميع أنحاء المعمورة رأسًا على عقب. تصيبنا هذه الأرقام بالإحباط، ويبدو السياقين، العام والخاص، شديدي القتامة عندما فكرنا في مشاعر الحزن البشري المجردة: هذا خطر داهم أصاب عشرات الملايين، وتسبب في وفاة عشرات الآلاف الآخرين، كثيرون منهم قضوا نحبهم وهم يتألمون لسحب أنفاسهم الأخيرة من الحياة.

انقر هنا لتصفح العدد 67 من الإنساني.

لقد كنا نحن- العاملين الإنسانيين- شهودًا على ما فعله وباء كوفيد-19 بالبشر. كنا نراه ونواجهه يوميًا: في المخيمات التي نقدم لها العون، وفي أماكن الرعاية الصحية التي نشرف عليها، وفي السجون التي نزور نزلائها ونقدم لهم العون. بعضنا كان يحرر مواضيع هذا العدد وهو يصارع الوباء في عزل منزلي محكم.

لقد كان العام 2020 مروعًا بحق. لكن ومع ذلك، شهدت الأسابيع الأخيرة منه بعض الأنباء السارة. حركة تضامن عالمي شامل لمواجهة الوباء، وإنتاج أعداد ضحمة من لقاحات يحدونا الأمل في أن تغير مسار انتشار الوباء وتوقف انتشاره.

في هذا العدد، ذهبنا في رحلة إلى الماضي، نلتمس فيه قراءة أوجه الشبه بين وباء العام 2020، وبين أوبئة أخرى تفشت في فترات زمنية بعيدة نوعًا ما، كقصة العالم القاسية مع وباء “الإنفلونزا الإسبانية” الذي هدد العالم في الحرب العالمية الأولى. يستعرض المقال أوجه الشبه بين الوباءين، ويرصد كذلك خلافًا فائق الأهمية بينهما. هذا الخلاف يكمن في أن مستوى التطور العلمي ودرجة التعاون الدولي يستحضران إحساسًا بالتفاؤل بقدرة البشرية على تجاوز الوباء الذي أنهك النظم الصحية في الدول الأكثر تقدمًا في العالم.

حاولنا في هذا العدد تقديم قراءة تحيط بجوانب كوفيد-19 في مناطق النزاعات المسلحة، فألقينا نظرة على الأوضاع في فلسطين والعراق واليمن وسورية. وضعنا نصب أعيننا بحث تأثير الجائحة في الصحة العقلية للناس. قرأنا الآثار المعقدة والخطيرة، التي تبدو أنها ستكون عميقة وطويلة الأمد، على الصحة النفسية للأفراد جراء تدابير العزل المنزلي، والقلق جراء الإصابة بالفيروس، والمخاوف على الأهل، وعلى المستقبل.

كما أفردنا في هذا العدد عدة مواضيع لإلقاء الضوء على مدى استجابة قدرات البنية التحتية الطبية لتحديات الوباء في مجتمعات منهكة أصلا بفعل النزاع المسلح. وفي ملف مصور، استعرضنا أصوات لأبطال الموقعة ضد الوباء: الأطباء والعاملون الصحيين الذين يبذلون الجهد من أجل تقديم العون للمرضى في هذه اللحظات الصعبة.

بعيدًا عن الوباء، في هذا العدد تقرؤون جملة من المساهمات حول مواضيع تتعلق بالقانون الدولي الإنساني، فنقرأ في مساهمة نادرة بالعربية عن البوذية والقانون الدولي الإنساني، كما نرصد في مساهمة معمقة أوضاع المحرومين من الحرية في زمن الحرب.

ومن الجزائر، نقرأ مقالًا يرصد ذكرى مرور ستين عامًا على حدث مفصلي في تاريخ القانون الدولي الإنساني وهو انضمام جبهة التحرير الجزائرية لاتفاقيات جنيف الأربعة (الصادرة في 1949). وفي مناسبة أخرى، نستعرض معكم بالصور، رحلة أربعين عامًا أمضتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في دعم العراق خلال محنته القاسية مع النزاع الممتد.

نودع في هذا العدد عامًا ونستقبل آخر على أمل أن يكون هذا العام أقل حزنًا وأخف وطأة.