تجعل النزاعات العسكرية السكان المدنيين في حالة من الاستضعاف. لكنها تشكل ضغطًا متزايدًا وخطرًا مضاعفًا على الأطفال نظرًا لصغر أعمارهم وضعف بنيتهم الجسدية. ومن بين أبرز المخاطر التي تواجه الأطفال في الحروب الموت والتيتم والإصابة بالجروح والنزوح والانفصال عن الأسرة، كل هذا علاوة على صعوبة الحصول على الرعاية الصحية، ما قد يؤدي إلى الموب أو ربما يترك آثاراً طويلة المدى.

يُمثل الأطفال نسبة غير مقبولة من الضحايا المدنيين خلال الحرب. ووفقا لمنظمة إنقاذ الطفولة، ارتفع عدد الأطفال الذين أصيبوا أو قُتلوا في النزاعات بنسبة 300 في المائة على مدى العقد الماضي. ويدفع الأطفال ثمنا باهظا جدا خلال الحرب ويتعرضون للسجن والتشويه والقتل. 

ويؤدي النزاع المسلح إلى تمزيق الأسر، وإجبار الآلاف من الأطفال على إعالة أنفسهم ورعاية معالين آخرين. ويتخذ استغلال الأطفال، الذي غالباً ما ترتفع نسبته أثناء الحرب، أشكالا متعددة مثل العمل القسري أو العبودية في الحالات القصوى. 

يعنى الطفل كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه.

المادة الأولى من اتفاقية حقوق الطفل

ويتعرض الفتيان والفتيات الذين حُرموا من حماية والديهم وأقاربهم للخطر. وقد يكون هذا أيضا مصير الأطفال الذين جندتهم القوات المسلحة أو المجموعات المسلحة أو الأطفال المحتجزين. ولا يتأثر الأطفال بالعواقب المباشرة للنزاع فقط بل كذلك بالعواقب غير المباشرة، مثل انقطاع امدادات السلع والخدمات الأساسية وتعذّر الوصول إليها. وقد يكون هذا الوضع كارثيا خصوصا للأطفال دون سن الخامسة. 

ولحسن الحظ، نادرا ما يفقد الأطفال إحساسهم بالأمل ولا ينبغي الاستهانة بقدرتهم على الصمود. ويمكن أن تساعد الرعاية الموجهة بشكل جيد الأطفال على التعافي وإعادة الإدماج في بيئة يمكنهم فيها استعادة صحتهم واحترامهم لذاتهم وكرامتهم. ويُمثل احترام القوانين القائمة أمرا أساسيا لمنع حدوث انتهاكات وإلحاق المزيد من الأذى بالأطفال. 

ماذا يقول القانون

إن مسألة حماية الأطفال في زمن الحرب مسألة مكرسة في القانون الدولي الإنساني. ويوفر القانون الدولي الإنساني حماية عامة لجميع المتضررين من النزاعات المسلحة ويتضمن أحكاما تتعلق خصوصا بالأطفال.

ويحظى الأطفال، بوصفهم مدنيين، بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني: ففي حال وقوعهم في قبضة قوات العدو، يجب أن يعاملوا معاملة إنسانية. ويُحمى جميع الأطفال من الانتهاكات، بما فيها التعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة والعنف الجنسي والاحتجاز التعسفي والاحتجاز كرهائن والنزوح القسري.

ويجب ألا يكون الأطفال هدفا للهجمات بأي حال من الأحوال، ما لم يشاركوا بشكل مباشر في الأعمال العدائية. ويجب أن يعاملوا باحترام وحماية خاصين. ويشمل ذلك الحصول على التعليم والغذاء والرعاية الصحية واتخاذ تدابير محددة لحماية الأطفال المحرومين من حريتهم والمنفصلين عن أسرهم. وينصّ قانون حقوق الإنسان – بما في ذلك اتفاقية حقوق الطفل (1989) وبروتوكولها الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة (2000) – على وجه التحديد على الحاجة إلى حماية الأطفال من آثار النزاعات المسلحة. 

العنف الجنسي

تزداد حالات الاغتصاب وغيرها من أشكال العنف الجنسي بشكل هائل خلال فترات النزاع، بما في ذلك اغتصاب الفتيان والفتيات. ويمكن أن يشكل العنف الجنسي أسلوبا من أساليب الحرب، يستخدمه حاملو الأسلحة لتعذيب الضحايا أو إيذائهم أو انتزاع معلومات منهم أو إهانتهم أو تهجيرهم أو تخويفهم أو معاقبتهم أو ببساطة لتدمير النسيج الاجتماعي لمجتمع ما. ويمكن أن يتسبب مجرد التهديد بالعنف الجنسي في فرار مجتمعات بأكملها من مواطنها. ويتعرض الضحايا/الناجون من العنف الجنسي لخطر الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية وغيرها من الأمراض المنقولة جنسيا. وقد يعانوا أيضا من عواقب وتأثيرات نفسية محتملة لمدى الحياة بسبب وصمة العار المرتبطة بهذا الشكل من أشكال العنف.

إلحاق الضرر بالبنية التحتية المدنية

الأعيان المدنية مثل المدارس والمستشفيات محمية بموجب القانون الدولي الإنساني. ويزداد مع ذلك تعرضها لإطلاق النيران. وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) في عام 2019 بإن احتمال تعرض الأطفال الذين يعيشون في بلدان تشهد نزاعات يطول أمدها للوفاة بسبب الأمراض التي تنقلها المياه يفوق بخمسة أضعاف احتمال وفاتهم من جراء الأضرار المباشرة الناجمة عن الرصاص أو القنابل. ويمكن أن يدمر القتال أو يعطل الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها الناس في المدن للبقاء على قيد الحياة، بما في ذلك المياه والصرف الصحي والكهرباء وإدارة النفايات الصلبة والرعاية الصحية. وهو ما قد يجرّ مشاكل واسعة النطاق وخطيرة على الصحة العامة وسبل البقاء على قيد الحياة.

تعذّر الوصول إلى مرافق الرعاية الصحية

قد تؤدي الحرب إلى إصابة العديد من الأطفال بالإعاقة أو، في حالة الأطفال ذوي الإعاقة، إلى عدم القدرة على الحصول على الرعاية التي يحتاجون إليها. وغالبا ما تتدنى إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية والأدوية إما لعدم قدرة الأسر الفقيرة على تحمل تكاليف الرعاية الصحية، وبسبب فرار الأطباء والممرضات من العنف والفوضى، أو بسبب انهيار أنظمة الرعاية الصحية بأكملها أحيانا. وقد تؤدي العواقب – مثل تفشي الحصبة أو التهاب السحايا – إلى ارتفاع الوفيات، خاصة في الأماكن المكتظة.

ويتعرض المواليد الجدد والنساء الحوامل بوجه خاص للخطر عندما يتعذّر الوصول إلى المرافق الصحية أو حين تفتقر هذه المرافق إلى المواد الأساسية. ويُمثل الحمل والولادة سببين رئيسيين من أسباب الوفاة في البلدان النامية في ظل الظروف العادية، ويزداد هذا الوضع سوءا خلال فترات النزاع.

وغالبا ما يؤدي النزاع إلى سوء تغذية حاد، سواء كان معتدلا أو شديدا، لدى الأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل والمرضعات. ويعرقل سوء التغذية النمو ويُضعف جهاز المناعة، مما يجعل المصابين أكثر عرضة للمرض ويزيد بشكل كبير من خطري الاعتلال والوفاة.

وتعد الطفولة والمراهقة من المراحل الدقيقة في تطور الأشخاص النفسي والاجتماعي، وقد يترك المرور بظروف عصيبة خلال هاتين الفترتين بالتالي عواقب دائمة. ويظهر الاضطراب النفسي لدى الأطفال عادة بشكل أعراض نفسية بدنية. وقد يعاني الأطفال أيضا من الاكتئاب والقلق والخوف والغضب ومشاكل في النوم. ويمكن أن تعود الاضطرابات النفسية الموجودة أصلا وتظهر من جديد أو تتدهور. ويتعرض الأطفال ضحايا العنف للخطر بشكل خاص، ولا سيما أولئك الذين انفصلوا عن أُسرهم و/أو المرتبطين بالقوات أو المجموعات المسلحة.

الغياب عن المدارس

في البلدان المتأثرة بالنزاعات، يتعذّر على الكثير من الأطفال ارتياد المدارس. ويعود هذا لعدة أسباب، منها: تضرر المدارس أو استخدام القوات العسكرية لها، وتعرض المدرسين للتهديد أو الاستهداف أو فرارهم بسبب انعدام الأمن، وتعذّر الوصول إلى المدارس نظرا لخطورة الطرق والجو العام غير الآمن، ونقص الدعم الحكومي للمدارس، وهو ما يعني أن المرافق والخدمات لم تعد مناسبة.

وعلاوة على ذلك، يُحرم الأطفال الذين جُندوا في القوات المسلحة أو المجموعات المسلحة عادة من التعليم، فيما قد لا يتاح للأطفال النازحين الذين يعيشون في المخيمات، أو قد يصل إلى مستوى معيّن فقط. وقد يُطلب من الأطفال النازحين المقيمين في المدن أو القرى، لا المخيمات، تقديم وثائق وشهادات رسمية تخوّلهم الالتحاق بالمدارس، غير أن هذه الأوراق غالبا ما تضيع أثناء النزوح. وقد يدفع الافتقار إلى التعليم في حد ذاته الأسر إلى النزوح والبحث عن آفاق أفضل لأطفالهم.

والوصول الآمن إلى التعليم أمر بالغ الأهمية، ليس فقط للتعليم في حد ذاته ولكن أيضا للحماية التي توفرها المدارس الآمنة للأطفال. ويمكن لهذه الأماكن أن تحمي الأطفال من تجنيد الجهات المسلحة لهم أو استخدامهم، ومن العنف الجنسي، وأن تسهم في جمع الأسر والمجتمعات. ويمكن أن يساعد الذهاب إلى المدرسة الأطفال على تحمل التوتر اليومي الناجم عن التعرض للعنف المسلح.

أجهزة قاتلة خفية

نتوء في الأرض أو شريط يتدلى من شجرة زيتون أو ملقى في حقل أرز: غالباً ما لا ترى العين الألغام الأرضية وغيرها من مخلفات الحرب القابلة للانفجار وهي لا توحي بما فيها من خطورة، لكنها أجهزة قاتلة. وتُستخدم هذه الأسلحة في جميع النزاعات الحالية وهي تخلف إرثا قاتلاً طويل الأمد غالبا ما يظل في موقعه لعقود بعد انتهاء النزاع.

ولا تمُيز مخلفات الحرب القابلة للانفجار بين ضحاياها – سواء كانوا بالغين أو أطفالا، إناثا أو ذكورا. وقد يتعرّض كل من الفتيات والفتيان للخطر عند مساعدة البالغين في أنشطة كسب العيش أو بسبب فضولهم الطبيعي أو ضغط الأقران أو ببساطة لوجودهم في المكان الخطأ في الزمان الخطأ.

والأطفال الذين نجوا من انفجار لغم أرضي يواجهون احتمال الإعاقة مدى الحياة، احتمال يجلب في حد ذاته تحديات خطيرة مثل التمييز والفقر. وقد يكون الأطفال أيضا ضحايا غير مباشرين للألغام الأرضية. فقد يؤدي الفقدان المفاجئ للعائل، بسبب الإعاقة أو الوفاة، إلى تعذّر الحصول على خدمات التعليم والصح، وكذلك إلى الإصابة بسوء التغذية.

تجنيد الأطفال واحتجازهم

قد يشارك الأطفال في الأعمال العدائية أثناء النزاعات المسلحة. ويمكن استخدام الأطفال في مجموعة متنوعة من الأدوار: جنود وطهاة وحمالون وسعاة وجواسيس وكاشفو ألغام ورقيق جنسي وعمال قسريون وحتى قنابل بشرية. وقد يُجند الأطفال قسرا أو عن طريق الخطف، ولكن العديد منهم ينضمون “طوعا” إلى الجهات المسلحة. ومن بين الأسباب التي قد تجبر الأطفال على الالتحاق بالجهات المسلحة: الفوارق الاجتماعية الحادة، والانفصال عن البالغين الذين يرعونهم، وتعذّر الاستفادة من التعليم والنزوح. وقد يغتر الأطفال أيضا بالسلطة والمكانة اللتين يُعتبر أن حاملي الأسلحة يتمتعون بهما. ويمكن أن يكون الانتقام لوفاة أحد الأقارب دافعا للانضمام أيضا.

وقد يُجبر الأطفال على ارتكاب فظائع بحق أسرهم أو مجتمعاتهم بهدف ضمان طاعتهم وعزلهم عن جذورهم. وغالبا ما يواجهون الوصم بالعار أو حتى النبذ بسبب تورطهم في الأعمال العدائية.

ومع ذلك، يجب ألا نغفل أنهم أولاً وقبل كل شيء ضحايا، رغم احتمال كونهم جناة. وتمثل مسألة تسريح الأطفال وإعادة إدماجهم في المجتمع ضرورة لإعادة بناء المجتمعات التي مزقها العنف. وتتمثل أولى الأولويات في لم شملهم مع أسرهم ومجتمعاتهم الأصلية، مع مراعاة احتمال مواجهتهم لصعوبات نفسية عند إعادة الإدماج في المجتمع. وينبغي إعادة إدخالهم في النظام التعليمي، ومساعدتهم للعثور على عمل من خلال التدريب المهني أو المشاريع المدرة للدخل. وهذا أمر جدّ مهم لمنع تهميشهم وتعريضهم بالتالي لخطر التجنيد مرة أخرى.

مسؤولية القصّر الجنائية

يجب أن يُنظر إلى الأطفال الذين جُندوا واتُهموا بارتكاب جرائم أثناء النزاعات المسلحة كضحايا في المقام الأول وليس كجناة، وأن يعاملوا على هذا النحو. ويجب أن يُعاملوا وفقاً لقواعد القانون الدولي ومعايير قضاء الأحداث. ويجب على الدول تحديد السن الدنيا للمسؤولية الجنائية، وعدم مقاضاة أي طفل دون هذا السن. وبشكل عام، ينبغي أن تمتنع الدول عن محاكمة الأطفال لمجرد ارتباطهم بمجموعة مسلحة، والنظر في منحهم العفو في مثل هذه الحالات.

الأطفال في الاحتجاز

يُحرم آلاف الأطفال من حريتهم كل عام لأسباب مختلفة منها مشاركتهم المزعومة في الأعمال العدائية أو ارتباطهم بالقوات المسلحة أو المجموعات المسلحة. ويمكن أن يُعرّضهم ذلك الحرمان لخطر أكبر ويترك عواقب دائمة ومدمرة على نموهم في المستقبل.

ويجب عدم احتجاز الأطفال إلا كملاذ أخير ولأقصر فترة زمنية مناسبة. وإن أمكن، ينبغي اللجوء إلى بدائل عن الاحتجاز. وفي حال احتجاز الأطفال، يجب اتخاذ تدابير خاصة لحمايتهم بغض النظر عن سبب اعتقالهم أو احتجازهم. وتتضمن تلك التدابير فصل الأطفال عن المحتجزين البالغين (باستثناء الحالات التي يقيمون فيها مع أسرهم)، وضمان تواصل مباشر ومنتظم ومتكرر مع أسرهم، وتوفير الغذاء ولوازم النظافة والرعاية الصحية المناسبة لسنهم، وتهيئة الظروف اللازمة لتمكينهم من الاستفادة من الأنشطة التعليمية والترفيهية والخروج إلى الهواء الطلق.

هذا نص مختصر من تقرير أصدرته اللجنة الدولية بعنوان «الأطفال في الحرب»، للاطلاع على التقرير كاملًا، انقر هنا.

اقرأ أيضا: من صنعاء وعدن وتعز: التعليم صار سرابًا لأطفال اليمن– تقرير مصور

فاتن خليل، عرض كتاب.. نساء يواجهن الحرب