حيثما كانت المدن على مر التاريخ، دارت رحى الحروب داخلها. ومع أن مصطلح «الحرب في المدن» يستدعي إلى الأذهان صورًا حديثة العهد لمبانٍ خاوية ومعاناةٍ إنسانية من الموصل بالعراق إلى ميكيلي بإثيوبيا، إلا أن تاريخه يرجع إلى آلاف السنين.

في هذا المقال، وهو جزء من سلسلة مدوناتنا حول الحرب في المدن، يأخذنا مؤرخ اللجنة الدولية للصليب الأحمر دانيل بالمييري في رحلة عبر أرشيف الحرب والمدينة.

يقال إن أول مدينة «حقيقية» في الشرق الأوسط نشأت منذ عدة آلاف من السنين. كان اسمها جاتال هويوك (Çatalhöyük)  وقد تأسست منذ نحو ثمانية أو تسعة آلاف عام في المنطقة التي تعرف الآن بتركيا.

ربما ليس من قبيل المصادفة أن تمكنَّا من العثور في نفس المنطقة على أول تسجيل عن الحرب ضد المدن. صحيح أن بعض القصص أسطورية، مثل الاستيلاء على طروادة بعد حرب دامت عشر سنوات احتفى بها هوميروس في الإلياذة.

لكن بعض الروايات التاريخية عن الحرب ضد المدن يعود تاريخها إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، فنحن نعرف بالتفصيل حصار مدينة «مجدو» واستيلاء الجيش المصري عليها بعد قتاله ضد تحالف متمرِّد كبير من الولايات الكنعانية التابعة بقيادة ملك قادش.

هدف متحرك

اتخذت العلاقة القديمة بين الحرب والمدينة صورًا عديدة يتردد صداها في المعارك داخل المدن اليوم. ففي بعض الأحيان خاضت المدن حروبًا دموية ْ بعضها ضد بعض، كما هي الحال في اليونان القديمة، ولكن غالبًا ما كانت تُشن حروب الغزو ضد المدن لا بهدف تدميرها، ولكن إخضاعها. فبمجرد إنشاء المدينة سرعان ما تصير مطمعًا للغزاة، فهي مركز للسلطة والثروة.

ولكي يقتحم الغزاة المدن كان عليهم تطوير تقنيات عسكرية جديدة، وابتكار فن وتقنية محددة لحصار المدن أو الحصون، هو «ضرب الحصار» (poliorcetics). تأتي الأطروحة الأولى حول هذه الطريقة الجديدة في القتال من اليونان في القرن الرابع قبل الميلاد.

وفي مواجهة التهديد بالغزو، كانت المدن تستعد للحصار وتحصن نفسها بشبكة كبيرة من الجدران التي ابتُكرت وتطورت على مر القرون وصولًا إلى القرن الثامن عشر بفضل معماريين ومهندسين عسكريين، ومنهم ماركيز فوبان (Marquis of Vauban) (1633-1707). فصارت المدينة مخبأً عسكريًّا يمكن للناس أن يجدوا فيه ملاذًا مؤقتًا في حالة الحرب.

لكن مع تطور المدفعية القوية والبعيدة المدى، أدى عدم جدوى التحصينات إلى تحرك عكسي في القرن التاسع عشر، إذ بدأت المدن في تحرير نفسها من قيودها الدفاعية. كانت هذها هيو الحال، على سبيل المثال، بالنسبة لجنيف التي بدأت منذ العام 1849 في تفكيك التحصينات التي كانت تحيط بوسط المدينة منذ القرن الرابع عشر.

وهكذا بدأت المدن تستعيد بعدًا مدنيًّا بحتًا، وتطوَّر بالتوازي مع تدفق سكان الريف أو المهاجرين إليها، إذ اجتذبتهم الإمكانات الصناعية أو الحرفية التي صارت تتركز في المراكز الحضرية. بدأ هذا الاتجاه في القرن التاسع عشر، وتصاعد في القرن العشرين وما زال مستمرًّا حتى اليوم.

لكن بوصفها أماكن ذات أهمية سياسية واقتصادية وكونها مراكز اتصال ومناطق مكتظة بالسكان، تظل المدن مستهدفة في الحرب. إن ما تغير على مدى آلاف السنين هو وسيلة إبادتها. ففي عام 146 قبل الميلاد دمر الرومان مدينة قرطاج بالنار، وبعدها بقرون عديدة اكتوت غيرنيكا (Guernica) وكوفنتري (Coventry) ودريزدن (Dresden) بنار الحرب لكن بوسائل تدمير جديدة، إذ قصفتها طائرات عسكرية. ورأت هيروشيما وناغازاكي أهوالًا بعد أن أُطلقت الأسلحةُ النووية من عقالها.

الحرب داخل المدن

بالإضافة إلى الحرب ضد المدن، يمكننا أيضًا استكشاف الحرب داخلها ممثَّلةً في المعارك الكبيرة التي دارت رحاها في الحرب العالمية الثانية في قلب مدن مثل نانكينغ (Nanjing) وستالينغراد وبرلين – التي استولت عليها القوات أو استعادتها بمعارك من منزل إلى منزل تقريبًا – وبالعنف أيضًا في نيكاراغوا ويوغوسلافيا السابقة والقوقاز، إلى جانب المعارك التي لا تزال تندلع في الشرق الأوسط.

وبوصفها مصدرًا للتهديد والانجذاب، فالمدينة تشكل عائقًا أمام المتحاربين، ليس فقط من حيث التقدم الاستراتيجي، ولكن أيضًا من حيث كونها عالَمًا عقليًّا مغايرًا، فالمدينة غالبًا ما تكون مكانًا تتجلى فيه بقوة فكرة وجود «الآخر».

وقد يفسر هذا بقدرٍ ما الدافعَ لدى بعض المتحاربين لنهب المدن وتدميرها بل وتسويتها بالأرض بمجرد الاستيلاء عليها، بهدف القضاء على كل الآثار المادية والثقافية والدينية التي تعلن عن وجود العدو، «الآخر». أما سكانها، فإذا لم يُقتلوا أو يؤخذوا أسرى فإنهم يُطارَدون أو يُجبرون على الفرار، وبذلك تُباد المدينة كليًّا، بل أحيانًا تُمحى ذكراها نفسها. وتذكر التوراة في سفر القضاة أن الملك أبيمالك، عندما استولى على مدينة شَكِيم وقتل سكانها، سوَّاها بالأرض وصب الملح عليها للقضاء على أي إمكانية لنهوضها من جديد.

وعلى الرغم من الهجمات، تقاوم المدينة فتأبى الاستسلام وتنجو من الحصار العسكري والمعارك في قلبها. في الصورة الشهيرة التي التقطت لمكتبة «هولاند بارك» بلندن في عام 1940 يقلِّب بعض الأشخاص الكتب ويتصفحونها مع أن المبنى نفسه قد دُمِّر إلى حد كبير بسبب القصف الألماني. وفي «”مذكرات لينينغراد (Diary of Leningrad)»، تروي لينا موخينا (Lena Mukhina, 1924 – 1991) تفاصيل الحياة اليومية من خلال 900 يوم عاشتها مدينتها بعد أن ضُرب عليها حصار.

وقد يذكر بعضنا أيضًا كيف اختيرت إينيلا نوجيتش (Inela Nogić) «ملكة جمال سراييفو تحت الحصار» في عام 1993، عندما كانت تلك المدينة تعيش أحلك أوقاتها.

لكن وراء لحظات المقاومة البراقة هذه ترتبط الحرب في المدينة ارتباطًا وثيقًا بالموت. تذكرنا صور الجثث المتناثرة في شوارع لينينغراد التي يتضور أهلها جوعًا أو الخسائر بين المدنيين في أثناء حصار نورمبرغ في عام 1632 الذي أدى إلى هلاك نصف سكانها، بأن «الحياة الطبيعية» للمدينة لا يمكن أن تزدهر إلا في أوقات السلم، وأن نجاة المدينة التي تجتاحها الحرب تعتمد قبل كل شيء على صمود من يعيشون داخلها.

تمثل الحرب التي تُشن ضد المدن والتي تدور داخلها أحد أكبر التحديات المعاصرة أمام العمل الإنساني. ويعني تركُّز السكان، والخدمات الأساسية، والشبكات الكهربائية أو شبكات الاتصالات، والبنى التحتية للصحة، والأعيان الثقافية أو التراثية في المدن، أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعديد من المخاوف المتعلقة باحترام القانون الدولي الإنساني.

وبناءً على دروس الماضي، وأيضًا التوقعات بشأن التطورات المستقبلية يجب أن يتواءم العمل الإنساني مع الطبيعة المتغيرة والمعقدة للحرب داخل المدن، على أن يأخذ في الاعتبار الأفراد وكذلك المجتمعات وتقديم الرعاية الصحية وحماية الأنظمة الاجتماعية في المدينة التي تؤثر على الناس تأثيرًا مباشرًا.

ظهر المقال في الأصل في مدونة «القانون الدولي والسياسات»، وقد نقل عاطف عثمان النص إلى اللغة العربية.