يناقش عمر مكي، وهو المستشار القانوني الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر، في بحثه الذي تقدم به للحصول على درجة الدكتوراه، السبل التي يمكن من خلالها الاستفادة من العلاقة بين القوانين الدولية للحرب وقواعد الشريعة الإسلامية ذات الصلة في تعزيز امتثال الجماعات الجهادية الإسلامية لقوانين الحرب المعترف بها دوليًّا. وهو إذ يحاول توضيح بعض التحديات المترتبة على هذه العلاقة، فإنه يفترض أن اتباع نهج متكامل يمكن أن يساعد في إضفاء الطابع الإنساني على الحروب المعاصرة التي تستهدف «الجماعات الجهادية الإسلامية».

س: كيف توصلت إلى اختيار موضوع البحث؟

بحكم المنصب الذي أشغله وهو المستشار القانوني الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أحزنتني على مدى السنوات الثماني الماضية معاينة المشاهد المختلفة للحروب القبيحة التي تدور رحاها بين عدد من الدول والجماعات الجهادية التي انتشرت في الآونة الأخيرة في جميع أنحاء المنطقة، حيث ترتكب جميع الأطراف أبشع الجرائم باسم الدين تارة وتحت دعوى الأمن الوطني تارة أخرى، بينما يتحمل المدنيون الأبرياء العبء الأكبر للأسف. وقد خلفت تلك الحقيقة الموثقة توثيقًا جيدًا في حروبنا اليوم لديَّ أثرًا كبيرًا على المستويين الشخصي والمهني، ودفعتني من ثم إلى بدء رحلتي نحو الحصول على درجة الدكتوراه.

من ناحية، تستشهد الجماعات الجهادية في كثير من الأحيان بتأويلات الشريعة الإسلامية وحججها لتبرير ما تضطلع به من أعمال قتالية ضد الدول، في حين أنها تنكر قواعد القانون الدولي التقليدية، وترفضها رفضًا قاطعًا، بل وتنعدم ثقتها فيها تمامًا. ومن ناحية أخرى، لا تتردد بعض من هذه الدول على الإطلاق في الانحراف عن مسار قواعد القانون الدولي التقليدية لتبرير ما تسميه تدابير «”مكافحة الإرهاب»” للحيلولة دون توسع هذه الجماعات على أراضيها. وحقيقة الأمر أن قواعد الحرب المعترف بها دوليًّا يتحداها الجانبان – الجماعات الجهادية والدول – على قدم المساواة وباستمرار لتبرير أعمالهما القتالية، رغم أن هذه القواعد وُضعت في الأساس لحماية من لا يشاركون في الأعمال العدائية أو كفوا عن المشاركة فيها. وهي حقيقة صادمة يجد خبراء القانون الدوليون والمسؤولون عن وضع السياسات العامة أنفسهم عاجزين عن التعامل معها بشكل مثير للدهشة، ولا قِبَلَ لهم بالتصدي لها – حتى الآن.

ومن المثير للاهتمام أنني بدأت في برنامج أطروحة الدكتوراه في آب/ أغسطس 2014- أي بعد شهرين فقط من وقوع مدينة الموصل العظيمة في العراق تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وإعلان التنظيم نفسه «خلافة إسلامية» مزعومة. وجسدت تلك اللحظة الصعود السريع للفكر الجهادي الإسلامي في الأونة الأخيرة، والخطر الذي يشكله على العلاقات الدولية الراهنة ونظم القانون الدولي القائمة، التي برهنت أيضًا على النجاح المحدود – ولن أسميه الإخفاق – لحملات مكافحة الإرهاب التي شنتها الولايات المتحدة وغيرها من الدول لوقف التوسع المتزايد لهذه الظاهرة العالمية الناشئة. وقد تركت هذه الحادثة في نفسي سؤالًا صعبًا لم أجد له إجابة، وقد حاولت الإجابة عنه في أطروحتي، عن الدور المحتمل الذي يمكن أن تضطلع به مختلف الأطراف الفاعلة السياسية والإنسانية من أجل حفظ واستعادة الأمن والسلم العالميين.

س: ما هي الأفكار الرئيسية المقدمة في الأطروحة؟

كما نعرف جميعًا، ظل القانون الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في كثير من الأحيان الصك الرئيسي لحل الإشكالات العالمية المحيرة من هذا النوع. ومع ذلك، في هذه الظاهرة تحديدًا، أرى أن القانون الدولي، وأنا هنا أستخدم أبسط العبارات، ليس بمقدوره حل هذه المشكلة وحده، لأن الجهاديين – من بين سائر عموم المسلمين في العالم الإسلامي – ينظرون إليه غالبًا على أنه أداة غربية صممتها في الأساس القوى الغربية واستخدمتها الهيئات التي يسيطر عليها الغرب لفرض أجندة استعمارية غربية مطلقة.

ومن الأفكار التي أقدمها في أطروحتي أيضًا عدم وجود نظام إنفاذ قادر على التصدي للانتهاكات الجسيمة والمستمرة من خلال آليات قسرية فقط، وأن أي نظام قانوني يجب أن يقترن بمستوى مرتفع من الامتثال الطوعي، إذا أراد له أن تكون له القدرة على إنفاذ قواعده في الحالات الاستثنائية التي يكون فيها هذا الأمر ضروريًّا. ولهذا السبب، أحاول إرساء هذا الامتثال الطوعي في صفوف الجماعات الجهادية بغية تحسين تنفيذ مبادئ القانون الدولي وقيمه. وأعتقد أن هذا لا يمكن أن يتحقق دون تفاعل حقيقي بين القانون الدولي والقانون الداخلي للجماعات الجهادية، أي الشريعة الإسلامية. وفي الواقع، فإن هذا الأمر مرجعه إلى الدور البارز الذي اضطلعت به الشريعة الإسلامية بل ولا تزال تضطلع به في الشؤون الثقافية والسياسية والقانونية لتلك الجماعات – التي لا تستشهد إلا بحجج الشريعة الإسلامية لتبرير أعمالها القتالية بصفة يومية.

س: إن إيجاد تفاعل حقيقي بين القانون الدولي والشريعة الإسلامية يبدو من التحديات الضخمة. فكيف تعالج هذا التحدي في أطروحتك؟

أناقش أولًا بإيجاز مفهوم الشريعة الإسلامية ومصادرها، لأكشف أنها في معظمها نتاج لتفكير عقلي منطقي تطور في بيئات ثقافية مختلفة على مدار مئات السنين. وأسلط الضوء أيضًا على التطور التاريخي والسياقي لمفهوم الجهاد، بدءًا من «الدولة المثالية» التي أسسها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة حتى «الدولة» المزعومة الجديدة المنهارة التي أسسها «أبو بكر البغدادي». وأستند إلى دراسة الاعتبارات الاجتماعية والسياسية المختلفة في محاولة لإثبات كيف استخدمت كل دولة أو جماعة إسلامية مفهوم الجهاد أو أساءت استخدامه في جميع مراحل التاريخ الإسلامي. ويؤدي هذا إلى الخروج باستنتاج واضح مفاده أن مفهوم الجهاد تطور دائمًا استجابة لواقع اجتماعي وسياسي جديد سعى المجتمع الإسلامي إلى تحقيقه أو فُرض عليه، الأمر الذي يدفع الدولة أو الجماعة الإسلامية إلى التماس نوع أو آخر من الجهاد. وشكلت تلك الحقائق الاجتماعية والسياسية الجديدة – ومنها على سبيل المثال الانهيار السريع للإمبراطورية الإسلامية في القرن التاسع عشر، والاستعمار في القرن العشرين، والجهاد ضد السوفييت في السبعينيات والثمانينيات، و«الحرب العالمية على الإرهاب» في عام 2001 – نقاط تحول مؤثرة أدت إلى إحداث تحولات في مفهوم الجهاد.

وأتطرق من ثم إلى قوانين الحرب (الحق في الحرب وقانون الحرب) من منظوري القانون الدولي والشريعة الإسلامية. وهدفي الرئيسي من وراء هذا هو تسليط الضوء على القواسم المشتركة والاختلافات بين هذين النموذجين القانونيين القائمين، وهما في الأساس القواعد التي تنظم الحروب التي يخوضها «الجهاد الإسلامي»” أو تُشن ضده في عالمنا المعاصر.

وبعد مناقشة هذين الفرعين الرئيسيين من القانون الدولي العام، أنتقل إلى واحد من أهم الحلول، وإن كان من أكثرها إشكالية كذلك، التي خرج بها المجتمع الدولي للتعامل مع «الجماعات الجهادية الإسلامية»، ألا وهو الإطار القانوني لمكافحة الإرهاب. وأركز في هذا الصدد على التحديات التي يفرضها تنفيذ هذا الإطار الجديد على الأطر القانونية القائمة من قبل مثل القوانين المحلية، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وتسلط الأطروحة الضوء على الطريقة التي دفع بها غموض مصطلح «الإرهاب» – بصيغته المقدمة في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن – وغياب أي تعريف ملموس له، كلَ دولة إلى تفسير المصطلح في ضوء مصالحها السياسية. وبناء على ذلك، استُخدم المصطلح على نحو متواتر لوصم الفئات الموجه إليها ونزع الصفة الإنسانية عنها، بمن في ذلك المعارضون السياسيون الشرعيون، مما يؤدي إلى المخاطرة بعدم وضوح الخط الفاصل بين الأفعال التي تستوجب إطلاق تدابير مكافحة الإرهاب، والأفعال التي يمكن أن تخضع لفروع أخرى من القانون الدولي أو المحلي، ولكن مع عدم تقويض الحاجة الملحة إلى تنظيم ظاهرة الإرهاب التي تؤدي بوضوح إلى اضطراب النظام العام للدول، وفي أغلب الأحوال تهديد الأمن والسلم الدوليين.

وبعد دراسة كل هذه التحديات والتعقيدات، أنتقل إلى مناقشة الكيفية التي يمكن من خلالها للعلاقة بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي أن تفيد في تعزيز امتثال الجماعات الجهادية. والهدف من هذا هو توضيح بعض التحديات المترتبة على هذه العلاقة، وفي الوقت نفسه تقديم اقتراح مفاده أن اتباع نهج متكامل يمكن أن يساعد على بلوغ الغاية المنشودة. والأساس المنطقي الذي يستند إليه هذا النهج المتكامل هو إنشاء صيغة قانونية إنسانية عملية مستوحاة من القيم المشتركة للقانون الدولي والشريعة الإسلامية، بحيث يمكن لخبراء القانون الدوليين والمسؤولين عن وضع السياسات العامة استخدامها لتعزيز امتثال الجماعات الجهادية لقوانين الحرب والتزامهم بها.

وأخيرًا، أطرح الركائز الرئيسية الأربع لهذا النهج المتكامل، بوصفها المبادئ التوجيهية العملية لمن يهتم بتطبيقه في الحروب المعاصرة ذات الصلة.

س: نستنتج من ذلك أنك كتبت أطروحتك على أمل جذب انتباه خبراء القانون الدولي والمسؤولين عن وضع السياسات العامة.

أعتقد أن الأثر الأكبر لهذه الأطروحة سيكون على خبراء القانون الدوليين والمسؤولين عن وضع السياسات العامة أنفسهم إذا نجحت في إقناعهم بالتحلي بقدر أكبر من الانفتاح والتواضع والاستعداد للانخراط مع الثقافات القانونية، بخلاف تلك الثقافات التي اعتدنا على التعامل معها والتي أثبتت عجزها عن التعامل مع الجماعات الجهادية – على الأقل بمفردها – من أجل الوصول في نهاية المطاف إلى أهدافنا المنشودة. وفي بعض الأحيان، يجب أن يُستخدم القانون الدولي بطرق مختلفة لإثبات فعاليته. وبهذه النهج، أعتقد أننا بمقدورنا بالتأكيد الإسهام في الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها السعي إلى التعامل مع «الجماعات الجهادية الإسلامية» إذا استطعنا الدخول في حوار بنَّاء بين القانون الدولي والشريعة الإسلامية، يشمل جميع التفسيرات المتنوعة لهما ويضم أوجه التشابه والاختلاف فيما بينهما. ومع الأخذ في الاعتبار أن هذا النهج المتكامل من غير المرجح أن يسفر عن أي نتائج مثالية، ما زلت آمل أن تكون أطروحتي المتواضعة بمثابة لبنة لباحثين آخرين أقدر على بناء الجسور بين مجتمعين وثقافتين متباعدتين من خلال الحوارات المتحضرة القائمة على فهم الأخر.

التوثيق الكامل لأطروحة الدكتوراه: 

عمر أحمد محمود مكي، «السعي إلى التعامل مع «الجماعات الجهادية الإسلامية»: بين القانون الدولي والشريعة الإسلامية؛ البحث عن الإنسانية في خضم صراع الأسلحة والأفكار»، أطروحة دكتوراه، المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية، 2019. وقد ناقشها مكي في أيلول/ سبتمبر 2019. وترأس البروفيسور «أندرو كلابهم» لجنة المناقشة التي ضمت البروفيسور «أندريا بيانكي»، مدير الأطروحة، والدكتور أحمد الداودي، المستشار القانوني لشؤون الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي باللجنة الدولية للصليب الأحمر، جنيف.

نُشر الحوار في الأصل باللغة الإنجليزية على موقع المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف. وقد ترجمته «الإنساني» بإذن خاص. انظر أيضا للمؤلف نفسه: 

عمر مكي، في حروب اليوم، الأخلاق أيضًا تتصارع

أصل ومبادئ وتحديات… حوار حول القانون الدولي الإنساني مع المستشار عمر مكي