يجب أن أعترف أن الحرب لم تكن تخيفني في الواقع. فأنا مذّ وعيت، لم أعرف سواها. لم تطرأ فجأة على حياتي. كانت الحياة الوحيدة التي عرفتها منذ طفولتي.

هكذا، كنا نتكوّم في ممّر المنزل، في الظلمة والحرّ، أشقائي وأنا، ونخترع ما يجعل الوقت يمضي. أمي تفتح المذياع طوال الوقت، ونحن نضحك كلّما قال المذيع أن الطريق الفلانيّة أضحت “سالكة وآمنة”. لم نكن نعرف تلك الطرقات والشوارع، فنحن لم نزرها يوما. كنّا نتكّدس في الممّر المفترض أن يكون الأكثر أمنا في المنزل.

كنت أتحايل على أمي وأخرج إلى الشرفة. أقف أتفرّج على الشارع الخالي وأستمع إلى أزيز الرصاص من دون أن أعرف أنه يمكن لإحداها أن تخترق جسدي. ثم، وحين كانت أمي تخرج للبحث عني، كنت أختبئ خلف الباب الخشبي، خوفا من تأنيبها، وليس من تساقط الرصاص.

مع الوقت، لم تعد أصوات القصف تخيف أحدا. بعيدة كانت أو قريبة. أضحت مجرد إيقاع يضبط وقع النهارات والليالي.

كان أبي، الصحافي، يغيب عنّا لأيّام، إذ لا الطرقات آمنة ولا عمله ينتهي. كانت زياراته تشكّل وميض الفرح الوحيد الذي نعيشه. كنّا نتحلّق من حوله، ونشعر بالقوّة، والأمان. ساعات قليلة كلّ أسبوعين أو ثلاثة.

لدى انقطاع الكهرباء، كان يقرأ لنا، على ضوء الشمعة، من “كليلة ودمنة”. أمّا في أيّام توّفر الكهرباء، فكنّا نستمع إلى أسطوانات شاديّة وعبد الحليم وكان يشرح لنا عن الأغاني وكتّابها وملحنيها.

كنّا دوما نغيّر منزلنا، بسبب الحرب. نهرب من الحمم المعدنيّة. لاحقا عرفت أن ذلك اسمه تهجير.

كنّا نستحم في النادر. كانت المياه مقطوعة معظم الوقت.

 

مندوبو اللجنة الدولية ومهمة البحث عن المفقودين أثناء الحرب الأهلية في لبنان (1983)، تصوير: HUBSCHMID, BRUNO. أرشيف اللجنة الدولية.

كان القيظ خانقا في الصيف والفراغ قاتل في النهارات التي لا تنتهي. نادرا ما تسمح لنا أمي بالنزول إلى الشارع للعب. وفي بعض المرات، كنا نحصل على إذن للذهاب إلى الدكان لشراء الحلويات.

كان في البيت كتب، أضحت ملاذا. كان يأتينا بعض الزوار من الأقرباء، فكنّا نُعَيّد.

كلّ تلك التفاصيل، التي من الممكن أن تبدو عاديّة، هي حياة خلال الحرب. تفاصيل حياة ما في الحرب.

العزلة، الشحّ، الانتظارات، الحزن. تفاصيل حرب في الطفولة.

كلّ ذلك تغيّر في المرّة الأولى الّتي رأيت فيها دماء. دماء تغطيّ جسد إنسان، في الشارع. في تلك اللحظة أدركت أن للحرب وجها آخر.

جارنا قتل. وجارتنا الحامل اخترقت بطنها قذيفة. جميل، المسلح الذي كان يلاعبنا في فترات “الهدوء” الضنينة، فقد عينه.

لا أعرف كيف لم يصب أحد من أسرتي خلال الحرب.

وحده أبي أصيب. مازال يحمل آثار الطلقات في وجهه. مازلت أحمل آثار ندوب في قلبي. مازلنا نحمل أثار ندوب في قلوبنا ووجداننا. من كل ما جرى. ندوب في القلوب والنفوس. ندوب بترت الروح.

ذات يوم، اختار “عبقريّ حرب” فترة خروج الأطفال إلى المدارس ليقيم حفلة جنون في الاتجاهات كلّها.

آباء وأطفال يركضون في الشوارع للاختباء، وآخرون يحترقون في سياراتهم.

تلك الفتاة. تلك الفتاة كانت تقف عند مدخل إحدى البنايات. عيناها. كيف أنسى ما رأيته في عينيها؟ كانت في الحادية عشرة؟ الثانية عشرة؟ عيناها، عيناها شاخصتان، تمسك بيدها يد أخيها الصغير. تقف هناك في مدخل المبنى، تمسك يد أخيها، تخبئه خلفها، وتنظر بتلك العينين إلى الشارع. ماذا تفعل الآن؟ تبقى هنا أم تغادر؟ متى تخرج؟ إلى أين؟ أين أهلها؟ ماذا تفعل الفتاة الآن؟

ذات يوم، قالوا إنّ الحرب انتهت. صرت أمرّ في شوارع لم أعرفها من قبل. مازلت أتوه فيها حتى اليوم. بقيت طويلا أستعجل إنهاء شؤوني قبل الثانية عشرة ليلا، موعد انقطاع الكهرباء. أهرع إلى السرير ولا تنطفئ الأضواء.

بدأت المدينة تعيد صياغة حياة لها. أتوه في الشوارع. قالوا إن الحرب انتهت إلّا أنّ “الحياة” لم تبدأ بعد. أنا مازلت أجلس أنتظر استئناف حياتي حيث توقفت. كيف أستعيد تلك الطفلة؟ أم أن كلّ ما مضى منذ إعلان انتهاء الحرب كان حياتي؟ثم فهمت: في الواقع، لا تنتهي الحروب أبدا. تبقى مقيمة، بآثارها، وندوبها، وجراحها، على الأجساد، وداخل الأضلع.

كم جيلا ولد وعاش بعدما توقّف تقاذف الحمم المعدنيّة على هذه الأرض؟

كم جيلا يستسهل اليوم اندلاع حرب، أيّ حرب، لمجرّد إفراغ غلّه من الآخر، شريكه في الهويّة، الذّي مازال “آخر” بالنسبة له، على الرغم من أنّه يشبهه حدّ التماهي.

هل هناك من معنى لأن تروي حياتك خلال الحرب بعد كلّ هذه السنين؟ هل هناك من معنى لأن تروي حياتك خلال حرب بدأت في السبعينيات بعدما تطورت الحروب وسبل القتل، وقد سحقت بلادًا بأكملها، بعد ضمان استمرار السموم في قتل شعوبها؟ كيف تروي تلك الحرب، وهم يقتلون الأشجار في فلسطين؟

هل تختلف تجارب العيش خلال الحروب عن بعضها البعض؟

هلّ تُعّد الحرب المستترة، المبطّنة، سلما؟

هل حقا تنتهي الحروب؟

نُشر هذا الموضوع في عدد مجلة الإنساني رقم 68 الصادر في ربيع/ صيف 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. لتصفح العدد كاملًا، انقر هنا