اتخذت الأحداث في مطلع عام 2022 منعطفًا يُنذر بالخطر، إذ تسبب النزاع المسلح الدولي الذي نشب في أوكرانيا في ظهور عنف منظم من النوع والحجم الذي كانت الدول قد تعهدت بإقصائه منذ أمدٍ بعيد.

وتقف اللجنة الدولية للصليب الأحمر مع المطالبين بأن تتوجه الجهود الدولية من أجل استعادة السلام ومنع التصاعد في النزاع المسلح، لكنها وفي الوقت نفسه تحث الدول على تحقيق هدف عاجل ونبيل أيضا وهو تلبية الاحتياجات غير المسبوقة الناجمة عن الأزمات الإنسانية المختلفة والمتواصلة في أماكن مختلفة في العالم، أيًا كان سببها.

وحسب اللجنة الدولية فإن هناك ما يدعو إلى القلق بشأن تجدد النزاعات المسلحة بين الدول بعد أن كان النزاع المسلح غير الدولي هو السائد غالبًا لعقود. إذ نشأ النزاع في أوكرانيا في أعقاب تصاعد كبير لنزاع آخر بين الدول داخل القارة الأوروبية بين أرمينيا وأذربيجان. ويشير المحللون العاكفون على دراسة تأثيرات التنافس العالمي بين مجموعة من الدول القوية إلى احتمال وقوع المزيد من النزاعات الدولية في المستقبل القريب.

وحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بصفتها الوصي على القانون الدولي الإنساني، فهناك فئتان  من النزاعات المسلحة: النزاعات المسلحة الدولية (International armed conflicts) التي تحدث بين دولتين أو أكثر؛ و(ب) النزاعات المسلحة غير الدولية (non-international armed conflict) التي تحدث بين دولة ما ضد الجماعات المسلحة غير الحكومية أو بين الجماعات المسلحة فقط. وشهدت السنوات الماضية، تزايدًا مطردًا في النزاعات المسلحة 

وبصرف النظر عما إذا كانت هذه المستجدات تعدّ إيذانًا بنشوب مزيد من الحروب فيما بين الدول، فإن العالم لا يزال يئن تحت وطأة التحديات الإنسانية للنزاعات المسلحة التي نشبت على مدار العقدين الماضيين. فلا يوجد ما يشير إلى قرب انتهاء النزاع المسلح غير الدولي الدائر منذ أمد طويل في سورية واليمن ومنطقة الساحل الأفريقي. وفي هذا النزاعات يعاني المدنيون – بينهم الكثير من الأطفال – من مشقة تفوق الخيال.

كما أن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان لم يعني نهاية النزاع في هذا البلد، إذ إن الأزمة الإنسانية في أفغانستان صارت هي الآن الأزمة الأضخم على المستوى العالم.

ومؤخرًا أدى التدخل العسكري في ميانمار إلى تأجيج النزاع المسلح في مكان ظل في قبضة العنف لعقود، كما نشب في إثيوبيا نزاع مسلح غير دولي جديد لا أمل في انتهائه في المستقبل القريب.

اثنتا عشرة مسألة أساسية في 2022

في وثيقة تحليلية موجزة نُشرت مؤخرًا، حللت اللجنة الدولية 12 مسألة ناشئة تتعلق بالقانون الدولي الإنساني المُطبق في النزاعات المسلحة وتفرض هذه المسائل تحديات جمة لضمان احترام قانون النزاعات المسلحة. فمثلا، في السنوات الأخيرة صارت رحى القتال تدور بشكل متزايد في وسط المدن، ما يعرِّض المدنيين والبنية التحتية التي يعتمدون عليها للخطر. كما تظل العائلات المشتتة دون تواصل لفترات طويلة. وتثير العمليات السيبرانية والأسلحة ذاتية التشغيل واستخدام الفضاء الخارجي تساؤلات تتعلق بتطبيق القانون الدولي الإنساني وتفسيره.

تشمل قائمة المسائل الـ12 التي حللتها اللجنة الدولية: الحرب في المدن واستخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان والمعاناة الإنسانية المرتبطة بالأشخاص المفقودين وعائلاتهم، وتحدي احترام القانون الدولي الإنساني من قبل الجماعات المسلحة من غير الدول، وتحدي حماية الأطفال المنتسبين أو المرتبطين بالجماعات المسلحة من غير الدول، والتكنولوجيات الجديدة المستخدمة في الحرب، والأسلحة النووية، والبيئة والمخاطر المناخية والنزاع المسلح، والنوع الاجتماعي والقانون الدولي الإنساني، والإعاقة والقانون الدولي الإنساني، والشركات العسكرية والأمنية الخاصة، وأخيرا الحفاظ على الحيز الإنساني كضمان وصول المساعدات الإنسانية.

انقر هنا لقراءة وثيقة «اثنتا عشرة مسألة في عام 2022: ماذا بوسع الدول أن تفعل من أجل تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني.» 

 

الحرب في المدن

الحرب في المدن ليست ظاهرة جديدة، فقد شكَّلت المدن ساحةً لارتكاب العنف منذ أن بدأ البشر في تشييدها. ومشاهد الدمار الواردة في السنوات الأخيرة من حلب والموصل وصنعاء ومرورًا بمراوي ومقديشو وانتهاءً بدونيتسك وخاركيف وماريوبول، لا تدع مجالًا للشك بأن البلدات والمدن ستظل ساحات رئيسية للمعارك في النزاعات المسلحة بالمستقبل.

وبإمكاننا أن نتوقع استمرار الأطراف المتحاربة في استخدام الطرق التقليدية مثل الحصار والتطويق والأنفاق والأشراك الخداعية والمدفعية ومدافع الهاون والقناصين مع الدفع بالإمكانات الحديثة، مثل التكنولوجيات الجديدة المستخدمة في الحرب وفي التوجيه الدقيق. وفي ظل هذه الأوضاع المتطورة، يجب أن نفكر بشكلٍ عاجل وبجدية في الطرق التي يجري بها القتال داخل المناطق الحضرية في النزاعات المعاصرة ومدى الضرر والدمار الذي يلحق بالمدن وسكانها.

وللحرب داخل المدن تبعات إنسانية معقدة ومباشرة وغير مباشرة وفورية وبعيدة المدى، كما أنها ظاهرة للعيان وخفية. يسبب القتال في المناطق الحضرية غالبًا دمارًا هائلًا للبنية التحتية بالغة الأهمية ويضر بها ويعطل تقديم الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والمياه والصرف الصحي. وينطبق ذلك بصفة خاصة على حالات استخدام الأسلحة المتفجرة الثقيلة في المدن (انظر القسم التالي).

وفي بعض الحالات، تُمنع الخدمات عمدًا عن مناطق معيَّنة بهدف ممارسة الضغط على المدنيين القاطنيين بها. مع العلم أن الخدمات الأساسية مترابطة، ما يعني أن انقطاع إحداها يمكن أن يسفر عن انهيار خدمات متعددة.

لذا تسعى اللجنة الدولية لمنع انهيار البنية التحتية بالغة الأهمية ووقوع أزمة للملايين من الناس. وتشمل جهودها إصلاح البنية التحتية وإعادة تأهيلها، وتوفير قطع الغيار، وتقديم التدريب وبناء قدرات مقدمي الخدمات المحليين، ووضع خطط التأهب لحالات الطوارئ. مع ذلك، فإن الحيلولة دون وقوع الضرر من الأساس يأتي في المقام الأول. هذا ويقدم القانون الدولي الإنساني ضمانات بالغة الأهمية تهدف إلى استمرار حصول المدنيين على الخدمات الأساسية في أثناء النزاعات المسلحة.

وفي ما يتعلق بالحصار والتطويق، يوفر القانون الدولي الإنساني الحماية الجوهرية للمدنيين عبر فرض قيود شديدة على الأمور المسموح بها لأطراف النزاع. وبإيجاز، يجب ألا يُحتجز المدنيون داخل أي حصار، وعلى أطراف النزاع السماح للمدنيين بمغادرة المنطقة المحاصرة. وفي حين أن عمليات الإجلاء المؤقتة قد تكون ضرورية، بل وحتى مطلوبة قانونًا، فإنه يجب ألا تُستخدم عمليات الحصار لحمل المدنيين على مغادرة مناطقهم بصفة دائمة.

استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان

من الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى إلحاق الضرر بالمدنيين في النزاعات المسلحة المعاصرة استخدام الأسلحة المتفجرة التي تمتد آثارها إلى مناطق واسعة النطاق في المدن وغيرها من المناطق المأهولة بالسكان.

وتشمل هذه الأسلحة القنابل الكبيرة والصواريخ والمدفعية وقذائف الهاون ومنصات إطلاق الصواريخ متعددة الأسطوانات والعبوات الناسفة يدوية الصنع.

ونظرًا لامتداد آثار هذه الأسلحة إلى مناطق واسعة النطاق، فإن استخدامها في المناطق المأهولة بالسكان (حيث غالبًا ما تقع الأهداف العسكرية والمدنيين والأعيان المدنية على مقربة وثيقة من بعضها) يُلحق أضرارًا كبيرة وعشوائية بالمدنيين حتى عند استخدامها ضد أهداف عسكرية. تشمل الآثار المباشرة وغير المباشرة (الارتدادية) لاستخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان الوفاة والإصابة والضرر النفسي وإلحاق الضرر بالبنية التحتية بالغة الأهمية، وما يترتب عليه من تعطل الخدمات الأساسية (مثل خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي والرعاية الصحية)، فضلًا عن التلوث بالذخائر غير المنفجرة. وهذه الآثار سبب أساسي للنزوح وعائق كبير للتنمية.

بينما لا يحظر القانون الدولي الإنساني استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان، إلا أنه يجب الامتثال للحظر المفروض على الهجمات العشوائية والهجمات غير المتناسبة والالتزام باتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة في الهجوم، من بين أمورٍ أخرى. مع ذلك، فإن الآثار واسعة النطاق التي تخلِّفها هذه الأسلحة تجعل من الصعوبة بمكان استخدامها بما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني في البيئات التي يختلط فيها المدنيون والأعيان المدنية والأهداف العسكرية.

الأشخاص المفقودون وعائلاتهم

يُفقد مئات الآلاف من الناس أو يتفرقوا عن عائلاتهم كل عام في جميع أنحاء العالم، والسبب غالبًا هو النزاعات المسلحة. ولا يعود الكثير من هؤلاء أبدًا، وتعيش عائلاتهم في كرب وانعدام يقين بسبب عدم معرفة مصيرهم وأماكن وجودهم، فضلًا عن معاناتها مع التبعات العديدة لفقدهم. وهذه مأساة إنسانية عالمية واسعة النطاق.

وبالتعاون مع شبكة الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، تُكمل الوكالة المركزية للبحث عن المفقودين التابعة للّجنة الدولية مسيرتها الممتدة على مدار 150 عامًا وجهودها المعنية بالحفاظ على تماسك العائلات ولمّ شملها ومساعدتها على البقاء على اتصال والحيلولة دون دخول الأشخاص في عداد المفقودين والبحث عن المفقوديـن وصون كرامة الموتى وضمان معالجة المسائل المتعلقة بحقوق واحتياجات عائلاتهم. كما تعمل اللجنة الدولية على تعزيز الامتثال للالتزامات الدولية وتدعم الدول في ضمان تنفيذ تلك الالتزامات على الصعيد الوطني.

وبموجب القانون الدولي الإنساني، فإن أطراف النزاعات المسلحة مطالبون باتخاذ تدابير من شأنها الحيلولة دون دخول الأشخاص في عداد المفقودين والكشف عن مصير المفقودين، ومن الالتزامات الأخرى ذات الصلة تحديد هوية جثث الموتي وإدارتها بشكل سليم واحترام الحياة العائلية.

ورغم وجود هذه القواعد، لا تزال هناك حاجة إلى المزيد من الجهود المتواصلة لضمان وضع قوانين وسياسات وأطر مؤسسية وطنية مناسبة وتنفيذها من أجل التعامل بفاعلية مع مسائل الأشخاص المنفصلين عن ذويهم والمفقودين وجثث الموتى.

من بين هذه التدابير: جمع ونقل المعلومات بشأن الأشخاص المعرَّضين لأن يكونوا في عداد المفقودين، على سبيل المثال عبر إنشاء مكاتب وطنية للاستعلامات، على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف لعام 1949 للكشف عن الأشخاص المحميين الذين يقعون تحت سلطة طرف معاد وفي إطار استراتيجية تأهب أوسع نطاقًا؛ إرساء آليات للكشف عن مصير المفقودين واستجلاء أماكن وجودهم؛ وتعزيز الأطر والأنظمة الوطنية المتعلقة بعملية إدارة الجثث وحماية البيانات. وقد شدد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قراره رقم 2474 لعام 2019 على ضرورة اتخاذ الدول وأطراف النزاع المسلح لمثل هذه الإجراءات.

علاوة على ذلك، فقد سلط اختراق البيانات الشخصية الموجودة في عُهدة اللجنة الدولية والجمعيات الوطنية مؤخرًا الضوء على المخاطر التي تشكِّلها العمليات السيبرانية على المنظمات الإنسانية. إذ تتسبب هذه العمليات في مخاطر كبيرة تمس كرامة وسلامة الأشخاص المتضررين من النزاعات المسلحة والكوارث وحالات الطوارئ الأخرى، ما يؤكد على أهمية مواصلة الاستثمار في الأمن السيبراني والحفاظ على معايير عالية لحماية البيانات.

تحدي الجماعات المسلحة من غير الدول

قدَّرت اللجنة الدولية في العام 2021، الجماعات المسلحة النشطة في سياقات يعاني فيها السكان المدنيون بما يقرب من 600 جماعة مسلحة، وهي على اتصال بنحو 450 جماعة من هذه الجماعات. وصنفت اللجنة الدولية ما يقرب من 100 جماعة منها بأنها جماعات مسلحة من غير الدول تُعدّ أطرافًا في نزاعات مسلحة ومن ثَم مُلزمة بقواعد القانون الدولي الإنساني.

لأكثر من قرن من الزمان، سعت اللجنة الدولية لإقامة حوار مع الجماعات المسلحة من غير الدول بهدف تخفيف معاناة الأشخاص المتضررين من النزاع المسلح، ومن هؤلاء المدنيون أو أفراد القوات المسلحة المحتجزون. إذ نسعى بشكل عملي للغاية للوصول إلى الناس في الأراضي التي تعمل فيها هذه الجماعات من أجل تقديم خدمات الحماية والمساعدة لهم، كما نعمل على تعزيز القانون الدولي الإنساني وغيره من الأعراف ذات الصلة بهدف منع معاناة ضحايا النزاع المسلح أو تخفيفها.

في أثناء جائحة كوفيد-19، على سبيل المثال، أوصلنا في عدة مناسبات رسائل واضحة بأن فرض تدابير للحماية من فيروس كوفيد-19 يجب ألا ينتهك الضمانات الأساسية المنصوص عليها بموجب القانون الدولي الإنساني. كما من المقرر أن تصدر اللجنة الدولية عام 2022 تقريرين مهمين وتضعهما موضع التنفيذ، فأما التقرير الأول فيدور حول حماية المحتجزين لدى الجماعات المسلحة من غير الدول، وأما الآخر فيدور حول التدابير التي بمقدور الجماعات المسلحة من غير الدول اتخاذها للتخفيف من الضرر الذي يصيب المدنيين في الحرب داخل المدن.

معضلة حماية: الأطفال المنتسبون للجماعات المسلحة وخطاب مكافحة الإرهاب

دأبت اللجنة الدولية على الإعراب عن مخاوفها بشأن خطاب “الإرهاب” الذي تبنته بعض الدول والإجراءات القانونية المصاحبة له. وقد شهدنا تجريدًا للخصوم من إنسانيتهم إلى جانب اعتماد إجراءات ترى في الجماعات الموصومة بالـ “إرهابية” بأنها ليست جديرة بالحماية التي يكفلها القانون الدولي.

بعبارة أخرى، ثمة أشخاص وجماعات معيَّنة معزولون باعتبارهم “استثناءات” لا ينطبق عليهم الإطار القانوني الدولي.من بين أحد الأمثلة الحالكة بشكل خاص النهج التمييزي المتبع في معاملة الأطفال المرتبطين، أو يُزعم أنهم مرتبطين، بأفراد من جماعات مصنفة على أنها إرهابية أو الأطفال من أبناء هؤلاء الأفراد.

وينص القانون الدولي على أنماط حماية واضح للأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة. تُلزم اتفاقية حقوق الطفل الدول الأطراف فيها باتخاذ كل التدابير المناسبة لتشجيع التأهيل البدني والنفسي وإعادة الإدماج الاجتماعي للطفل الذي يقع ضحية النزاعات المسلحة (المادة 39). ويُلزم البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل الدول الأطراف بأن تمنح الأطفال المساعدة من أجل تعافيهم بدنيًا ونفسيًا وإعادة إدماجهم اجتماعيًا (المادة 6.3). كما نص القرار رقم 2427 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2018 ومبادئ باريس والمبادئ التوجيهية بشأن الأطفال المرتبطين بالقوات المسلحة أو الجماعات المسلحة على المزيد من المعايير.

غير أن الأطفال المرتبطين بوسم “الإرهاب” يُستبعدون على الفور من الحماية التي تكفلها هذه القوانين والمعايير. ولا يتجلى هذا المعيار المزدوج بمثل هذا الوضوح مثلما يتجلى في الأزمات الإنسانية التي تشكِّل حياة الأطفال في المخيمات وأماكن الاحتجاز الموجودة بشمال شرق سورية. إذ يُنظر إليهم باعتبار أنهم أطفال لآباء “إرهابيين” أو هم أنفسهم “إرهابيين” ومن ثَم يُتركون حيث هم دون أي دعم يعينهم على التعافي أو إعادة الإدماج.

ومنذ عام 2018، تدق اللجنة الدولية ناقوس الخطر وتحذر الدول بشأن الوضع الإنساني المتردي في شمال شرق سورية، لا سيما في أماكن الاحتجاز والمخيمات. ولا تزال ضآلة فرص الحصول على الخدمات الصحية والافتقار إلى الغذاء المناسب والبنية التحتية الرديئة – والكثير من المسائل الأخرى – تؤثر على أفراد من شتى الجنسيات، من بينهم الكثير من المواطنين السوريين والعراقيين الذين يشكِّلون السواد الأعظم من سكان المخيمات والسجون في المنطقة، بالإضافة إلى الأشخاص المتصور أنهم مقاتلين أجانب وعائلاتهم.

وتخلِّف الاحتياجات الإنسانية عند اقترانها بتدهور الوضع الأمني آثارًا بالغة على حياة آلاف الأطفال المقيمين في المخيمات وأماكن الاحتجاز ونمائهم. ففي مخيم الهول الذي يأوي نحو 60 ألف شخص، يشكِّل الأطفال 70 في المائة منهم وجميعهم تقريبًا تحت سن 12 عامًا. وتدعو اللجنة الدولية إلى ما ترى أنه الحل الوحيد طويل الأمد لهذه المشكلة التي يعاني منها الرعايا من بلد ثالث: ندعو الدول إلى الإسراع بإعادة مواطنيها إلى أوطانهم – الأطفال وآبائهم – شريطة عدم انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية.

التكنولوجيات الجديدة المستخدمة في الحرب

العمليات السيبرانية في أثناء النزاعات المسلحة

أصبحت العمليات السيبرانية جزءًا من النزاعات المسلحة، ويدرك المجتمع الدولي أن “استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في النزاعات المستقبلية بين الدول يزداد احتمالًا” (تقرير الفريق العامل المفتوح العضوية، الفقرة 16). وتشعر اللجنة الدولية بالقلق إزاء الكلفة البشرية المحتملة للعمليات السيبرانية وقد وثقت المجالات المثيرة للقلق على وجه الخصوص في تقرير تفصيلي عن هذا الموضوع.

شهدت السنوات الأخيرة عدة عمليات سيبرانية ضد البنية التحتية المدنية بالغة الأهمية، مثل المحطات النووية وشبكات الكهرباء وأنظمة المياه، ما يمكن أن يسفر عن حدوث تبعات وخيمة على الناس. لكن من مظاهر التقدم المهمة أن جميع الدول أقرَّت في تقرير الفريق العامل المفتوح العضوية الصادر في آذار/مارس 2021 بأن “الأنشطة الضارة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات على البنية التحتية بالغة الأهمية… التي تدعم الخدمات الأساسية المقدمة للعامة تنطوي على خطر … احتمال حدوث تبعات إنسانية وخيمة” (الفقرة 18).

تحث اللجنة الدولية الدول على العمل تجاه زيادة الوضوح بشأن القيود التي تفرضها قواعد القانون الدولي الإنساني الحالية على العمليات السيبرانية. وبالنسبة إلى اللجنة الدولية، لا جدال في أن القانون الدولي الإنساني يفرض قيودًا على العمليات السيبرانية في أثناء النزاعات المسلحة – تمامًا مثل أي سلاح أو وسائل وأساليب قتال يستخدمها أحد الأطراف المتحاربة في نزاع، سواءً أكانت جديدة أم قديمة. ويحظى هذا الرأي بتأييد واسع بين الدول.

       منظومات الأسلحة ذاتية التشغيل

تختار منظومات الأسلحة ذاتية التشغيل الأهداف وتستخدم القوة ضدها دون تدخل بشري، أي أن بعد التفعيل الأولي لمنظومة الأسلحة ذاتية التشغيل على يد شخص ما تبدأ المنظومة ذاتياً في توجيه الضربات استجابةً للمعلومات الواردة من البيئة المحيطة عبر أجهزة الاستشعار واستنادًا إلى “تصنيف عام للهدف”. ويعني هذا أن المستخدم لا يختار الهدف المحدد والتوقيت أو الموقع الدقيقين لاستخدام القوة الناجم عن التشغيل الذاتي لهذه الأسلحة.

يولد فقدان السيطرة والحكم البشريين في استخدام القوة خطر إلحاق الأذى بالأشخاص المتضررين من النزاعات المسلحة، من المدنيين والمقاتلين على السواء، وكذلك تحديات تتعلق بالامتثال للقانون الدولي، ومنه القانون الدولي الإنساني، وشواغل أخلاقية رئيسية بالنسبة إلى الإنسانية. إذ يُستعاض فعليًا عن القرارات البشرية بشأن الحياة والموت بعمليات تقوم على أجهزة الاستشعار والبرمجيات والآلات.

تحث اللجنة الدولية، منذ عام 2015، الدول على وضع قيود متّفق عليها دولياً على منظومات الأسلحة ذاتية التشغيل من أجل ضمان حماية المدنيين والامتثال للقانون الدولي الإنساني والمقبولية الأخلاقية. في أيار/مايو 2021، أوصت اللجنة الدولية بأن تعتمد جميع الدول قواعد جديدة ملزمة قانونًا من أجل:

• حظر “منظومات الأسلحة ذاتية التشغيل التي لا يمكن التنبؤ بها” المصممة أو المستخدمة بطريقة لا يمكن بها فهم آثار هذه المنظومات والتنبؤ بها وتفسيرها بالقدر الكافي.
• حظر “منظومات الأسلحة ذاتية التشغيل المضادة للأفراد” المصممة أو المستخدمة من أجل استعمال القوة ضد الأفراد.
• تنظيم عمليتي تصميم واستخدام جميع منظومات الأسلحة ذاتية التشغيل الأخرى عبر مجموعة من القيود على أنواع الأهداف والمدة والنطاق الجغرافي ونطاق الاستخدام وحالات الاستخدام ومتطلبات الإشراف البشري الفعال والتدخل وإلغاء التفعيل في الوقت المناسب.

      الفضاء الخارجي

نظرًا لتغلغل التكنولوجيا المدعومة بالمنظومات الفضائية داخل أغلب نواحي الحياة المدنية، فإن العمليات العسكرية التي من شأنها تدمير الأعيان المدنية أو الأنظمة الفضائية ذات الاستخدام المزدوج أو إلحاق الضرر بها أو توقفها عن العمل أو تعطيلها – سواء من خلال وسائل حركية أو غير حركية، وباستخدام منظومات أسلحة موجودة في الفضاء و/أو على الأرض – يمكن أن تتسبب في تبعات واسعة المدى على المدنيين على الأرض. لذا ينبغي أن تكون الاعتبارات الإنسانية والكلفة البشرية المحتملة للحرب في الفضاء هي محور المناقشات الدائرة بشأن الحد من التهديدات الفضائية.

ولا تحدث العمليات العسكرية المتعلقة بالفضاء الخارجي في فراغ قانوني، لكنها مقيدة بالقانون الدولي القائم، ولا سيما ميثاق الأمم المتحدة، ومعاهدة الفضاء الخارجي والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك حظر وتقييد استخدام أسلحة ووسائل وأساليب حرب معيَّنة.

والهدف الوحيد للقانون الدولي الإنساني هو الحفاظ على مقدار من الإنسانية في خضم نزاع مسلح، ولا سيما لحماية المدنيين. علمًا بأن الإقرار بانطباق القانون الدولي الإنساني على العمليات العسكرية المتعلقة بالفضاء الخارجي في أثناء النزاعات المسلحة لا يشجع أي تسليح للفضاء الخارجي أو يُشرّع الأعمال العدائية فيه.

وفي عام 2021، قدمت اللجنة الدولية ورقة موقف في إطار المشاورات التي أجراها الأمين العام للأمم المتحدة بشأن المسائل المحددة في قرار الجمعية العامة 75/36. وتدعو اللجنة الدولية الدول، لا سيما في العمليات متعددة الأطراف مثل الفريق العامل المفتوح العضوية، للإقرار بالكلفة البشرية المحتملة بين السكان المدنيين الموجودين على الأرض نتيجة العمليات العسكرية المتعلقة بالفضاء الخارجي في أثناء النزاعات المسلحة والإقرار بالحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني.

الأسلحة النووية

دأبت الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر منذ عام 1945، بعد أن عاينت المعاناة التي تفوق الوصف الناجمة عن إلقاء القنبلتين الذريتين في هيروشيما وناغازاكي عند محاولتها تخفيف وطأة معاناة المصابين والجرحى، على الدعوة إلى حظر الأسلحة النووية والقضاء التام عليها.

وسيؤدي أي استخدام للأسلحة النووية إلى عواقب إنسانية كارثية. فلا توجد حكومة وطنية أو منظمة دولية تملك القدرة على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية الضخمة التي قد تنشأ عن أي استخدام للأسلحة النووية في المناطق المأهولة بالسكان أو بالقرب منها. فلا بد من ضمان عدم استخدام الأسلحة النووية نهائيًا والقضاء عليها، ويمثل هذا واجبًا إنسانيًا يقع على عاتق الدول.

ومن وجهة نظر اللجنة الدولية، ليس من المنطقي إطلاقًا أن يكون استخدام الأسلحة النووية في نزاع مسلح متماشيًا مع مبادئ القانون الدولي الإنساني وقواعده. فاستخدامها ضد السكان المدنيين أو الأعيان المدنية، مثل مدن بأكملها، يعدّ انتهاكًا لمبدأ التمييز. واستخدامها ضد الأهداف العسكرية الواقعة في المناطق المأهولة بالسكان أو بالقرب منها يعدّ انتهاكًا للحظر المفروض على الهجمات العشوائية وغير المتناسبة.

شكَّل دخول معاهدة حظر الأسلحة النووية حيز النفاذ لحظة تاريخية. إذ تمثِّل المعاهدة أول صك عالمي مُلزم قانونًا يحظر الأسلحة النووية بشكل شامل، وهي تُرسل إشارة قوية مفادها أن أي استخدام للأسلحة النووية غير مقبول لا أخلاقيًا ولا إنسانيًا، وهو اليوم غير مقبول كذلك من منظور قانوني، كما أنها تمثِّل تحولًا مهمًا من منطق الردع النووي الخطير إلى التركيز على الأسلحة النووية ذاتها وتبعاتها الإنسانية الكارثية.

توفر المعاهدة سبلًا للقضاء على الأسلحة النووية، وهو هدف منصوص عليه في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وتدبير فعال في تنفيذ المادة السادسة. لا تُخل معاهدة حظر الأسلحة النووية بمعاهدة عدم الانتشار، بل إنها تستكمل وتدعم أهدافها المتعلقة بنزع السلاح النووي وعدم انتشاره.

البيئة والمخاطر المناخية والنزاع المسلح

تتسع رقعة النزاعات المسلحة اليوم في ظل أزمات بيئية ومناخية تجتاح العالم. وقد خَلُص علماء بيولوجيا الحفاظ على البيئة إلى أن أكثر من 80 في المائة من جميع النزاعات المسلحة الرئيسية بين عامي 1950 و2000 دارت مباشرةً في مناطق التنوع البيولوجي الساخنة، ووفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ارتبط ما لا يقل عن 40 في المائة من النزاعات المسلحة غير الدولية بين عامي 1950 و2009 بالموارد الطبيعية.

في الوقت ذاته، تأتي البلدان التي ترزح تحت وطأة النزاع في طليعة مَن تعصف بهم أزمة تغير المناخ، فمن بين 25 بلدًا هي الأكثر قابلية للتأثر بالتغير المناخي والأقل استعدادًا للتكيُّف، هناك 14 بلدًا غارقًا في النزاع. وتقترن حاليًا آثار الأضرار البيئية المرتبطة بالنزاعات بأزمة المناخ التي تزداد حدتها باطراد. وقد عززت اللجنة الدولية من عملها المتعلق بالمسائل القانونية والسياسات وكذلك أنشطتها الميدانية للدفع بالإجراءات قُدمًا.

في عام 2020، نشرت اللجنة الدولية تحديثًا للمبادئ التوجيهية لحماية البيئة الطبيعية في حالات النزاع المسلح التي تعرض 32 قاعدة وتوصية من القانون الدولي الإنساني، وكذلك وثيقة عندما تمطر غبارًا التي تبرز التبعات الإنسانية للقضايا المتقاربة المتمثلة في المخاطر المناخية والتدهور البيئي والنزاع المسلح واستكشاف السُبل لمواجهتها. وفي عام 2021، شاركت اللجنة الدولية مع الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في وضع ميثاق المناخ والبيئة للمُنظَّمات الإنسانية الذي يهدف إلى توجيه وتحفيز الاستجابة الإنسانية للأزمات المناخية والبيئية وتعظيم الاستدامة البيئية للعمل الإنساني إلى أقصى حد.

كما يجب على الدول وأطراف النزاعات المسلحة التحرك بشكلٍ عاجل، عبر سُبل من بينها إدماج الحماية القانونية للبيئة متزايدة الهشاشة في عقيدة القوات المسلحة بغية الحد من الضرر الناجم أثناء القتال. وتمثِّل المبادئ التوجيهية المحدَّثة عام 2020 أداة مرجعية للدول وأطراف النزاعات المسلحة والجهات الفاعلة الأخرى التي قد تُدعى لتعزيز القانون الدولي الإنساني وتطبيقه وإنفاذه، كما أنها تعدّ وثيقة “جامعة” لقواعد القانون الدولي الإنساني ذات الصلة بالبيئة الطبيعية.

النوع الاجتماعي والقانون الدولي الإنساني

تكافح النساء عامة ضد عدم المساواة بين الجنسين، ويظهر هذا الكفاح بشكل خاص في المناطق المنكوبة بالنزعات المسلحة. في هذه السياقات غالبًا ما تقل الموارد المالية المتاحة لدى النساء والفتيات وكذلك فرصهن في الحصول على الخدمات الأساسية والتمثيل في هيئات اتخاذ القرار. وعليه، لا تسير العمليات العسكرية وفق “قواعد متساوية” لهن، ومن ثَم يُعدّ المنظور المراعي للنوع الاجتماعي أداة مهمة للممارسين الساعين إلى فهم الأضرار الواقعة على المدنيين في النزاعات المسلحة والحد منها.

وفي عام 2021، عقدت اللجنة الدولية، في إطار ولايتها للعمل من أجل فهم ونشر القانون الدولي الإنساني والتطبيق الأمين له، حلقة عمل لخبراء تهدف إلى تحديد نطاق الآثار المرتبطة بالنوع الاجتماعي التي تُخلِّفها النزاعات المسلحة وتحديد تداعياتها المحتملة من أجل تطبيق التزامات معيَّنة ينص علىها القانون الدولي الإنساني وتتعلق بحماية المدنيين.

ومن المقرر أن تنشر اللجنة الدولية تقريرًا يستند إلى حلقة العمل في عام 2022 بهدف تعزيز فهم الآثار المرتبطة بالنوع الاجتماعي التي يخلِّفها تطبيق القانون الدولي الإنساني على شتى الفئات، ومنها النساء والفتيات. ويشكل ذلك جزءًا من جهود اللجنة الدولية المتواصلة لاعتماد تحليل يستند إلى النوع الاجتماعي في أعمالها القانونية، لا سيما في مشروعها الرامي إلى تحديث التعليقات على اتفاقيات جنيف.

وبينما نعمل على إدماج منظور يراعي النوع الاجتماعي بقدر أكبر من الاتساق في تفسير القانون الدولي الإنساني وتنفيذه، فمن الأهمية بمكان أن نشير إلى الحظر الراسخ للعنف الجنسي باعتباره جريمة حرب في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.

الإعاقة والقانون الدولي الإنساني

يشكِّل عمل اللجنة الدولية في ما يخص الإعاقة والقانون الدولي الإنساني أحد الركائز التي تقوم عليها رؤيتها لعام 2030 بشأن الإعاقة. إذ تطمح اللجنة الدولية في رؤيتها هذه إلى تحويل المنظمة إلى جهة عمل شاملة للأشخاص ذوي الإعاقة ومقدمة ومؤيدة للأنشطة الإنسانية الشاملة لهم.

تُقدَّر نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة بنحو 15 في المائة من أي تعداد سكاني. ومن المخاطر والعقبات التي قد يواجهها هؤلاء الأشخاص عند محاولتهم الحصول على خدمات الحماية والمساعدة استهدافهم بشكلٍ خاطئ وعقبات تعوق فرارهم من القتال أو إجلائهم من المناطق التي تشهد عمليات عسكرية، فضلًا عن تزايد مخاطر تعرُّضهم لعنف واعتداءات عند التخلف عن أفراد الأسرة أو أفراد الدعم وتعذر حصولهم على الإغاثة الإنسانية.

لذا تلتمس اللجنة الدولية من خلال عملها إبراز الأبعاد والاحتياجات الخاصة للأشخاص من ذوي الإعاقة في تفسير قواعد القانون الدولي الإنساني القائمة والمتعلقة بحماية المدنيين أو الأشخاص العاجزين عن القتال وتنفيذها على نحو يتكامل مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

الشركات العسكرية والأمنية الخاصة

ربما يشكِّل وجود الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في حالات النزاعات المسلحة مخاطر خاصة تهدد توفير الحماية الفعالة للمدنيين. وينطبق ذلك بصفة خاصة على الحالات التي تفتقر فيها الشركات العسكرية والأمنية الخاصة وموظفوها إلى التدريب الملائم أو الدوافع الكافية للامتثال للقانون الدولي الإنساني والقوانين الأخرى واجبة التطبيق، وهي لا تخضع لعمليات مساءلة فعالة بشأن انتهاك القانون الدولي الإنساني أو ارتكاب تجاوزات أخرى.

وتسعى اللجنة الدولية لضمان وفاء الدول المتعاقدة ودول الإقليم ودول المنشأ بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني في ما يتعلق بالشركات العسكرية والأمنية الخاصة. وفي ظل ظروف معيَّنة، قد تتواصل اللجنة الدولية كذلك مع الشركات العسكرية والأمنية الخاصة مباشرةً حيثما يسفر عن ذلك تحسُّنًا في الوضع الإنساني.

وإحدى الأدوات الرئيسية في عمل اللجنة الدولية المتعلق بالشركات العسكرية والأمنية الخاصة هي وثيقة مونترو بشأن الالتزامات القانونية الدولية والممارسات السليمة للدول ذات الصلة بعمليات الشركات العسكرية والأمنية الخاصة أثناء النزاع المسلح. وهي وثيقة حكومية دولية تهدف إلى تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، ولا سيما في حالة وجود الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في النزاعات المسلحة.

كما تتابع اللجنة الدولية عن كثب الفريق العامل الحكومي الدولي المفتوح العضوية الذي أنشأه مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف من أجل “صياغة مضمون إطار تنظيمي دولي – دون الحكم مسقبًا على طبيعته – لحماية حقوق الإنسان وضمان المساءلة عن الانتهاكات والتجاوزات المرتبطة بأنشطة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة”.

الحفاظ على الحيز الإنساني

وصول المساعدات الإنسانية

يتسم وصول المساعدات الإنسانية بأهمية محورية في توفير الحماية الفعالة للمدنيين. ويتطلب إيصال المساعدات الإنسانية وتقديم الأنشطة الإنسانية إجراء حوار في كل الأوقات، وليس فقط عندما يكون وصول المساعدات الإنسانية وتقديمها مهددًا أو مقيَّدًا. وهذا الحوار انعكاس للعمل وفقًا للقانون الدولي الإنساني. وعلى الرغم من أن القواعد ذات الصلة تختلف قليلًا وفقًا لطبيعة النزاع (نزاع مسلح دولي بخلاف الاحتلال، أو احتلال، أو نزاع مسلح غير دولي)، فيمكن القول ببساطة أن إطار القانون الدولي الإنساني الذي يحكم الوصول الإنساني يتشكّل من أربع طبقات مستقلة.

أولًا، على كل طرف في نزاع مسلح تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان الواقعين تحت سيطرته. ثانيًا، للمنظمات الإنسانية غير المتحيزة الحق في عرض خدماتها بغية تنفيذ أنشطة إنسانية، وبخاصة في حالة عدم الوفاء باحتياجات السكان. ثالثًا، تخضع الأنشطة الإنسانية غير المتحيزة المُنفذة في النزاعات المسلحة عمومًا لموافقة الأطراف في النزاع المعني، ولا يمكن رفض الموافقة بشكل تعسفي أو غير مشروع. رابعًا، حالما تتم الموافقة على خطط الإغاثة الإنسانية غير المتحيزة، يُتوقع من الأطراف في النزاع، فضلًا عن جميع الدول التي ليست طرفًا فيه، أن تسمح وتيّسر المرور السريع ودون عوائق للإغاثة الإنسانية. 

والسبب الرئيسي للأزمات التي لا نزال نشهدها هو عدم امتثال أطراف النزاعات المسلحة للقانون الدولي الإنساني، ويضاف إلى ذلك عجز الأطراف والمجتمع الدولي عن إيجاد حلول سياسية لهذه الأوضاع.

وبالمثل، فإن العائق الأهم أمام تنفيذ الأنشطة الإنسانية بما يتناسب مع احتياجات السكان المتضررين من النزاع المسلح هو صعوبة الوصول أو استحالته أساسًا لدواعي أمنية و/أو سياسية، وذلك غالبًا الحال على أرض الواقع. ويضاف إلى هذا التحدي التسييس المتزايد والخطير للعمل الإنساني.

مكافحة الإرهاب ونظم العقوبات

شهدت السنوات الأخيرة زيادة في التدابير التنظيمية على المستوى العالمي والإقليمي والمحلي في مجال مكافحة الإرهاب ونظم العقوبات الدولية. واللجنة الدولية لا تتساءل عن مدى شرعية هذه التدابير أو ضرورة اتخاذ الدول لها، لكنها تعاين ما كان لهذه التدابير من تبعات سلبية غير مقصودة على العمل الإنساني. كما أن أثرها على العمل الإنساني في تزايد نظرًا لانتشارها واتساع نطاقها.

وقد أثر هذا في قدرة المنظمات الإنسانية، مثل اللجنة الدولية، على الاستجابة لاحتياجات الأشخاص المتضررين من النزاعات والعنف بطريقة تستند إلى المبادئ. وترى اللجنة الدولية أنه يجب ألا تعرقل تدابير مكافحة الإرهاب ونظم العقوبات العمل الإنساني القائم على أساس المبادئ ويجب أن تمتثل لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما تلك التي تحكم الأنشطة الإنسانية.

لقد شاركت اللجنة الدولية على جميع المستويات (على سبيل المثال، في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومع الدول) بهدف زيادة الوعي بشأن الأثر الذي تخلِّفه تدابير مكافحة الإرهاب والعقوبات وتشجيع تدابير التخفيف الفعالة، خاصةً في صورة استثناءات إنسانية تستبعد الأنشطة الإنسانية التي تضطلع بها المنظمات الإنسانية غير المتحيزة من نطاق تشريعات مكافحة الإرهاب ونظم العقوبات، بالتماشي مع القانون الدولي الإنساني والمبادئ الإنسانية.

وقد لمسنا بعض الإيجابية في القرارات الأخيرة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (على سبيل المثال، القراران رقم 2610 و2615) وفي وثائق الاتحاد الأوروبي الإطارية بشأن العقوبات. إذ تضم إشارات عدة إلى نية الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي على الحفاظ على الأنشطة الإنسانية من التبعات المعاكسة وعلى احترام القانون الدولي، ومنه القانون الدولي الإنساني. غير أن ثمة أوجه حظر معيَّنة أرستها هذه النظم لا تزال تؤثر على العمل الإنساني القائم على أساس المبادئ، خاصةً في ما يتصل بحقيقة أن العقوبات غالبًا ما تستهدف الجماعات المسلحة من غير الدول، وهي كيانات على الجهات الإنسانية الفاعلة التواصل معها مباشرةً.

ولهذا تأثرت أنشطة الجهات الإنسانية الفاعلة بشكل مباشر وغير مباشر بعقوبات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، فضلًا عن العقوبات الوطنية. ومن بين هذه الآثار على سبيل المثال، صعوبة استيراد البضائع أو تصديرها ومنع التحويلات البنكية أو تأخيرها والتخلص من المخاطر المتعلقة بالمورِّدين، ما يؤدي إلى توقف أو تأخير الأنشطة الإنسانية في قطاع الصحة أو المياه والصرف الصحي، ولم تعد الاتفاقات مع المانحين متسقة مع القانون الدولي الإنساني والمبادئ الإنسانية مع احتمال عدم الامتثال لهما ومواجهة ما يترتب على ذلك من مسؤولية.

تناشد اللجنة الدولية واضعي العقوبات (لا سيما الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي) لزيادة الامتثال للقانون الدولي الإنساني والمبادئ الإنسانية عبر وضع استثناءات إنسانية دائمة مُحكمة الصياغة في نظم العقوبات. ومن الأمثلة الجيدة الفقرة 38 من ديباجة توجيه الاتحاد الأوروبي المعني بمكافحة الإرهاب، وهو صك الاتحاد الأوروبي الرئيسي المعني بمكافحة الإرهاب، والاستثناء الوارد في قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2615 بشأن نظام العقوبات المفروضة على طالبان.