في النزاعات المسلحة حول العالم، تتعرّض البنية التحتية الحيوية التي تمكّن من تقديم الخدمات الأساسية إلى السكان المدنيين لهجمات متكررة وأضرار عرضية وإساءة استخدام من الأطراف المتحاربة، مما يؤدي إلى تعطيل واسع النطاق في تلك الخدمات. وتتجلّى الآثار الإنسانية لهذا التوجه المثير للقلق فوراً أو على الأمد الطويل، بدءاً من نزوح السكان بأعداد كبيرة، والتعرض للجوع وانعدام الأمن الغذائي، وانعدام أمن الطاقة، وتزايد خطر تفشي الأمراض المعدية وانتشارها، وتراجع سبل العيش، وصولاً إلى الموت. وغالباً ما تكون الآثار الارتدادية الوخيمة المترتبة على تعطيل الخدمات الأساسية طويلة الأمد وقد تتجاوز الحدود.
في هذا المقال، تلقي المستشارتان القانونيتان للجنة الدولية، إريني جورجو (Eirini Giorgou) وآبي زيت (Abby Zeith)، نظرة فاحصة على القيود التي يفرضها القانون الدولي الإنساني لحماية البنية التحتية الحيوية التي تقدم خدمات الطاقة إلى المدنيين، من خطر الأعمال العدائية.
تلحق النزاعات المسلحة خسائر فادحة بحياة المدنيين، ليس فقط بطريقة مباشرة من خلال التسبّب في الوفيات والإصابات نتيجة استخدام القوة، بل أيضاً بطريقة غير مباشرة، عندما تتعطّل الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها هؤلاء المدنيون، أو يتعذّر الحصول عليها – كالكهرباء، والرعاية الصحية، والمياه، وإنتاج الأغذية وتوزيعها، ومعالجة مياه الصرف الصحي والتخلّص من النفايات الصلبة، والتعليم.
ولضمان حماية أفضل للمدنيين في النزاعات المسلحة، من المهم فهم كيفية عمل الخدمات الأساسية. فالخدمة الأساسية نظام يتألف من ثلاثة مكونات: الأجهزة (مثل البنية التحتية والمعدات وغيرها)، والأفراد (المشغلون وموظفو الصيانة)، والمواد الاستهلاكية (المواد اللازمة لتشغيل البنية التحتية كالوقود، أو لتقديم الخدمات كالأدوية). ويُشار إلى هذه المكونات، التي تمكّن نظام الخدمة من العمل، باسم المكونات “الحيوية”.
وفي حين يمكن أن تتأثر الخدمات الأساسية بطرق متعددة أثناء الأعمال العدائية، يبقى السبب الشائع لتوقف عملها هو الضرر أو الدمار الذي يلحق ببنيتها التحتية الحيوية. وقد يكون هذا الضرر متعمداً، على سبيل المثال في حالة استهداف البنية التحتية الحيوية – سواء لسبب مشروع أو غير مشروع – من قِبل أحد أطراف النزاع، أو تضررها عرضياً، خاصة عند استخدام أسلحة متفجرة تحدث آثاراً واسعة النطاق عند شنّ هجمات على أهداف تقع على مقربة من هذه البنية التحتية. وقد تسيء أيضاً الأطراف المتحاربة استخدام البنية التحتية كجزء من استراتيجية تهدف، على سبيل المثال، إلى حرمان السكان المدنيين من الوصول إلى الخدمات الأساسية باستخدام أساليب أخرى غير شنّ الهجمات، بهدف ممارسة الضغط على الخصم.
في هذا المقال، نركّز على البنية التحتية الحيوية التي تمكّن من توفير الطاقة للمدنيين، مثل شبكات البنية التحتية المرتبطة بالكهرباء والوقود والغاز. وتتكوّن هذه الشبكات من أجزاء محدّدة منفصلة ومستقلة مادياً عن البنية التحتية للطاقة، مثل مبنى أو هيكل أو أي عين أخرى تشكل جزءاً من نظام الطاقة أو شبكة الكهرباء ككل (مثلاً محطة توليد الطاقة، أو محطة فرعية للطاقة، أو محوّل كهربائي، أو كابل أو أي خط نقل آخر للطاقة الكهربائية، أو مولّد، أو سدّ، أو خزان مياه، أو أنبوب ضغط مائي، أو مركز تحكّم).
الترابط بين الخدمات الأساسية والأهمية البالغة لأنظمة الطاقة بالنسبة إلى السكان المدنيين
إن الخدمات الأساسية للسكان المدنيين وغيرهم من الأشخاص المحميين أثناء النزاعات المسلحة تتّصف بالترابط، مما يعني أن تعطيل إحداها يمكن أن يحدث آثاراً متعاقبة على الخدمات الأخرى، ويؤدي إلى تعطيل خدمات متعددة أو حتى انهيارها. فعلى سبيل المثال، لا بد من توفّر إمدادات الكهرباء لضمان تقديم خدمات المياه والصرف الصحي، والتخلص من النفايات الصلبة، وسلسلة التبريد (أي تخزين المواد الأساسية وإدارتها ونقلها في درجات حرارة محدّدة، كالمواد الغذائية والأدوية). ومن ثم، تعتمد قدرات المستشفيات وإنتاج الأغذية وتوزيعها على إمدادات موثوقة بالمياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي والكهرباء.
ويمكن أن يؤدي انعدام المياه وخدمات الصرف الصحي والأغذية والتدفئة والرعاية الصحية إلى الإصابة بالأمراض ووقوع الوفيات وحدوث موجة نزوح واسعة النطاق. واعتماداً على سبب التعطل، تتراوح مدة الإصلاح بين ساعات وسنوات – وهو ما يطيل أمد النزوح ومعاناة المدنيين. وعندما يطول أمد النزاع، قد تتدهور أنظمة الخدمات الأساسية إلى حد الانهيار. والأشخاص الذين يتضرّرون بشدّة هم أولئك الذين يواجهون أصلاً عقبات وأوجه حرمان، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة.
وأصبحت اللجنة الدولية، من خلال عملها في النزاعات التي طال أمدها في شتّى أنحاء العالم، على دراية تامة بالآثار الوخيمة والمتراكمة على الفئات السكانية عند انقطاع إمدادات الكهرباء أو انهيارها أثناء النزاعات المسلحة. ويمكن أن يفرض النمو السكاني والاقتصادي السريع، فضلاً عن التوسع الحضري، ضغوطاً بالفعل على البنية التحتية للطاقة حتى قبل اندلاع النزاعات من أجل تلبية الطلب المتزايد. وتتفاقم المعاناة في المناطق التي تقاسي ندرة موارد المياه العذبة أو التي تتأثر بالظواهر المناخية الشديدة (مثل الفيضانات وموجات الحر وحرائق الغابات) وتغيّر المناخ.
ثمة حدود للاستجابة الإنسانية الجماعية عندما تنهار أنظمة الطاقة
على الرغم من اختلاف أشكال تنظيم أنظمة الطاقة من بلد لآخر، تتكوّن شبكة الكهرباء عادة من مجموعة من الأجزاء تشكل بنية تحتية منفصلة ومستقلة مادياً، وهي عناصر أساسية لتوليد الطاقة ونقلها وتوزيعها والتحكم فيها. ومع الأسف، كما لاحظت اللجنة الدولية وغيرها في أماكن أخرى، تمتلك العديد من المدن في العالم بنية تحتية وخدمات خاصة بالطاقة مبنية على أساس نظام أحادي البنية، وتفتقر إلى التنوع من حيث مصادر إنتاج الطاقة. وفي كثير من الأحيان، يؤدي عطل في أحد المكونات في قمة النظام (مثل محطات توليد الطاقة أو البنية التحتية ذات الجهد العالي) إلى تعطل جميع مكونات قاعدة النظام (مثل شبكات التوزيع)، وبالتالي تتوقف الخدمة – ومعها جميع الخدمات المرتبطة بها التي تعتمد عليها للتزود بالطاقة. وفي أوقات الأزمات، تتسبّب هذه الهندسة بضعف في النظام ككل ناجم عن وجود نقاط عطل مفردة. ويمكن ملاحظة هذا الضعف في البنية التحتية ذاتها كما في سلسلة الإمدادات اللازمة لضمان تأديتها وظائفها.
ورغم تمتّع المنظمات الإنسانية بالمهارة في توجيه المساعدات نحو الفئات الأكثر ضعفاً، وامتلاك بعضها، بما فيها اللجنة الدولية، خبرات لدعم توفير بعض الخدمات الأساسية أثناء النزاعات المسلحة بطريقة منتظمة، يبقى خطر احتياج السكان بأكملهم إلى المساعدات في حال انهيار أنظمة الخدمات الأساسية المترابطة والمتكافلة أمراً مثيراً للقلق. وثمة حدود للاستجابة الإنسانية الجماعية في الحدّ من تدهور الخدمات أثناء النزاعات المسلحة، لا سيما في ظلّ الجزاءات وتدابير مكافحة الإرهاب وغيرها من التدابير التقييدية التي تعيق استيراد المواد والمستلزمات الضرورية لضمان استمرارية الخدمات.
ومن الجدير بالذكر أن أنظمة الطاقة تتّصف بالتعقيد التقني والحجم الكبير والتكلفة المالية العالية لتوليد الطاقة وتوزيعها ونقلها، ويؤدي تعطّل هذه الأنظمة إلى عواقب واسعة النطاق تتجاوز بكثير قدرة العمل الإنساني وحده على معالجتها. ووضعت اللجنة الدولية، بالتعاون مع البنك الدولي واليونيسف، سلسلة من التوصيات المشتركة لإجراء تغييرات منتظمة في تقرير بعنوان “تضافر القوى لمكافحة الأزمات الطويلة الأمد” يفصّل، من بين أمور أخرى، الطريقة التي يؤثر بها تعطّل أو انهيار إمدادات الطاقة على توفير المياه والصرف الصحي أثناء النزاعات المسلحة.
ولكن، يكتسي منع إلحاق الضرر بالبنية التحتية للطاقة وتدميرها منذ البداية أهمية بالغة لحماية المدنيين. ويوفر القانون الدولي الإنساني ضمانات حاسمة تهدف إلى ضمان استمرار حصول المدنيين على الخدمات الأساسية أثناء النزاعات المسلحة.
ولا تقتصر هذه القواعد على حماية البنية التحتية للطاقة التي تمكّن من تقديم الخدمات فحسب، بل تشمل أيضاً حماية الموظفين المدنيين الذين يعملون على تشغيل هذه البنية التحتية وصيانتها وإصلاحها، فضلاً عن مخزونات مقدّمي الخدمات. وبالمثل، يتضمن القانون الدولي الإنساني قواعد هامة بشأن التجويع وعمليات الإغاثة لضمان عدم تجويع المدنيين أو حرمانهم من الإمدادات الأساسية لبقائهم على قيد الحياة، إضافة إلى قواعد لحماية البيئة الطبيعية.
وبالرغم من أهمية هذه القواعد الأخيرة في حماية المدنيين، فهي تتجاوز نطاق هذا المقال، وبالتالي لن يجري التطرق إليها فيما يلي.
كيف يحمي القانون الدولي الإنساني البنية التحتية للطاقة؟
تعتبر أجزاء البنية التحتية للطاقة، التي تشكّل جزءاً من منظومة الطاقة التي تمكّن من توفير الخدمات الأساسية للمدنيين، من حيث المبدأ، أعياناً مدنية، وهي بذلك محمية من الهجمات المباشرة وأعمال الاقتصاص، فضلاً عن الأضرار العرضية. وبقدر ما تكون مخصّصة عادة لأغراض مدنية، فإنها تتمتّع بقرينة الصفة المدنية. ويعني ذلك أنه في حال ثار شك حول استخدام جزء من البنية التحتية في تقديم مساهمة فعّالة للعمل العسكري، فيجب افتراض أن هذا الجزء مدني.
وبعيداً عن مسألة الهجمات، فإن التزام أطراف النزاعات المسلحة باتخاذ لتجنيب السكان المدنيين والأشخاص المدنيين والأعيان المدنية آثار جميع العمليات العسكرية، يكتسي أهمية خاصة فيما يتعلق بحماية البنية التحتية للطاقة. ويتعيّن على الأطراف توخي الحذر الشديد أثناء تحركات القوات والمناورات والأنشطة العسكرية الأخرى، وعند اتخاذ مواقع بالقرب من هذه الأعيان. ويتطلب ذلك، على سبيل المثال، بذل قصارى الجهود لفهم كيفية ترابط مختلف الأنظمة الأساسية، وتحديد أجزاء البنية التحتية للطاقة الأكثر عرضة للخطر (على سطح الأرض، وفوق الأرض، وتحت سطح الأرض)، لتجنب إتلافها أو تعريضها للخطر.
ما هي الظروف التي يصبح فيها جزء من البنية التحتية للطاقة هدفاً عسكرياً؟
سيحدّد معيار تراكمي ذو شقين ما إذا كان جزء معيّن من بنية تحتية للطاقة يُصنّف كهدف عسكري بموجب القانون الدولي الإنساني. وينبغي ألّا يُفترض أنّ استيفاء الجانب الأول من التعريف يؤدي تلقائياً إلى استيفاء الجانب الثاني. ومن الناحية العملية، يعني ذلك ما يلي:
(1) يسهم الجزء من البنية التحتية للطاقة إسهاماً فعّالاً في العمل العسكري سواء بطبيعته أو موقعه أو غايته (استخدامه المستقبلي المقرر) أو استخدامه؛
(2) يحقّق تدميره كلياً أو جزئياً، أو الاستيلاء عليه، أو تعطيله في الأحوال السائدة في حينه ميزة عسكرية مؤكدة.
وتكتسي عبارة “يسهم إسهاماً فعّالاً في العمل العسكري” في الجانب الأول أهمية جوهرية في أي مناقشة بشأن إمكانية استهداف البنية التحتية للطاقة. وفي الواقع، لكي يُصنّف هذا الجزء من البنية التحتية كهدف عسكري، يجب أن يكون هناك ارتباط وثيق – أو “علاقة مباشرة” – بين البنية التحتية والقتال نفسه (Gisel، الصفحات 139-150).
ويتّصل هذا الارتباط عادة بالأنشطة على المستوى التكتيكي أو العملياتي التي تُنفّذ لأغراض العمليات العسكرية أثناء النزاعات المسلحة. وعلى سبيل المثال، وجود محطة توليد الطاقة تزود الثكنات العسكرية، أو مقر القيادة العسكرية، أو أنظمة القيادة والتحكم والاتصالات العسكرية، بالكهرباء. وفي بعض الحالات، قد يكون هناك ارتباط بالأنشطة العسكرية على المستوى الاستراتيجي، مثل تلك التي تهدف إلى إحداث آثار عسكرية مباشرة (كاستهداف جزء من البنية التحتية للطاقة يزود رادارات الدفاع الجوي بالكهرباء من أجل حرمان الخصم من قدرات الدفاع الجوي) أو التأثير على الإنتاج الحربي (كاستهداف جزء من البنية التحتية يزوّد مصنعاً للذخيرة بالكهرباء).
وأما فيما يتعلق بالجانب الثاني، فيجب أن يكون هناك ميزة ملموسة وواضحة تعود بالنفع على القوات المسلحة التي تسعى إلى مهاجمة جزء من البنية التحتية للطاقة، وذلك في ضوء الأحوال السائدة في حينه، وليس في وقت افتراضي في المستقبل (رابطة القانون الدولي، 330-1، 342-3). وبعبارة أخرى، يُحظر تصنيف شبكة الكهرباء بأكملها في بلد أو منطقة خاضعة لسيطرة العدو كهدف عسكري، سواءً بشكل شامل أو استباقي، ومن المرجح أن تكون أي هجمات لاحقة تستند إلى هذا التصنيف الواسع هجمات عشوائية. وأي ميزة متوقعة تقتصر فقط على الجانب الاقتصادي أو المالي أو السياسي أو النفسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي لا يُعتدّ بها (Bothe وPartsch وSolf، 367).
ومما يثير القلق بشكل خاص ميل بعض أطراف النزاعات المسلحة إلى تبني تفسيرات واسعة للغاية لتعريف الهدف العسكري من أجل تبرير العمليات ضد البنية التحتية للطاقة، ليس بهدف إضعاف القدرات العسكرية للخصم، بل لأسباب سياسية أو اقتصادية. وللتوضيح، يحظر القانون الدولي الإنساني الهجمات على أجزاء من البنية التحتية للطاقة إذا كان الغرض الوحيد منها هو إضعاف القدرة الاقتصادية للخصم، حتى لو كانت تدعم بشكل غير مباشر قدراته القتالية (انظروا على سبيل المثال: Dinstein، الصفحتان 126-127)، أو إجبار الخصم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، أو التأثير في إرادة السكان، أو ترهيب القادة السياسيين. وحسبما ناقشنا في مواضع سابقة، إذا أُقرّ بنيّة التأثير المباشر في عزيمة سكان العدو على القتال كهدف مشروع لاستخدام القوة العسكرية، فلن تبقى أية حدود للحرب. وبالمثل، تُحظر أيضاً الهجمات على أجزاء من البنية التحتية للطاقة، التي تستهدف بصورة رئيسية بث الذعر بين السكان المدنيين. ويمكن استنتاج هذا الغرض، حسب الأحوال، من طبيعة الهجوم. فعلى سبيل المثال، تشير ممارسات الدول والفقه القانوني للمحاكم والهيئات القضائية الدولية إلى أن استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية وشنّ الهجمات العشوائية على مدى فترات طويلة أو على نطاق واسع يعتبران في بعض الأحيان أعمالاً إرهابية (انظروا دراسة اللجنة الدولية بشأن القانون الدولي الإنساني العرفي).
هل يمكن مهاجمة جزء من البنية التحتية للطاقة لمجرد أنه يعتبر هدفاً عسكرياً؟
الجواب على هذا السؤال هو: لا. يوفّر القانون الدولي الإنساني حماية خاصة (مشدّدة) لأنواع معينة من البنية التحتية للطاقة، ولا سيما الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، إضافة إلى الأشغال الهندسية والمنشآت المحتوية على قوى خطرة. وتنطبق هذه الحماية الخاصة حتى في حال كانت هذه البنية التحتية للطاقة تشكل أهدافاً عسكرية.
الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين
كنتيجة طبيعية مترتبة على حظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، يُحظر تحديداً مهاجمة الأعيان والمواد التي لا غني عنها لبقاء السكان المدنيين أو تدميرها أو نقلها أو تعطيلها. وتشمل هذه الأعيان والمواد، على سبيل المثال لا الحصر، المواد الغذائية والمناطق الزراعية التي تنتجها، والمحاصيل، والماشية، ومرافق مياه الشرب وشبكاتها، وأشغال الري. وتمتد أيضاً لتشمل أجزاء من البنية التحتية للطاقة الضرورية للتشغيل الفعال للأعيان الأخرى التي لا غنى عنها (انظروا تعليق اللجنة الدولية على البروتوكول الإضافي الأول [2103]، وكذلك Dinstein، الصفحة 289، وSchue وWippman، الصفحة 573، وSchmitt، وDannenbaum). ومع ذلك، فإن تناول هذه القاعدة المهمة والمعقدة يتجاوز نطاق هذا المقال.
الأعيان التي تحتوي على قوى خطرة، ألا وهي السدود والجسور ومحطات الطاقة النووية
كما أوضحنا سابقاً، لا تتوقّف الحماية الممنوحة للأشغال الهندسية والمنشآت المحتوية على قوى خطر، كالسدود والجسور والمحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربية، بمجرد تحوّلها إلى أهداف عسكرية. ويرسي القانون الدولي الإنساني نظام حماية مفصّل، وجوهره بسيط للغاية: تجنّب تحوّل الأشغال الهندسية والمنشآت إلى ساحات قتال أو تعرّضها لأضرار عرضية جراء القتال.
وفي جميع الأحوال، حتى عندما لا يستفيد جزء من بنية تحتية للطاقة من حماية مشدّدة بموجب القانون الدولي الإنساني، تظل تنطبق جميع قواعد القانون الدولي الإنساني العرفية والتعاهدية الأخرى التي تحمي السكان المدنيين من آثار الأعمال العدائية، فضلاً عن البيئة الطبيعية. ويشمل ذلك أيضاً على سبيل المثال، حظر الهجمات العشوائية وغير المتناسبة، إضافة إلى العديد من القواعد بشأن الاحتياطات في الهجوم والاحتياطات ضد آثار الهجمات.
لماذا يطرح استهداف البنية التحتية للطاقة أثناء النزاعات المسلحة إشكالية؟
رغم أنه كثيراً ما تُستهدف البنية التحتية للطاقة في النزاعات المسلحة، فهي تكوّن مجموعة أهداف تطرح إشكالية ذات طابع خاص.
أولاً، تُستخدم البنية التحتية للطاقة في كثير من الأحيان لأغراض عسكرية ومدنية في آنٍ واحد. فعلى سبيل المثال، قد تزوّد محطة توليد الكهرباء ثكنات عسكرية وسائر المدينة بالكهرباء. وإذا جعل استخدامها لأغراض عسكرية جزءاً محدّداً من البنية التحتية للطاقة هدفاً عسكرياً، فسيصبح هدفاً مشروعاً. وفي ضوء مرافق شبكات الكهرباء الحديثة والمتكاملة اليوم، يصعب للغاية حصر آثار الهجوم في تلك الأجزاء من الخدمة التي تستخدمها القوات المسلحة (Jachec-Neale، الصفحتان 73-74؛ وDinstein، الصفحات 140-141).
وعلى الرغم من هذه التحديات، تقتضي وجهة النظر السائدة الذي تشاركها اللجنة الدولية، أن مبدأي التناسب والاحتياط لا يزالان متصلين بهذه المسألة، ليس فقط فيما يتعلق بالأضرار العرضية المباشرة التي تلحق بالمدنيين والأعيان المدنية الأخرى (مثل تلك الموجودة على مقربة من البنية التحتية للطاقة)، بل أيضاً من حيث العواقب نتيجة تعطيل الاستخدام المدني أو وظيفة البنية التحتية للطاقة نفسها، بما في ذلك الضرر غير المباشر على المدنيين الناجم عن هذا التعطيل.
وثانياً، قد يميل البعض إلى المبالغة في تقدير الميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة من مهاجمة بعض الأجزاء من البنية التحتية للطاقة. وقد يعود ذلك إلى الافتقار إلى المعلومات الاستخباراتية المناسبة أو وجود توقعات تتعلّق على سبيل المثال بمدى “المساهمة الفعّالة” التي تعود بها هذه البنية التحتية على الخصم في العمل العسكري، أو الآثار العسكرية المترتبة على استهداف هذه البنية التحتية، أو حتى الإخفاق في توقّع رد فعل الخصم بشكل معقول للتخفيف من آثار هذه الهجمات. وفي الواقع، يرى البعض أنه بينما قد يحقّق استهداف أجزاء من البنية التحتية للطاقة ميزة عسكرية قصيرة الأجل في ظروف معيّنة، تظل المزايا العسكرية الاستراتيجية والعملياتية على المدى الطويل موضع تساؤل، وعلى أي حال، من المرجح أن تفوقها الآثار الارتدادية الوخيمة لهذه الهجمات على السكان المدنيين (التي سيجري بحثها أدناه). وينطبق ذلك بصفة خاصة عندما تكون القوات العسكرية عادة من المستخدمين ذوي الأولوية أثناء النزاعات المسلحة. وبالتالي، يُرجّح أن تُخصّص لها أي قدرة كهربائية متبقية لعملياتها عند استهداف أجزاء من البنية التحتية للطاقة (Waxman، الصفحة 20)، إذ إن ذلك يقلّل في الوقت نفسه من الميزة العسكرية الملموسة المتوقعة ويزيد من الضرر الذي يلحق بالمدنيين.
ومن الأهمية القصوى ألّا تصدر القوات المسلحة افتراضات أو تعميمات بشأن البنية التحتية للطاقة، مثلما حذر آخرون من ذلك أيضاً (Henderson، 139-141). ويتعيّن على من يخططون للهجمات ويتّخذون قرارات بشأنها أن يستندوا في اختيار الأهداف والتحقّق منها وتطبيق التناسب واتخاذ الاحتياطات في الهجوم إلى تقييمات استخباراتية دقيقة ومتعددة التخصصات، ترسم خريطة شاملة، على سبيل المثال، لإنتاج الطاقة واستهلاكها والأنظمة الاحتياطية، ولا سيما الآثار المتوقعة لتعطيل الكهرباء على القدرات العسكرية للخصم (Griffith، الصفحتان 45-46)، مع مراعاة تأثير ذلك على توفير الخدمات الأساسية للسكان المدنيين. ورغم صعوبة الحصول على هذا النوع من المعلومات، فمن المؤكد أن ذلك لا يلغي الالتزام القانوني باتخاذ جميع التدابير الممكنة للحصول عليها عند التخطيط لهجوم على جزء محدّد من البنية التحتية للطاقة واتخاذ قرار بشأنه.
ما هي الآثار الارتدادية المترتبة على استهداف البنية التحتية للطاقة؟
لا يقتصر الضرر العرضي الواقع على المدنيين على إلحاق الضرر بالجزء المستهدف من البنية التحتية للطاقة أو تدميره أو تعطيل خدماته، ولا على وفاة أو إصابة المدنيين الموجودين داخله أو على مقربة منه نتيجة للهجوم المباشر، بل يشمل جميع الآثار غير المباشرة أو “الارتدادية” المتوقعة بشكل معقول من آثار الهجوم على هذه البنية التحتية، والتي تصل إلى حد إحداث “خسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الإصابة بهم، أو الإضرار بالأعيان المدنية، أو … [إحداث خلط] … من هذه الخسائر والأضرار”. وعلى سبيل المثال:
- قد يؤدي الضرر الذي يلحق بمحطات توليد الكهرباء أو خطوط الإمداد إلى تعطيل خدمات توزيع المياه، والرعاية الصحية، وإمدادات الطاقة، والصرف الصحي، مما يُحتمل أن يترتب عليه ضرر كبير يطال عدداً كبيراً من السكان المدنيين خارج منطقة تأثير السلاح، ولمدة تتجاوز بكثير الفترة التي تلي الهجوم مباشرة. ويُعدّ هذا الضرر ذا صلة بمبدأي التناسب والاحتياطات في الهجوم، بقدر ما يرتبط ارتباطاً سببياً بالهجوم، ويمكن توقعه بشكل معقول وقت الهجوم، مع العلم أن تحديد ما ينبغي اعتباره متوقعاً بشكل معقول من الناحية العملية هو مسألة معقدة.
- يشكّل أيضاً الضرر البيئي الناتج عن إطلاق مواد مؤذية بسبب تضرّر أجزاء من البنية التحتية للطاقة ضرراً يلحق بالمدنيين ذا صلة بمبدأ التناسب. ولنأخذ على سبيل المثال الحالة التي تتوقّف فيها محطة تنقية المياه عن العمل بسبب تضرّر خطوط الإمدادات الكهربائية التي لا غنى عنها لتشغيلها، أو الحالة التي يلحق فيها هجوم الضرر بمحطة طاقة نووية ويؤدي إلى إطلاق وانتشار مواد مشعّة فتاكة في الهواء والتربة والمجاري المائية.
- يشمل مصطلح “الإصابة” العلل والأمراض الناجمة، على سبيل المثال، عن عدم توفر إمدادات المياه أو عدم كفايتها بسبب هجوم على محطة تنقية المياه أو مضخة المياه أو شبكة الكهرباء، أو عن طريق إلحاق ضرر عرضي بها. وبينما لا يعتبر النزوح في حد ذاته ضرراً عرضياً يلحق بالمدنيين، يعدّ النزوح الناجم عن عدم توفّر الخدمات الأساسية ذا صلة بمبدأي التناسب والاحتياطات في الهجوم، بقدر ما قد يتسبّب في أمراض أو وفيات في صفوف السكان النازحين، وكذلك بشكل أعم في “الأهمية” التي ستُعطى إلى هذا الضرر الذي يلحق بجزء من البنية التحتية للطاقة عند تقييم الضرر العرضي في إطار مبدأي التناسب والاحتياطات (اللجنة الدولية، الصفحتان 18-19).
احتياطات لمنع الأضرار العرضية التي تلحق بالمدنيين الناجمة عن استهداف البنية التحتية للطاقة والحد منها
يتعيّن على أطراف النزاع بذل كل ما في وسعها للتحقّق من استيفاء جزء من البنية التحتية للطاقة كلا المعياريين اللازمين لتصنيفه كهدف عسكري، أي هدف مشروع – وهذا ليس بالأمر السهل على الإطلاق – بل وأيضاً لتقييم ما إذا كان الهجوم عليه يمتثل لمبدأ التناسب. وترى اللجنة الدولية أن ذلك يستلزم بذل قصارى الجهود للحصول على معلومات تمكّن من إجراء تقييم دقيق للآثار العرضية المتوقعة للهجوم على المدنيين والأعيان المدنية.
وعلى نحو ما سبق ذكره، يتطلّب هذا الأمر تقييماً استخباراتياً شاملاً ومتعدد التخصصات، يشمل احتمالية وقوع آثار ارتدادية على السكان المدنيين نتيجة تعطيل الخدمات الأساسية وحجم هذه الآثار. وينبغي أن يسترشد القائد بخصوص ما هو متوقع بصورة معقولة في كل حالة بالتجارب السابقة والدروس المستخلصة من قواته المسلحة. وينبغي كذلك أن يعتمد على الخبرة المتنامية باستمرار والمكتسبة من النزاعات الأخرى التي استهدفت البنية التحتية للطاقة. ويمكن أن يشمل ذلك، على سبيل المثال، البيانات والأدلة المستمدة من الدراسات المتاحة للجمهور ومصادر أخرى، ومن المهندسين في المناطق الحضرية، والمتخصّصين في الصحة العامة، والمنظمات الإنسانية، ووكالات التنمية، والسلطات المحلية، التي تقيّم و/أو تستجيب لآثار النزاع. ويمكن أيضاً للمعلومات المستمدة باستخدام التقنيات المحسّنة للتعرف عن بُعد (مثل تقنيات الاستشعار عن بُعد وصور الأقمار الصناعية)، والواردة من السلطات المحلية متى أمكن ذلك، أن تضمن تقييمات أكثر دقة للأضرار العرضية.
ويتّسع نطاق الاحتياطات التي يمكن اعتبارها ممكنة بقدر ما تتحسن المعلومات والخبرات والأدوات المتاحة للقادة لتوقع الآثار الارتدادية للهجوم.
وإضافة إلى ذلك، يتعيّن على من يخططون ويتخذون قرارات بشأن الهجمات على أجزاء من البنية التحتية للطاقة بذل كل ما في وسعهم لتجنب جميع الأضرار العرضية التي تلحق بالمدنيين أو على الأقل تقليلها إلى أدنى حد، وذلك في حدود ما يمكن توقّعه في ظل الظروف السائدة استناداً إلى المعلومات المتاحة لهم بصورة معقولة من جميع المصادر.
ويتعلق ذلك في المقام الأول باختيار أجزاء البنية التحتية المستهدفة. فعلى سبيل المثال، إذا كان القصد من الهجوم هو حرمان الخصم من إمدادات الكهرباء، فقد يكون الهجوم على محطة توليد الطاقة أو شبكة التوزيع (مثل المحولات أو خطوط الكهرباء) فعالاً بنفس القدر في تحقيق الهدف المرجو (انظروا، على سبيل المثال، Henderson، الصفحة 189). غير أن استهداف شبكة التوزيع (أو أجزاء منها) قد يخفّف إلى حد ما من الأثر على المدنيين.
وعلاوة على ذلك، يتعيّن اتّخاذ جميع الاحتياطات الممكنة فيما يتعلق باختيار الأسلحة والتكتيكات. وقد يشمل ذلك تعطيل إمدادات الكهرباء لدى الخصم باستخدام وسائل وأساليب تعطّل مؤقتاً مرافق توليد الطاقة أو توزيعها بدلاً من تدميرها بالكامل. وعلى سبيل المثال، في نزاعات سابقة، قصفت صواريخ كروز من طراز “بلو-114 البنية التحتية للطاقة بألياف كربونية دقيقة لإحداث دوائر قصر كهربائية في المحولات وغيرها من معدات الجهد العالي عند ملامستها (مثال، Schmitt). ويكمن الهدف من هذه الوسائل في التقليل إلى أدنى حد من الأضرار العرضية من خلال ضمان وقت تعاف أقصر مقارنة بحالة تدمير أجزاء أخرى من البنية التحتية للطاقة، مثل تلك المرتبطة بتوليد الطاقة (مثل محطات توليد الكهرباء). ومع ذلك، من غير المرجح أن تقضي هذه الاحتياطات تماماً على خطر وقوع أضرار عرضية على المدنيين. وعلى سبيل المثال، أفادت التقارير بأن حدوث دوائر قصر كهربائية فورية في المواد أشعل في بعض الحالات خطوط الكهرباء والهياكل المتضررة، مما أسفر عن أضرار طويلة الأمد، ودائمة في كثير من الأحيان (على سبيل المثال، Jachec-Neale، الصفحة 134).
وبناء على ذلك، يجب التأكيد على أن الهجمات على البنية التحتية للطاقة ستكون غير مشروعة إذا كان الضرر العرضي المتوقع الذي يلحق بالمدنيين مفرطاً مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة، وذلك على الرغم من اتّخاذ جميع الاحتياطات الممكنة للتقليل إلى أدنى حد من هذا الضرر.
احتياطات أخرى ضرورية لحماية البنية التحتية للطاقة من مخاطر العمليات العسكرية
إلى جانب الالتزامات الواقعة على عاتق من يسعون إلى استهداف أجزاء من البنية التحتية للطاقة، يتعيّن على أطراف النزاع المسلح اتّخاذ جميع التدابير الممكنة لحماية المدنيين والأعيان المدنية (بما فيها البنية التحتية للطاقة) الخاضعة لسيطرتها من الآثار المباشرة والارتدادية لهجمات الخصم. وقد تشمل هذه التدابير ما يلي:
- منع تحوّل أجزاء من البنية التحتية للطاقة التي تمكّن من تقديم الخدمات الأساسية للمدنيين إلى هدف عسكري، وذلك بتجنب استخدامها لأغراض عسكرية.
- الفصل الواضح بين أجزاء نظام الكهرباء المستخدمة للأغراض العسكرية والأجزاء المخصّصة للاستخدام المدني (مثلاً، عن طريق وضع علامات عليها أو غيرها من الوسائل). وحيث يتعذر ذلك، بذل قصارى الجهود للحد من مخاطر تعطيل الخدمات المدنية الأساسية التي توفرها البنية التحتية، وما يترتّب على ذلك من آثار على المدنيين، وذلك مثلاً بضمان توفير مصادر بديلة للإمداد بالطاقة، كالمولدات الكهربائية والوقود الكافي لتمكين المستشفيات، وشبكات المياه والصرف الصحي، وخدمات إنتاج الأغذية وتوزيعها، من مواصلة العمل حتى في حال انخفاض إمدادات الكهرباء أو انقطاعها.
- إبعاد المدنيين والأعيان المدنية عن المناطق المجاورة لأجزاء البنية التحتية للطاقة التي أصبحت أهدافاً عسكرية.
- تجنب وضع الأهداف العسكرية (القوات، والأسلحة، وغيرها) عند هذه البنية التحتية أو بالقرب منها.
- اتخاذ التدابير المناسبة لتعزيز قدرة أنظمة الطاقة على الصمود في وجه آثار الهجمات، بما في ذلك بناء أنظمة احتياطية داخل الأنظمة، وفي أجزاء البنية التحتية للطاقة نفسها، من أجل ضمان استمرار تشغيلها بكامل طاقتها للحفاظ على مستوى كاف على الأقل من جودة تقديم الخدمات إلى المدنيين.
- ضمان تمكّن مقدمي الخدمات و/أو الجهات الفاعلة الإنسانية من الوصول الآمن والمستدام من أجل صيانة البنية التحتية الحيوية وإصلاحها عند الضرورة، وكذلك الخدمات التي تتيحها، والحد من تدهور مستوى الخدمات بشكل أكبر.
- توجيه إنذارات إلى المدنيين للاستعداد لنقص الخدمات الأساسية أو انقطاعها، سواء من خلال مغادرة المنطقة أو البحث عن سبل عيش بديلة.
- التوصل إلى اتفاق بين أطراف النزاع لإنشاء مناطق محمية لتعزيز حماية أجزاء البنية التحتية للطاقة الأكثر عرضة للخطر. ويمكن أن تستند أولويات تحديد المناطق المعيّنة إلى شدة العواقب في حال تضرّر البنية التحتية أو تدميرها، وحجم السكان الذين يُحتمل أن يتضرروا، ومدى توفر آليات التكيف وفعاليتها للتخفيف من حدّة الأضرار. ولضمان فعالية هذه المناطق، ينبغي أن تعترف بها جميع الأطراف المعنيّة (لا سيما من خلال اتفاق كتابي)، ونزع السلاح منها بالكامل، ووضع علامات واضحة ومرئية على المنطقة من قبل الطرف المسيطر عليها، وجعلها آمنة من التلوث بالأسلحة لتمكين الوصول الآمن إليها من أجل خدمات الصيانة، وإصدار توجيهات واضحة للأفراد العسكريين بضرورة احترام هذه المناطق (أي عدم استخدامها لأغراض عسكرية وعدم مهاجمتها)، وإنشاء آلية إشراف إن أمكن، على النحو المنصوص عليه مثلاً في مشاريع الاتفاقات الواردة في الملحق الأول من اتفاقية جنيف الأولى واتفاقية جنيف الرابعة، وبالطبع، الالتزام بالحد الأدنى من احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
خاتمة
يجب الحفاظ بأقصى قدر ممكن على البنية التحتية للطاقة التي لا غنى عنها لتوفير الكهرباء، والتدفئة، والمياه والصرف الصحي، والرعاية الصحية، وإنتاج الأغذية وتوزيعها، للمدنيين أثناء النزاعات المسلحة. ويجب، من حيث المبدأ، عدم مهاجمة هذه البنية التحتية أو إساءة استخدامها من قبل الأطراف، ويجب حمايتها من الآثار العرضية للأعمال العدائية. ويجب توخي الحذر الشديد عند تحديد أجزاء معيّنة من البنية التحتية التي تشكل جزءاً من أنظمة الطاقة كأهداف أثناء العمليات العسكرية، إذ من غير المرجح استيفاء متطلبات القانون الدولي الإنساني الضرورية بالقدر الذي قد يتصوره المرء.
ويجب على الطرف المهاجم أن يبذل كل ما في وسعه لتوقع الآثار المباشرة وغير المباشرة/الارتدادية التي سيخلفها الهجوم على أجزاء محدّدة من البنية التحتية للطاقة على المدنيين، لا سيما نتيجة تعطيل خدمة أو أكثر من الخدمات الأساسية، وضمان ألّا تكون هذه الآثار مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة. ونظراً إلى الأثر الشديد والطويل الأمد في الغالب، الناجم عن تعطيل الخدمات الأساسية نتيجة الهجمات على أجزاء من البنية التحتية للطاقة، من المرجح أن يكون ضمان تناسب هذه الهجمات أمراً صعباً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الامتثال للحماية الأكثر صرامة الممنوحة للأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، إضافة إلى الأشغال الهندسية والمنشآت المحتوية على قوى خطرة.
وفي حال تعذّر إبعاد النزاع تماماً عن البنية التحتية للطاقة، فإن اتّخاذ احتياطات فعالة مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن تدابير أخرى لتخفيف حدّة المخاطر، أمر ضروري لضمان حصول المدنيين على مستوى من الخدمات الأساسية اللازمة للحفاظ على حياتهم وأمنهم وسلامتهم البدنية والمعنوية وصون كرامتهم حتى في خضم القتال.
انظروا أيضاً
- Abby Zeith & Eirini Giorgou, Dangerous forces: the protection of nuclear power plants in armed conflict, October 18, 2022
- Eirini Giorgou, Explosive weapons with wide area effects: a deadly choice in populated areas, January 25, 2022
- Laurent Gisel, Pilar Gimeno Sarciada, Ken Hume & Abby Zeith, Urban warfare: an age-old problem in need of new solutions, April 27, 2021



تعليقات