شكل الإعلام الرقمي أداة مهمة في نقل ما يحدث على الأرض إلى أفاق أوسع وجمهور أعرض. ومع ذلك، فقد ظهرت آثار سلبية لهذا النوع المتطور من نقل الوسيلة الإعلامية، إذ أنه أصبح يُستخدم الآن كامتداد للمعارك التي تدور رحاها حولنا. 

يستخدم العديد من خبراء الإعلام الرقمي اليوم مصطلح «الذات الممتدة» أو «امتداد الذات»، والمستعار من علم النفس، للإشارة إلى الهوية التي نخلقها لأنفسنا على مواقع التواصل الاجتماعي. ويشير المصطلح أيضًا للهواتف الذكية التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من ذواتنا، نشعر بالخسارة الكبيرة إذا فقدناها. أما في هذا المقال، فأستعير مفهوم الامتداد لوصف ظاهرة أصبحت ملمحًا أساسيًّا في نزاعات اليوم، مسلحة كانت أو سياسية أو اجتماعية. الظاهرة محل النقاش هي دور الإعلام الرقمي في تأجيج النزاع وبث خطابات الكراهية والتحريض على العنف. فامتدت مؤخرًا ساحات القتال لتجعل من فيسبوك وتويتر ويوتيوب وتليجرام وغيرها ساحات رئيسة تحاول فيها أطراف أن تجعل صوتها الأعلى، ورسائلها الأكثر انتشارًا، ورؤيتها هي الحقيقة.

ويمكن استعارة مفهوم الامتداد أيضًا لوصف دور الإعلام الرقمي اليوم في حالات النزاعات من كونه امتدادًا وتوسعًا لدور الإعلام التقليدي في تغطية ونقل النزاعات. فعلى مدار القرن الماضي، عرض العديد من الصحفيين حياتهم للخطر لنقل وقائع أحداث العنف من موقع الحدث، بالإضافة لاهتمامهم بنقل معاناة المدنيين وغير المعنيين بالنزاع. ومع التغيرات التي شهدها القرن الحالي من قرب الجمهور من الصحفيين ومن بعضهم البعض، ومن ارتفاع وطأة التحديات التي يواجهها الصحفيون عند تغطية النزاعات، وفرت منصات الإعلام الرقمي أدوات من شأنها تسهيل عمل مراسلي الحروب، إذ تقربهم من مصادر المعلومات ومن مستقبليها في آن واحد وفي عالم صغير يتشارك صفحة واحدة، واسمًا واحدا، أو قناة واحدة.

وبالرغم من التأثيرات والاستخدامات الإيجابية للإعلام الرقمي في حالات النزاعات، فقد شهدت الأعوام القليلة الماضية عدة أمثلة تبرهن على قابلية هذه المنصات للاستخدام كسلاح ذي حدين. فمن جهة، توفر منصات الإعلام الرقمي مساحات بديلة للتعبير عن الرأي ونقل وتغطية الوقائع من زوايا لا تغطيها وسائل الإعلام التقليدية. وقد مكنت تلك المنصات أيضًا فئات كانت على محك الخطر، كالمهاجرين والنازحين، من الوصول للمعلومات والبيانات، كانت منقذة للحياة في بعض الأحيان. فوجدت دراسة أجرتها مفوضية اللاجئين أن كلًّا من الهاتف الذكي والإنترنت مهم لسلامة وأمن اللاجئين تمامًا كالطعام والمأوى والمياه. ورأينا أيضًا كيف استُخدم واتساب وفيسبوك وغيرهما من وسائل التواصل الاجتماعي لنقل ظروف احتجاز غير آدمية لبعض المهاجرين. هذه الأمثلة غيض من فيض، وهي تثبت الدور الفعال للإعلام الاجتماعي خلال النزاعات المسلحة التي ضربت المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة.

لكن هناك جانبًا مظلمًا، فيه استُخدم الإعلام الرقمي لتغذية خطابات تتبنى العنف وتحض على الكراهية وتكرس الطائفية. وقد تناولت بعض الدراسات دور منصات التواصل الاجتماعي في التأثير على سلوكيات المستخدمين. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي تعرضنا لجرعات معينة من المعلومات سواء صحيحة أو مغلوطة إلى تغيير أو ترسيخ رؤيتنا لـ«الآخر». وبغض النظر عن مخالفة ذلك «الآخر» لنا في الهوية الاجتماعية أو الاثنية أو الدينية، أو حتى مجرد آرائنا السياسية أو الفنية، فلهذا التأثير أهمية كبرى في تشكيل مجتمعاتنا المعاصرة الساعية أحيانًا لدمج الثقافات وكسر الحواجز والحدود. فأثبت بحث مؤخرًا أن تعرضنا لخطاب تحريضي قد يؤدي للتقليل من حساسيتنا تجاه الآخر وزيادة التباعد بيننا مما يعزز من التحيزات والأحكام المسبقة لدينا.

فرت هذه السيدة من العنف في ميانمار. طيلة سبعة أيام وهي تسير، حتى وجدت ملاذًا آمنًا في مخيمات اللجوء في بنغلاديش. الصورة من بعثة اللجنة الدولية في بنغلاديش.

وبطبيعة الحال، فأدوار وتأثيرات الإعلام الرقمي السلبية في حالة النزاعات المسلحة أو أشكال العنف الأخرى، ليست بالضرورة نفسها في حالة الاضطرابات السياسية، أو في حالة السلم والاستقرار، ولكنها بالتأكيد أشد وطأةً لا سيما على حياة المدنيين والفئات الأكثر عرضة للخطر. تقدم ميانمار مثالًا بارزًا على هذا. يتمتع هذا البلد الآسيوي بتنوع سكاني وثقافي كبير، فهو بلد متعدد الاثنيات واللغات والثقافات، لكن للأسف لعب فيسبوك «دورًا حاسمًا» في تغذية خطاب الكراهية، كما أشار فريق تحقيق من الأمم المتحدة. فلم يعد الموقع منصة للتواصل والمشاركة الاجتماعية فحسب، بل تحول لأداة في يد بعض المتطرفين للتحريض على العنف والكراهية. الأمر الذي أجبر فيسبوك مؤخرًا على حذف حسابات شخصيات عامة ومنظمات في سعي من الموقع لـ «منع أولئك الأشخاص من استخدام الخدمة لإثارة المزيد من التوترات العرقية والدينية».

أما في ليبيا، وهي بلد صغير مقارنة بميانمار، يبلغ عدد سكانه 6 ملايين نسمة تقريبًا، فيلعب فيسبوك ومواقع التواصل أدوارًا متنوعة لا تقل خطورة عن مثيلتها في ميانمار. ففي خضم النزاع المسلح وانتشار الأسلحة في البلد الذي يعاني أهله من ويلات الحرب، وجد تجار الأسلحة والبشر على حد سواء في الموقع أداة فعالة للترويج لمنتجاتهم وخدماتهم. ونجد أن استخدام الإعلام الرقمي لبث الرسائل التحريضية ونشر الإشاعات أحيانًا، لا يختلف في كونه على صفحات وحسابات الدول ومؤسساتها وقواتها المسلحة من جانب، أو الجماعات المسلحة غير النظامية من جانب آخر. فالكل يعتبر فيسبوك وغيره من المنصات بمثابة امتداد لساحة قتال يجب التفوق فيها والفوز بالمعركة.

على صعيد أكثر إيجابية، توصل بحث مؤخرًا إلى إمكانية الاستفادة من فيسبوك في ميانمار لبناء السلام عن طريق بث رسائل من شأنها التأثير الإيجابي في سلوكيات الملايين من مستخدمي الخدمة. ومن جانبه، يعمل فيسبوك أيضًا، من خلال بعض المبادرات، على تعزيز التسامح والترويج للخطاب المضاد للكراهية. لكن حتى هذه اللحظة لم تشهد هذه المبادرات أية نتائج ملموسة.

وبالرغم من لوم الكثيرين لأصحاب ومشغلي خدمات التواصل الاجتماعي على سماحهم لخطاب العنف والكراهية بالتواجد على صفحات منصاتهم، إلا أن جزءًا أساسيًّا من المسؤولية يقع على عاتق مستخدمي هذه الخدمات أيضًا. فالرقابة الشاملة تكاد تكون مستحيلة في عصر سمته حرية التعبير وتعددية الآراء. ولحساسية وخصوصية أوقات النزاع المسلح، فعلى الحكومات والمنظمات غير الحكومية والجماعات المسلحة والسياسية وغيرها من الجهات الفاعلة، التوعية بخطورة استخدام منصات الإعلام الرقمي في تأجيج النزاع والتحريض على مزيد من العنف والكراهية. فبالرغم من مشروعية مهاجمة أهداف عسكرية في نطاقات محددة في أوقات الحروب، إلا أن خطاب العنف والكراهية لا يميز بين هدف عسكري ومدني. ومع أن مهاجمة هدف عسكري قد ينتج عنها خسارة مادية آنية، إلا أن الخسارة والشق المجتمعي الناتجين عن تأثيرات خطاب الكراهية عادة ما يستمران لأجيال وقد تنتج عنهما نزاعات لا تتوقف لعقود قادمة.

نُشر هذا المقال في العدد 64 من مجلة «الإنساني» الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 2018 ضمن ملف «حروب الصحافيين الخاصة» الصادر في عدد المجلة الخاص بذكرى مرور عشرين عامًا على انطلاقها.