تغطية موسمية.. اللاجئون طرف صامت في الإعلام العربي

العدد 64 / قضايا إنسانية
آيات الحبال- صحافية مصرية متخصصة في تغطية قضايا اللاجئين

تغطية موسمية.. اللاجئون طرف صامت في الإعلام العربي

طالبو لجوء سوريون في قطار متجه إلى النمسا، تشرين الأول/ نوفمبر 2015. تصوير: DWORZAK, Thomas

قبل سنوات، بدأ اهتمامي بملف المهاجرين واللاجئين في مصر عندما تدفق على مصر آلاف من السوريين الفارين من جحيم الحرب التي لم تضع أوزارها إلى الآن، وقد كتبت ورصدت الأوضاع القاسية التي مر بها هؤلاء المهاجرون عامة، واللاجئون منهم خاصة، ثم التحديات الكبيرة التي واجهوها. الآن وبعد هذه السنوات، يسجل السوريون في مصر قصة نجاح، فقد انخرطوا في نشاط اقتصادي كبير، واتسعت رقعة التغطية الإعلامية عنهم وعن قصص نجاحهم في القاهرة. لكن التغطية الصحافية لم تكن يسيرة قط في العام 2012، فقد كان لطالبي اللجوء السوريين، كغيرهم، تخوفات من الإعلام، أخذًا في الاعتبار الأزمات السياسية التي تضرب بلادهم، والأفق المسدود للصراع. كان من الصعب آنذاك التواصل معهم من دون وسيط، والذي كان عادة أحد مسؤولي الجمعيات الأهلية التي تتولى توفير المساعدات، أو شخصًا سوريًّا مقيمًا منذ فترة في مصر ولديه تواصل مع أبناء جاليته التي تعيش في الغالب في تجمعات سكنية متجاورة.

تمثلت التحديات التي واجهت السوريين في البداية في مخاوف عدم تقبلهم في المجتمع الجديد، والخشية من الملاحقات الأمنية، وعائق اللهجة، علاوة على عدم معرفة كثير منهم بالخطوات اللازم اتباعها للتواصل مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

كسر الجليد

كان لهؤلاء المهاجرين قصة خوف أخرى من الإعلام، مصدرها عدم الثقة في «الشخص الغريب» (الصحافي) الذي يريد الحديث معهم والتعرف على أوضاعهم عن كثب. يضاف إلى هذا اعتقاد ساد وسط قطاع من اللاجئين بأن المساعدات التي يحصلون عليها سواء من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو من الجمعيات الأهلية الداعمة للاجئين ستتوقف في حالة ما إذا تحدث المرء منهم مع الإعلام أو جهر بأي شكوى. كان هناك أيضًا من يخشى الحديث مع الإعلام خوفًا من أي عواقب سلبية قد تطول ذويه في وطنه إذا ما تحدث في أي شيء يمس البلد الذي أتى منه.

تطلب مني التعامل مع هذه المخاوف إجراءات خاصة، لمحاولة طمأنتهم وكسب ثقتهم، وإقناعهم أن الحديث مع الإعلام سيأتي بـالفائدة على الجميع. إذ إننا سننشر التحديات والمصاعب التي يواجهونها، سنعمل على إيصال صوتهم للرأي العام. تمكنت أنا وزملاء لي من كسر الجليد، بفضل ما اتبعنا من طرق، كأن نجري عدة مقابلات مع المصادر من أجل «كسر الجليد»، والتعريف المفصل بهويتي وعملي الصحافي. بعض اللاجئين الذين قابلتهم طلبوا قراءة بعض تقاريري الصحافية السابقة لمعرفة من أكون حقيقة. الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، فحتى لو تمكنت من الحصول على موافقة شخص للحديث معي، فقد كان يرفض ذكر اسمه، أو يرفض التقاط صور فوتوغرافية خوفًا من أن يراه أحد، أو يتعرف على مكانه أحد، أو احتمال أن يتعرض إلى أي مشكلات. مع الوقت، كسبت أنا وزملائي ثقة الكثيرين. كان لدراستنا الجيدة لملف اللاجئين، ومعرفتنا بالمصطلحات القانونية، وألفتنا مع اللهجة السورية، الفضل في تقريب المسافات، فنجحنا في طرح مواضيع تتناول أوضاع اللاجئين في مختلف السياقات، ومنها في أماكن الاحتجاز، علاوة على التحديات التي تواجه النساء، أو التعاطي مع الأزمات النفسية للأطفال المهاجرين.

مع مرور السنوات، وتنوع صور اندماج السوريين في المجتمع والحياة المصرية، اختلف نطاق ونوع التغطية الصحافية الخاصة باللاجئين السوريين. فزادت المساحة الخاصة بهم في وسائل الإعلام. رأينا الصحف وهي تنشر تحقيقات معظمها عن نجاح السوريين في تأسيس المشاريع الاقتصادية، خصوصًا مشاريع المطاعم. وشاهدنا قنوات فضائية عدة، وبرامج مسائية واسعة الانتشار وهي تستضيف رجال أعمال سوريين للحديث عن خططهم الاقتصادية في البلاد. لكن هذه التغطية الإعلامية، على القنوات الفضائية، أو في الصحافة المكتوبة أو المواقع الإخبارية، لا تركز غالبًا إلا على قصص النجاح، وهي قصص حقيقية، كما أنها تغطية موسمية مرتبطة بأحداث بعينها كافتتاح مشروع جديد أو ظهور قضية جديدة تتعلق باللاجئين في مصر. قليلة هي تلك التغطيات الصحافية والإعلامية التي ترصد ما يمر به اللاجئ أو المهاجر من مشكلات يومية سواء في مجال التعليم أو العمل أو في الحصول على الإقامة.

أحمد أبو حمد، وهو مؤسس مركز إيلان لصحافة اللاجئين بالأردن، يقول إن هناك ثغرة كبيرة في وسائل الإعلام العربية في تناول القضايا الخاصة باللاجئين. يقول: «اللاجئون طرف صامت، لا يُسأل عن رأيه في قضايا تمس حياته اليومية، ليبقى الأمر متروكًا في التصريح وإثبات وجهة النظر إما للحكومات أو المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمات الإغاثية الدولية».

لاجئون سودانيون في مصر. تصوير: خالد الفقي/ الوكالة الأوروبية للصور الصحفية (epa)

وجهة نظر

يرى جواد سامر، وهو طالب لجوء سوري يعيش في مصر منذ خمسة أعوام، ويدير فريقًا لكرة القدم، جميع أعضائه من الجالية السورية المقيمة بمدينة العبور، 35 كم شمال شرقي القاهرة، أن الإعلام المصري خاصة خلال السنوات الثلاث الأخيرة كان معينًا له وللجالية السورية في الكثير من الأمور. يذكر سامر أنه لمس استجابة من قبل صحافيين عرض عليهم مشكلات وطلب منهم إلقاء الضوء عليها، يقول: «كانت لدينا مشكلة كبيرة في الحصول على الإقامة وقدمنا مكاتبات كثيرة لمفوضية الأمم المتحدة ولوزارة الخارجية المصرية ولم نصل إلى حل. ولكن فور عرض المشكلة في وسائل الإعلام المصرية، حُلت المشكلة نسبيًّا. ساعدنا الإعلام في الوصول إلى مسؤولين لم نكن لنصل إليهم بمفردنا».

كان سامر قد تنقل بين عدد من الدول في رحلة بحثه عن مكان آمن، إلى أن حط الرحال في مصر. من واقع خبرته، فإن المهاجر السوري في مصر يستطيع أن يجد من يتكلم عنه في الإعلام. وخلال السنوات الأخيرة، استعرضت قنوات فضائية مختلفة قصص نجاح سورية خصوصًا في مطاعم الوجبات السريعة، أو النسيج.

ويقول خبراء إن العلاقات التاريخية العميقة التي تربط بين البلدين سهلت اندماج السوريين في مصر. وفيما بين عامي 1958 و1961 اتحدت الدولتان تحت قيادة الزعيم المصري جمال عبد الناصر في مشروع وحدة قصير الأمد.

ويحفظ سامر لمصر أنها لم تضع اللاجئين في مخيمات ذات ظروف قاسية، ويرى أن الإعلام المصري ساهم في دعم المهاجرين السوريين دعمًا كبيرًا. يقول: «لم نتمكن من عرض مشكلاتنا في عدة دول. خلافًا لمصر، لم يكن هناك تقبل لقضايا اللاجئين في بعض الدول. من ساعد اللاجئين هناك هي الجمعيات الأهلية وليس الإعلام».

ويقول خبراء إن مصر قادرة، لكونها دولة ذات تعداد سكاني كبير، على استيعاب مئات الآلاف من المهجرين واللاجئين الذين وفدوا إليها. ووفقًا لبيانات مفوضية اللاجئين، فإنه يوجد في مصر أكثر من 235 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين حتى آب/ أغسطس 2018، ينتمون إلى 58 جنسية. وهو رقم يقول خبراء إنه أقل بكثير من الأعداد الحقيقية للمهاجرين، ومنهم اللاجئون المقيمون في بلد قارب عدد سكانه المئة مليون.

وبالمقارنة، شكل تحمل عبء اللاجئين تحديًا كبيرًا لدول ذات تعداد سكاني أقل، إذ يستضيف لبنان زهاء مليون لاجئ سوري مسجلين وفقًا لبيانات الأمم المتحدة، فيما تقول الحكومة اللبنانية إن العدد الحقيقي يبلغ مليونا ونصف المليون، يشكلون ربع عدد سكان هذا البلد المثقل بتحديات سياسية واقتصادية جمة. وبالمثل، تقول الحكومة الأردنية إنها تستضيف نحو 650 ألف لاجئ سوري، في بلد يقارب عدد سكانه الملايين العشرة.

اختراق عزلة

قصة النجاح لدى قطاع معتبر من السوريين في مصر، لا تتكرر مع لاجئين من بلدان القارة الأفريقية، خاصة شرق أفريقيا. فمع أن هناك علاقات جغرافية وتاريخية وتجارية وعلمية ربطت مصر بأفريقيا، إلا أن هناك مخاوف لدى اللاجئين وطالبي اللجوء من أبناء جنسيات أفريقية مختلفة في التعامل مع الإعلام. هناك القليل منهم الذي يلجأ إلى الإعلام لعرض مشكلاته. لقد رصدت وغيري من الصحافيين حالات للتنمر والتمييز في الشارع ضد لاجئين من دول شرق أفريقيا، لكن أصحاب هذه المشكلات لا يلجأون للإعلام لطرح قضاياهم. في كثير من الأحيان هناك حاجز كبير بينهم وبين الإعلام الذي يستخدم أحيانًا مصطلحات يشوبها «التنميط». لذا بدا من الصعب التواصل مع قطاعات كبيرة من هؤلاء اللاجئين إلا من خلال الجمعيات التي تعمل على تقديم الخدمات القانونية والنفسية والتعليمية لهم، أو من خلال التواصل معهم عن طريق وسطاء، يكونون في الغالب بعض المقيمين السابقين في مصر ممن يجيدون اللغة العربية ويعرفون اللهجة المصرية جيدًا. تقول آية نبيل، وهي صحافية تحقيقات مستقلة نشرت مواضيع عدة عن قضايا اللاجئين في منصات إعلامية مصرية، إنها لجأت إلى عقد لقاءات متكررة مع مهاجرين من دول شرق القارة الأفريقية، من إثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان، في أماكن عملهم أو في الجمعيات الأهلية التي تقدم لهم الخدمات أو في أماكن تجمعاتهم، من أجل أن تتمكن من التعرف عليهم، ومعرفة طبيعة المصاعب اليومية التي يواجهونها. تقول نبيل: «هؤلاء اللاجئون يرون أنهم حلقة ضعيفة وسهل كسرها. إنهم يواجهون ضغوطًا حياتية، علاوة على ما يتعرضون له من تمييز».

مبادرات

ترى شاكيرا آدم، صحافية إثيوبية بشبكة «أروموا الإعلامية»، ولاجئة في مصر منذ خمس سنوات، أن اللاجئين من أصول أفريقية يعيشون في وضع أفضل في مصر، إذ يعيش أحدهم في وضع أفضل من نظيره الذي يصارع في المخيمات. لكنها تقول إن تفاعل الإعلام المصري مع قضايا اللاجئين تفاعل موسمي، ويرتبط في الغالب بالفعاليات التي تُنظم في اليوم العالمي للاجئين (يوافق 20 حزيران/ يونيو من كل عام)، أو بالمؤتمرات الخاصة بالجاليات الأفريقية. ضعيفة جدًّا هي التغطية الإعلامية للحياة الإنسانية ومشكلات اللاجئ الأفريقي في مصر.

وتبرر آدم ذلك بعدم وجود منصة إعلامية في مصر تمثل صوت اللاجئين، علاوة على عدم مقدرة اللاجئ على التواصل مع الإعلام المصري بسبب حاجز اللغة، أو خوفًا من أن يتحدث عن مشكلات سياسية تحدث في بلاده قد تضره في مصر. وللتغلب على هذه المشكلة دشن بعض اللاجئين منصات إعلامية مستقلة ومتنوعة. تقول آدم: «كثير من اللاجئين لجأوا لتدشين منصات ناطقة بلغاتهم الأصلية للحصول على الدعم في بعض القضايا. هناك عدة منصات دشنها إثيوبيون في مصر للتواصل مع أبناء وطنهم، سواء في مصر أو خارجها».

التغطية الموسمية لقضايا اللاجئين شجعت على ظهور منصات عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنشأها اللاجئون أنفسهم للتواصل والحديث عن مشكلاتهم، بالإضافة إلى ظهور عدد من التجارب أسسها مصورون وصحافيون، لرصد وتوثيق أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء المقيمين في مصر أيًّا كانت جنسياتهم.

ومن بين هذه المبادرات الناشئة مبادرة «لاجئ ترانزيت» التي أسستها كاتبة هذه السطور في آذار/ مارس 2018 على فيسبوك، وهي مبادرة تهدف إلى توثيق حياة اللاجئين في مصر، ونشر جميع التغطيات عن اللاجئين سواء في صورتها المطبوعة أو المرئية. هذه التغطيات تشمل أنشطة ومشاريع اللاجئين المختلفة، سواء أنشطة رياضية أو تعليمية أو ثقافية. كما أنها منصة أيضًا لمساعدة الإعلاميين في ضرورة استخدام المصطلحات الصحيحة التي يجب استخدامها في التقارير الخاصة بالهجرة واللجوء وما يجب فعله وما لا يجب فعله أثناء الحديث عن هذه القضايا الحساسة.هناك أيضًا مبادرة المصورة ريم عقل التي أسست حسابًا يحمل اسم «لاجئون في مصر» (Refugees in Egypt ) على موقع انستغرامتحاول هذه المبادرة سرد روايات ما يعيشه اللاجئون في مصر من لقطات مصورة للاجئ وتعليق من الشخص نفسه، يسرد فيه حكايته أو مشكلة يقابلها. 

ويقول أبو حمد إن هذه المبادرات مهمة لتجاوز طرق التعاطي الإعلامي التقليدية مع اللاجئين في المنطقة العربية. فبعض الدول تحاول احتكار الحديث باسم اللاجئين حتى تبقى وجهة نظر الحكومة هي الأكثر صدى وانتشارًا. ويذكر أن هناك دولًا تعتمد على التمويل الأجنبي الذي قد يتأثر في حال ثبت سوء المعاملة مع اللاجئين. وحتى إذا تناولت وسائل الإعلام العربية عامة قضايا اللاجئين، فإنها تنظر إلى اللاجئ نظرة متناقضة. فحسبما لاحظ أبو حمد في وسائل الإعلام العربية، فاللاجئ يبدو بمظهرين: «ضحية عاجزة منكسرة أو شخصية انتهازية ومسببة للمشاكل… وفي الحالتين يُجرد اللاجئ من إنسانيته وإسقاط وجهة نظر الصحافي أو المؤسسة الصحافية عليه، دون إعطائه البعد الموضوعي الذي ينظر له كإنسان طبيعي له رأي في قضاياه ويستطيع التعبير عن احتياجاته». لهذا دشن أبو حمد، بمشاركة صحافيين أردنيين، وصحافيين لاجئين، مركز «إيلان» لصحافة اللاجئين بهدف طرح قضايا اللجوء بمهنية وموضوعية، دون خطاب يحمل أي عداء أو كراهية للاجئين أو محاولات التأثير على نظرة الناس في المجتمعات المستضيفة لهم، أو التمييز في التغطية حتى بين الجنسيات اللاجئة.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر إلا عن وجهة نظر أصحابها، ولا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي للجنة الدولية للصليب الأحمر.

نُشر هذا المقال في العدد 64 من مجلة «الإنساني» الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 2018 ضمن ملف «حروب الصحافيين الخاصة» الصادر في عدد المجلة الخاص بذكرى مرور عشرين عامًا على انطلاقها

**

اقرأ أيضا:
كارولين كامل، ليسوا بعالة على المجتمع.. لون البشرة سببًا في معاناة لاجئين في بر مصر

 

اطلع غيرك على هذا المقال

تعليقات

لا توجد تعليقات الآن.

اكتب تعليقا