يبحث أستاذ الفقه المغربي البارز الدكتور إدريس الفاسي الفهري، في قضايا أصولية، وكيفية فهمها في حياتنا المعاصرة. وقد بلور عبر السنوات، أفكارًا متطورة وأصيلة في القانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين في أوقات النزاعات. وفي هذا الصدد، يحتل كتابه «مفهوم السلام في الإسلام» موقعًا رائدًا بعنايته الأصيلة بتحليل الفقه الإسلامي للوصول إلى المشترك الإنساني.

وعلى هامش زيارته للقاهرة، لحضور مؤتمر بجامعة الأزهر، حلَّ «الفهري» ضيفًا على المركز الإقليمي للإعلام، التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر، وكان له هذا الحوار، الذي شرح فيه بعضَا من آرائه المهمة حول الحرب والسلام، والقانون الدولي والإسلام، ومعاملة الأسرى في الإسلام.

الإنساني: هل هناك درجة من الإجماع في الإسلام على القواعد العامة للحرب؛ بمعنى هل تضمنت حالة الإجماع فكرًا معينًا لحماية المدنيين؟

 هنالك مجموعة من المبادئ في الشريعة الإسلامية بمثابة القواعد العامة الكلية التي لا يمكن الاختلاف فيها ولا تقبل النسخ أو التغيير. فهي من نوع الإجماع الذي لا يمكن أن يكون إلا إجماعًا. بل قد جاء عند كثير من الفقهاء المسلمين التصريح بأنها من المتفق عليه في جميع الملل والشرائع. وهي لذلك مما يمكن أن نعبر عنه في الاصطلاح المعاصر بالمشترك الإنساني. فعلى سبيل المثال لا الحصر، الأمر بالعدل، بعمومه الشامل للعدل مع النفس ومع الغير، وعلى المستوى الفردي والمجتمعي، والسياسي، والداخلي، والدولي، هو كلي من كليات الشريعة الإسلامية التي لا يمكن أن يأتي فيها ما يخالفه، بل إن جميع الأحكام تُراجع على أساسه بحيث يُنقض كل حكم يخالف مبدأ العدل، ويُرد كل رأي أو قياس أو قول يُخل به.

ويبلغ الأمر في موضوعه مستوى خاصًّا من التشديد، بحيث ورد ما يدل على أن حالة العداوة في أقصى درجاتها مما لا ينبغي أن تصرف المتبع للشريعة الإسلامية عن العدل، وهو ما تعرفونه من قول الله عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]. بل قد ورد في الشريعة ما يدل على العدل في الأشياء العادية اليومية البسيطة، كالعدل بين الرِّجلين، كما في حديث البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا». ومثله العدل بين اليدين في الحمل، والعدل بين الأولاد في العطية والهدية، وحتى في البشاشة والقبلة، إلى غير ذلك. ومثل مبدأ العدل مبدأ الوفاء بالعهود، ومبدأ اتباع الأعراف المستقرة… إلى غير ذلك.

ومن هذا القبيل القواعد العامة للحرب، وما تتضمنه الشريعة الإسلامية من حماية المدنيين، الذي أشرتم إليه في سؤالكم، فإنه فضلًا عن الإجماع العام التام بين علماء الشريعة الإسلامية في موضوعه عبر جميع الأعصار والأقطار، تتميز الشريعة الإسلامية بأمر ملفت للنظر، وهو أن الحماية المكفولة للمدنيين لا تختلف في شيء حالة الحرب عما هي عليه تعاليم الشريعة الإسلامية في موضوعها حالة السلم. وتعليل ذلك في نظري المتواضع قد بينته تفصيلًا في الكتاب الذي أشرتم إليه ضمن تقديمكم عن مفهوم السلام في الإسلام وتأصيل مبادئه التي تسهم في القانون الدولي عمومًا والقانون الدولي الإنساني على وجه الخصوص.

وأصل ذلك التعليل أن المبادئ الكلية العامة التي أشرنا إليها، ترجع إلى مبادئ أعلى تحكمها كما تحكم غيرها من مبادئ الشريعة الإسلامية ومقرراتها، وهي ما يُسمى بمقاصد الشريعة، وهي مرتبة على ثلاث مراتب: الضروريات، والحاجيات، والتحسينات. والكليات الضرورية لها المكانة العليا بحيث تكون المحافظة على الحاجيات والتحسينات خادمة لها، ومتممة لما يراد بها. وعلى رأس هذه الضروريات تأتي المحافظة على النفوس عمومًا، أي نفس كانت. ولذلك كان القتال بما فيه من إهدار للدماء بالنسبة للشريعة الإسلامية هو حالة ضرورة قصوى.

وهذا مبين بالتنصيص الصريح في القرآن العظيم، حيث يقول الله عز من قائل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]، والتأكيد في الآية بكلمة «كافة» يدل بوضوح على شمول هذا الأمر لمختلف الأحوال والأشخاص والأمكنة والأزمان، فليس بعد ذلك بمستغرب أن يُسمى هذا الدين بالإسلام، أي الدخول في السلم.

وعلى هذا الأساس فإن من مبادئ الشريعة الإسلامية العامة التي لا يمكن أن تتغير مبدأ المحافظة على النفوس أو عدم التعدي على الدماء، ولذلك فإن القتال إنما هو حالة ضرورة بالنسبة للمسلمين. والسيرة النبوية خير شاهد على ذلك، فقد بلغت الحال بالمسلمين، كما تعلمون، جراء الاضطهاد الذي تعرضوا له أن تركوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلادهم وأهلهم ومالهم، فكانت الهجرة الأولى إلى الحبشة، ثم الهجرة الثانية، ثم الهجرة إلى المدينة؛ وهي الهجرة التي فرضت فرضًا عامًّا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه من جملة المهاجرين. وكل ذلك قد كان من باب المسالمة في أقصى صورها التي يمكن تخيلها.

الإنساني: لكن ما الحال عند نشوب حرب أو نزاع؟

إننا نعلم من السيرة النبوية أن الاعتداء على المسلمين استمر بعد هجرتهم، وكان المقصود منه استئصال شأفتهم. ومن هنا جاء الإذن في القتال نصًّا في القرآن العظيم، وذلكم قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 39، 40].

ويمكنكم أن تلاحظوا من الآية أن الإذن في القتال قد ورد مبررًا ومعللًا بكل الاضطهادات التي تعرض لها المسلمون: «بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا»، وأن ذلك الإذن ورد مبررًا ومعللًا بالذي حكينا من الهجرة التي جعلت المسلمين جميعًا في حالة لجوء: «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ»، وأن ذلك الإذن ورد مبررًا ومعللًا بأنه لم يعد هنالك حل آخر من أجل وجود الإسلام، إما أن يدخل المسلمون في الحرب وإما أن لا يعود هناك دين: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا». ولعلكم سمعتم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في أول حروبه يوم بدر حيث قال فيه: «اللَّهُمَّ أَنجِزْ لي ما وَعَدْتَني، إِنَّكَ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ فَلَنْ تَعْبُدَ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا».

ولما جاء هذا الإذن لم يأتِ مطلقًا، جاء مقيدًا أولًا بالمبادئ العامة للشريعة الإسلامية؛ من العدل، والإحسان، والرحمة، وليست رحمة الاستعلاء ولكن الرحمة الواجبة، إلى درجة أنه في المذهب المالكي يلحقون ما يتعلق بالجهاد والحرب بباب العبادات. وأول مقرر في الموضوع أن أساس قيام الحرب هو الرحمة. وفي صحيح مسلم وغيره عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله عز وجل».

بمعنى أن السلم حالة أصلية وعامة، ولكن عندما يكون هناك قتال أو نزاع، فلا يكون إلا على أساس المعاملة بالمثل، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]. ومما يجب ملاحظته أن قوله تعالى: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ» لم تأتِ وحدها، ولكن جاء معها «وَلَا تَعْتَدُوا»، وجاء معها «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ». ولا بد هنا من ملاحظة وهي أنه عندما جاءت الشريعة الإسلامية وجدت الحروب القبلية، وحروب الانتقام، وحروب السلب والنهب، وقطع الطرق، وحروب الاستعلاء. ولكن عندما حصر النص القرآني القتال بمن ينصب القتال، فقد منع ضمنيًّا كل هذه الأنواع من الحروب.

الإنساني: ماذا عن سلوك المسلمين طرفًا في القتال؟

هذا وجه ثانٍ، أي السلوك في أثناء الحرب، وهو مضبوط بضوابط في الشريعة الإسلامية في غاية الانسجام والتطابق مع القانون الدولي الإنساني بصيغته الحديثة المتفق عليها دوليًّا ضمن المعاهدات والبروتوكولات التي تعرفونها بالتفصيل اللازم. والاختلاف بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني إنما هو في منهج التعريف: فالمدنيون يعرَّفون في القانون الدولي الإنساني بطريقة سلبية، أي بتعريف المقاتلين، وما عداهم يُعد من المدنيين الممنوع قتالهم.

وأما في الشريعة الإسلامية فإن المدنيين الذين يُمنع قتالهم محددون بأعيانهم، فمنهم: المسالمون: كالرهبان الملتزمين بأديرتهم والطواقم الإغاثية والطبية، والرسل، ومن يلحق بهم من الدبلوماسيين ونحوهم، ومنهم: العاجزون عن القتال: كالشيوخ والأطفال والنساء الذين لا يقدرون على القتال، ومنهم المحاجزون: الذين ليسوا بعاجزين ولكن بينهم وبين القتال حاجزًا ما: كالأسرى والتجار والصناع ونحوهم. وكل ذلك مشمول منصوص في قوله تعالى الذي ذكرناه آنفًا: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا»، ومنصوص في وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه: لا تقتلوا شيخًا، ولا امرأة، ولا المشتغلين بالعبادة، ولا الفلاحين، ولا الصُّنَّاع. ففي مجموع تلك النصوص هناك تعيين محدد بطريقة إيجابية لتعريف هؤلاء المدنيين.

ولكن هنالك مسائل فقهية وقع الاختلاف فيها بين فقهاء المسلمين قديمًا، منها الامتناع عن تخريب وسائل الحياة، وعموم الممتلكات، مع أن الملاحظ من السيرة النبوية أن الإذن في ذلك لم يرد إلا في حالة الضرورة القصوى، بل لقد احتاج الإذن في غزوة خيبر لقطع نخلة أو بضع نخلات إلى ورود النص القرآني الذي تعرفون: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: 5].

ومن المسائل المختلف فيها بين الفقهاء قديمًا تسميم منابع المياه في الحرب، واستعمال السهام المسمومة، واستعمال المنجنيق… وهذه المسائل المختلف فيها تشبه إلى حد كبير مسائل واقعة حاليًّا، منها استعمال الألغام بأنواعها، والأسلحة الكيماوية، وعموم أسلحة الدمار الشامل. ويمكن أن تقاس أحكامها عليها. ولكن إذا نظرنا إلى هذه المسائل الفقهية من زاوية أخرى أي مبدأ الوفاء بالعهود، فإن كل ما تم من ذلك التوافق دوليًّا، والتعاهد على منعه، كما هي الحال بالنسبة للمعاهدات المؤسسة للقانون الدولي الإنساني، فهو ممتنع شرعيًّا من غير خلاف، بل هو من القواعد اللازمة في الشرع دينيًّا، لمكانة مبدأ الوفاء بالعهود في شريعة الإسلام.

الإنساني: إذا كان فريق العدو مثلًا أحدث تمثيلًا بالجثث أو انتهك قاعدة من قواعد الحرب، هل هذا يبرر للطرف الآخر أن يفعل بالمثل؟

قاعدة المعاملة بالمثل قاعدة كبيرة معروفة في العلاقات الدولية منذ قديم الزمان. وهي قاعدة دبلوماسية، وقاعدة في العلاقات الدولية، ولكن وردت بالنسبة لحالة الحرب في الشريعة الإسلامية مجموعة من الاستثناءات جردتها من كل صلاحية في مجموعة واسعة من الحالات. وانظروا ما تقدمت الإشارة إليه في قوله تعالى: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا» تجدون قاعدة المعاملة بالمثل مشروطة بعدم الاعتداء.

وعلى قياس ما ورد من الأمر بقتال من ينصب القتال، ورد الأمر عند وجود رغبة في السلم أن ينخرط فيها المسلمون، وذلك طبعًا مع إعطاء المسؤولين السلطة التقديرية فيما يتعلق بصدق المبادرة وذلك في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 61].

وحتى بالنسبة لحالة الإذن في قتال مثلًا، التمثيل بالجثث ممنوع منعًا قاطعًا، ولا يمكن أن يقول أحد مثَّل العدو بالجثث، أو قام بالاغتصاب، أو خان العهد، فأباح لنا أن نفعل مثل ذلك بناء على قاعدة المعاملة بالمثل. فإن هذه ممنوعات تُمنع إسلاميًّا في جميع الأحوال. ولعله بالمثال يتضح المقال كما كان يقال، فأنتم تعرفون من الأحداث المشهورة في السيرة النبوية ما حدث في غزوة أحد عندما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا حمزة رضي الله عنه في أرض المعركة قد قُتل غدرًا، واصطملت أذناه، وسملت عيناه، وجُدع أنفه، وشُق بطنه عن كبده، ومُثِّل بجثته أفظع تمثيل.

وقد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتألم أشد الألم، ولعلكم تعرفون الحديث الشريف في التمثيل بالموتى، وأن «كسر عظم الميت ككسره حيًّا»، وأنتم تعرفون محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه سيدنا حمزة رضي الله عنه، ومحبة سيدنا حمزة لرسول الله، وأثره في نصرة الإسلام حتى لقد لقب بأسد الله.

فعندما وجده رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الحال قال: «لأمثلن بسبعين منهم» أو كما قال، يعني عقابًا لهم على ما صنعوا. فنزل عليه في تلك الحال قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]. فرفع رأسه وقال: صبرنا واحتسبنا. وكان وعيده بالانتقام أمرًا تراجع عنه نهائيًّا بتوجيه رباني منزل، وذلك مشهور في السيرة، مشهور في تفسير الآية. ومعناه أنه حتى إذا دفعت الطبيعة الإنسانية الشخص المسلم إلى أن ينتقم، فإنه لا ينتقم إلا باحترام الأوامر الإلهية. وهذا هو جوهر القواعد والسلوك الإسلامي في حالة الحرب، فعلى الرغم من العاطفة وحالة التحفز التي يكون عليها المحارب في ساحة المعركة، هنالك حاجز داخلي من الإيمان يمنع كل هذه التصرفات، أو بمعنى آخر هذه الانتهاكات. ومن مقتضيات العقيدة الإسلامية أن «المنتقم» اسم لله عز وجل، وهو مما لا ينبغي للمخلوقين أن يتسموا به.

الإنساني: ماذا عن الخروقات المستمرة لقواعد الحرب في الإسلام في العالم العربي؟

ما حدث في السنوات الماضية مثلًا تضمن انتهاكات كثيرة لهذه القواعد. الفهري: فاقد الشيء لا يعطيه؛ وأتذكر هنا أمرًا ذا دلالة خاصة، وهو ما يوجد في مقدمة تحقيق كتاب «شرح السير الكبير للإمام الشيباني»، الذي كتبه الإمام السرخسي، والذي قام بتحقيقه مدير معهد المخطوطات في جامعة الدول العربية، وقتها، الدكتور صلاح الدين المنجد. وأنتم تعلمون أن من أول الإجراءات المطلوبة في التحقيق العلمي هو جمع النسخ الخطية للكتاب من أجل المقارنة بينها للحصول على نسخة أقرب ما تكون للأصل. وعندما قام السيد المحقق بجمع النسخ، وجد مجموعة كبيرة منها قد استنسخت لصالح القادة العسكريين في الدولة العثمانية. وهذه الملاحظة ذات دلالة خاصة، ومعناها أن تسليم القيادة لمسؤول عسكري، يقترن بتسليم كتاب مفصل بالتعليمات التي يلتزم بها شرعيًّا في حالة الحرب.

ومع نشأة وتطور ما يُسمى اليوم بالقانون الدولي الإنساني فإن جيوش الدول الإسلامية عمومًا أسوة بجميع الجيوش في دول العالم تُعطى كتابًا توجيهيًّا في هذا الشأن، كما تُقدم دورات تكوينية في القانون الدولي الإنساني من أجل احترام هذه القواعد العامة، التي هي في نفس الوقت قواعد إسلامية تُحترم دينيًّا.

ولكن هذه الجماعات ليست بجيوش نظامية لتستلم توجيهات قيادية في السلوك، وليست لها مرجعية قويمة في الثقافة الإسلامية لتمكنها من معرفة معطيات الشريعة الإسلامية في هذه الشؤون. الإنساني: أي أن جوهر الفارق أن الجماعات المسلحة تجهل هذه القواعد؟ الفهري: نعم، تجهل هذه القواعد، وأغلب المنتمين إلى هذه الجماعات غير منظمين تنظيمًا عسكريًّا، وإنما هي جماعات مسلحة قامت في ظرف من الظروف، وهنالك منهم من دخل في هذه الأعمال العدائية من غير وعي بالحرب، وعن غير وعي بالإسلام أصلًا، بحيث لا يعرفون التعليمات الإسلامية العامة، فأحرى أن يعرفوا التعليمات الإسلامية في شن الحرب، أو في السلوك أثناء الحرب. ولكن لا يعذرون بجهلهم أبدًا، فإن من المعلوم ضرورة في الشريعة الإسلامية أن أخطر جرم وأشده هو الاعتداء على الدماء، وهو أول شيء يحاسَب عليه الإنسان يوم القيامة، وأول ما يفصل الله فيه بين الناس يوم القيامة.

ومن المشهور الذي لا أعتقد أن أحدًا يجهله من تعليمات الإسلام أن الله عز وجل قد قضى في كتابه بأن من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا. ولكن ماذا تملك لقوم لا يفقهون ولا يريدون أن يفقهوا؟! الإنساني: هلا زدتم أمر المحافظة على الحياة الإنسانية في الشريعة الإسلامية توضيحًا؟ في الشريعة الإسلامية لا نتحدث عن المحافظة على حياة الإنسان فقط، بل نتحدث أصالة عن المحافظة على كرامة الإنسان؛ أي حياة بدون كرامة؟ أي حياة بدون حرية؟ أي رأي لمن ليست له حرية؟ أي دين لمن ليست له حرية التدين؟ حتى إذا قال لك شخص ما قولًا ما ينبغي أن تُعمل ذهنك فيه، فمن يقول إنه يدفع الناس ويقاتل الناس من أجل أن يُدخلهم في الدين، لا يمكنك أن تقبل منه هذا لأن الدين لا تدخله بالقتال.

وجميع هذه التعليمات هي أمور من أسس الدين، والأساسي والجوهري فيها هو تكريم الإنسان، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. وأنتم تعرفون كما يعرف جميع الناس الحديث المتواتر في خطبة حجة الوداع، وتعرفون كما يعرف عموم المسلمين قوله صلى الله عليه وسلم في ضمن ذلك الحديث: «أيُّها النَّاس! إنَّ دماءَكم وأموالَكم حرامٌ عليكم إلى أن تلْقَوا ربَّكم»، وكذلك حرمة الأعراض، وحرمة الأبشار، يعني البشرة والجلد، أي عدم التعدي بالجرح أو الضرب، وهذا كله من الاحترام لكرامة الإنسان. وهذا مما لا يدخل في المعاملة بالمثل كما قدمناه.

Credit: DAVID CHANG/EPA-EFE

الإنساني: أي أن المعاملة بالمثل لا تكون إلا فيما لا يقع به إثم؟

المعاملة بالمثل كما قلت فيها استثناءات، فرَّغت القاعدة، وقصرتها على العلاقات الدبلوماسية وهذه الأشياء الخفيفة؛ مثل استعمال التأشيرة، والاحترام المتبادل، والحقوق السيادية للدول، ولكن المعاملة بالمثل عندما يتعلق الأمر بالكرامة، أو الاغتصاب، أو أي اعتداء من الاعتداءات، ممنوعة شرعًا، بحيث لا يمكننا بوجه ولا بحال أن نتحدث فيها عن المعاملة بالمثل، لأن هناك أصولًا شرعية تجرِّم هذه الأفعال في الحرب.

فلذلك لا يمكننا، عندما نفهم الشريعة، أن نقول هذه الآية «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ» تدل على قاعدة المعاملة بالمثل، إذن هذه قاعدة كلية عامة في الشريعة، لا. هذه الآية لها وجه آخر. كيف نفهم هذه القضية؟ نفهمها أنه لا تقاتلوا الذين لا يقاتلونكم، أي ليس هنالك حرب عدوان، ويوضح ذلك قوله تعالى بعدها «ولا تعتدوا».

لذلك فالنقطة الجوهرية الأولى أن قواعد السلوك في النزاعات المسلحة بالنسبة للإسلام قواعد دينية يحترمها الإنسان بظاهره، وباطنه، وقلبه، وقالبه، وسلوكه، وليست من القواعد التي لا يحترمها إلا إذا كان هنالك مراقبون، فالمسلم يستشعر رقابة الله عز وجل عليه في احترام هذه القواعد. والمسلم يتوقع من المخالفة العقاب الأخروي كما يتوقع العقاب الدنيوي، وهذا أيضًا من الأمور الجوهرية في الإسلام. فالعقاب الدنيوي لا يكون فقط بعقوبة الجاني، ولكن أيضًا بتعويض الضرر، بحيث إذا كان الشخص المقتول أو المجروح أو المعتدى عليه، قد نقص منه شيء بذلك الاعتداء، يعوَّض بما يقابل ذلك النقص. مثلًا شخص قتل شخصًا آخر هو المعيل الوحيد لأسرة معينة، ما الذي ستنتفع به هذه الأسرة إذا قَتَلتَ القاتل؟ نعم ربما يحصل لها التَّشَفِّي؛ ولكن ينبغي أن يكون لها تعويض عن قتل معيلها.

وقد توسع الشرع في تحديد الذين يتولون التعويض، بحيث لا تقل لي لن نجد عند هذا القاتل شيئًا، فليذهب دم هذا سدى وتبقى تلك العائلة بدون عائل، لا. فقد أنيط أمر الديات والأروش في بداية الإسلام بالعاقلة أي القبيلة كلها. وبعدما ضعف النظام القبلي، ودخلت الدولة في عهد عمر بن الخطاب إلى تنظيم داخلي جديد أنيط دفع الدية بأهل الديوان. فأنتم تلاحظون أن الشريعة الإسلامية قد وضعت شبكة متماسكة من التشريعات ونظامًا متكاملًا لكيلا تبقَى جريمة بدون عقاب ولا يبقى ضرر من دون تعويض.

نٌشر هذا الحوار في العدد 69 من مجلة «الإنساني» الصادر في خريف/ شتاء 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. للاطلاع على العدد كاملًا، انقر هنا.

يمكنكم الحصول على عدد مطبوع من المجلة التي توزع مجانًا من خلال بعثاتنا في المنطقة. انقر هنا لمعرفة عناوين البعثات.

 

نشرنا في السنوات الأخيرة مساهمات عدة حول قواعد الحرب في الإسلام. انظر:

أحمد الداودي، حماية المدنيين في قلب قانون الحرب في الإسلام

أحمد الداودي، التعامل مع الموتى من منظور الشريعة الإسلامية: اعتبارات الطب الشرعي في مجال العمل الإنساني

التعامل مع «الجماعات الجهادية الإسلامية»: البحث عن الإنسانية في خضم صراع الأسلحة والأفكار– حوار مع عمر مكي